إلى أي مدى أنت حر في تشكيل معتقداتك الخاصة؟

0

يخبرنا الدكتور شريف عرفة في كتابه (إنسان بعد التحديث) أن الإنسان قد مر خلال مسيرته على هذه الكوكب عبر أربع مراحل ساهمت في تطوره النفسي والعقلي وتشكيل معتقدات تغيرت على مر الزمن، واختلاف نمط حياته وطريقة تعامله مع الأشياء والآخرين من حوله، وهي: إنسان الغاب وإنسان القبيلة، الإنسان المستقل وآخر مرحلة من مراحل التطور النفسي هي مرحلة الإنسان المستنير.

وضمن ما يخبرنا به في الكتاب، إن الكثيرين منا ما زالوا يعيشون على معتقدات إنسان الغاب الذي يعتبر القتل أمراً ضرورياً للحياة، ويعيش ليلبي حاجاته ورغباته فقط دون اعتبار للآخرين، أو إنسان القبيلة حين كان الانتماء الأول والأخير للقبيلة التي يعيش فيها ويطيع القواعد دون نقاش ويستطيع تأجيل رغباته ويخطط للمستقبل، حيث كان عمله الأساسي الزراعة والتي تحتم عليه أن ينظم حياته وأموره حسب مواسم الزراعة والأمطار، وبالتأكيد كان هذا الإنسان يصنف الآخرين من وجهة نظره حسب انتمائهم لقبائلهم أو مجموعاتهم!

ويبدو الانتقال إلى مرحلة الإنسان المستقل أمراً إيجابياً، فالتخلص من قيود الجماعة التي تحكم الأفراد والعيش والتفكير باستقلالية دون ضغوط تجعل الحياة أسهل وأفضل، وتجعله يسعى نحو تحقيق ذاته وعمل إنجازات عملية في حياته على الصعيد الشخصي.

رغم أن الإنسان المستقل قد يبدو للوهلة الأولى منتشراً بكثرة حولنا بسبب الكثير من التمرد على الأفكار الجماعية والعقليات القديمة ومواجهة ما يرونه أصبح (موضة قديمة) أو تلك التي لم تعد تتناسب مع العصور الجديدة والتقدم الذي وصل إليه الإنسان، إلا أن هذا ليس حقيقياً تماماً، في كثير من الحالات على الأقل، فالإنسان المستقل يتفهم اختلاف الآخرين عنه، ويحكم عقله ومرجعياته الخاصة، وهو قادر على انتقاد الأفكار السائدة ومدفوع بالإنجاز وتحقيق الأهداف الشخصية، يملك تقديراً ذاتياً عالياً ويشعر أنه مستقل حر الإرادة والاختيار، وأخلاقه نابعة من ضميره الذاتي.

إذاً ما الذي يدفع الناس لتغيير معتقدات كبروا عليها، والخروج عن قوانين ومفاهيم الجماعة التي يعيشون فيها، إذا لم يكن هذا الدافع هو الارتقاء إلى المستوى الأعلى؟

الاصطدام بين العالم الداخلي والخارجي للإنسان

لكل إنسان عالمه الداخلي الذي بدأ يتشكل منذ اللحظة التي بدأ يسمع فيها من حوله حين كان في رحم أمه، حتى كبر وأصبح قادراً على التفكير فيما يسمعه ومناقشته ومحاكمته، عالمه المكون من قيمه وأهواءه ورغباته وأحلامه وطباعه النفسية التي تحكم تصرفاته، ويمكن اعتبار هذا العالم الداخلي هو العدسة التي يرى من خلالها الخارج من حوله.

فيواجه المواقف التي تحدث معه والصدمات التي قد تصيبه وأحياناً الانفصال الشاسع بين ما يحمل من قيم وما يرى من تطبيقها في الخارج، وكلما كان الشرخ أوسع بين العالمين كانت الهوة التي ستحدث في نفس الشخص أكبر، والصدمة عند انكشاف هذا الفراغ أصعب وأكثر تأثيراً، مما سيجعل التغيير على المستوى الأعمق بالنسبة له.

رؤية من نعرفه يموت أمامنا دون سبب أو خوض تجربة حياتية صعبة أو الفشل في مرحلة من مراحل الحياة سيضعنا على المفترق ويجعلنا نراجع ما نعرفه ونعتقد به، لذلك كل التغيرات الحياتية التي تحدث تأتي بعد مواقف مفصلية وكلما كان الموقف أكثر صعوبة كان التغير أكبر لاحقاً.

اقرأ أكثر: هل التنمية البشرية هراء حقاً أم أن بعض المتطفلـين هم الذين جعلوها كذلك؟

تحقيق الاحتياجات النفسية

يولد كل امرئ وفي داخله عدة احتياجات نفسية هامة يسعى للحصول عليها مثل الحب والاحترام، الاهتمام، أن يشعر بوجوده أمام الآخرين، أن يجد من يواسيه في اللحظات التي يحتاج فيها هذا، أن يؤمن به من حوله أوالثقة فيه وهي ما تولد لديه ثقته بنفسه لاحقاً، وغيرها من الاحتياجات الأساسية والتي سنجد أن حياتنا كلها تتمحور حول الحصول عليها والإشباع بها، فإذا لم نستطع تأمين تلك الاحتياجات في ظل البيئة التي نعيشها أو دائرة المجتمع الخاص بنا، سنبدأ بالبحث عن طريقة لتحصيلها من الآخرين ولو وصل الأمر للتظاهر بغير ما نحن عليه، أو تغيير الشكل والأفكار كاملة لمجرد الحصول على القبول والمحبة وتحصيل الاحتياجات الخاصة بنا.

والأمثلة على هذا كثير، بدءاً من امرأة تغير شكلها لتحصل على الحب من الرجل، حتى من يغير دينه لأن من حوله لا يؤمنون به ولا يعجبهم فعله مهما فعل..وبين هذا وذاك الكثير من التفاصيل التي تتغير فينا كل يوم ونبني مكانها ذاتاً مزيفة سعياً فقط للحصول على تلك الاحتياجات، وحسب ما يقول الدكتور محمد طه اختصاصي الطب النفسي في جامعة المنيا في مصر، أن كل مرض نفسي وراءه حاجات لم تتم تلبيتها، مما يجعل الشخص يبني ذاتاً مزيفة يواجه بها المجتمع كما يصفها في كتابه علاقات خطرة.

أين موقعك من الحياة؟

ابتُلي جيلنا بلعنة العناوين الرنانة وفجر الطاقات الكامنة في داخلك وكن أعظم رجل في العالم وقصص النجاحات المحفزة التي تبين لاحقاً ان أغلبها مجرد مبالغات لم تحدث يخبروننا عنها لتحفيزنا للعمل وتحقيق أحلامنا، لكن ماذا عندما يتبين أن هذه الأحلام كانت أكبر من واقعنا، وأصعب من قدرته على مجاراتها؟..ماذا يحدث عندما نكتشف أن كل ما نفعله يذهب هباء منثوراً لا يُقدم ولا يؤخر ولن يتذكره أحد يوماً ما كما نأمل ولن يغير حياتنا أو حياة أحد كما كنا نتخيل!..

هنا يأتي السؤال المهم، أين موقعك في هذه الحياة؟..أين تضع مجهودك وطاقتك التي تبذلها؟ هل تفعل هذا ضمن المجال الذي تستطيع أن تترك حقاً أثراً واضحاً فيه، أم أنك تبذل وقتك وطاقتك في أمور لا تملك فيها أي صلاحية للتغيير.

كلّ منا يقع ضمن دائرتين، دائرة التأثير التي يقدر على إحداث تغيير من فيها، ودائرة الاهتمام تلك التي تقوم على مواضيع يعرفها ويهتم لسماع أخبارها لكنه في النهاية لا يقدر على تغيير قيد أنملة فيها، ماذا تستطيع أن تفعل مقابل غباء دونالد ترامب وتغريداته؟..لا شيء طبعاً..هل هذا يعني أن لا تسأل أو لا تهتم ولا تعرف؟

لا طبعاً، لكن لا تضيع مجهوداً كبيراً في متابعتها وتركها تؤثر على حياتك، هذا سيجعلك تقضي حياتك في الدائرة الخاطئة لأنك ستصل إلى مرحلة تقتضي منك تغيير مجرى حياتك كاملاً.

اقرأ أكثر: أزمات الهوية بين من نحن وما أخبرونا أن نكون!

فقاعات قابلة للانفجار

رغم الانفتاح الذي نعيش فيه، مازالت مجتمعاتنا عبارة عن دوائر منغلقة على نفسها، ومازال الكثير من الفئات سواء كانت ثقافية اجتماعية أم دينية تضع أولادها ضمن هذه الدائرة التي يرون الحياة كلها من خلالها، ويكبرون على معتقدات تريهم أن الدنيا عبارة عن أشخاص مثلهم، حتى إذا ما كبروا وخرجوا ورأوا العالم على حقيقته، بدؤوا يراجعون أفكارهم من جديد، ويعيدون التفكير في معتقداتهم وخصوصاً إذا كان هذا الانتقال إلى بيئة وفقاعة معاكسة تماماً لما كانوايعيشون فيه، فهم لم يعتادوا العيش كمختلفين عن الآخرين، سيبدأ الأمر ببعض المجاراة الظاهرية ثم ينتقل إلى تغير كامل، مالم تكن تلك المعتقدات قد تشكلت فيهم عن وعي وليس مجرد تلقين.

بالتأكيد ليست فقط هذه الأسباب هي التي تجعل أي شخص يتخلى عن معتقداتهم، لكن التجارب التي باتت معلنة تجعلنا نعيد النظر في كتير من الأمور التي كنا نعتقد بأنها مُسلَّمات، ونراجع علاقتنا بأنفسنا وبمن حولنا في المجتمع لنكون قادرين على تكوين أفكارنا بشكل مستقل، لا أقول دون تأثير من الحياة، لأن هذا كما قلنا شبه مستحيل، لكن بأقل قدر من التأثيرات الخارجية، أو على الأقل نمتلك الوعي الذي يجعلنا نفرق بين الأسباب الشخصية والتغيير الناتج عن تفكير وقراءة ووعي.

0

شاركنا رأيك حول "إلى أي مدى أنت حر في تشكيل معتقداتك الخاصة؟"

أضف تعليقًا