ملخص ومراجعة كتاب: قواعد العشق الأربعون

مراجعة رواية قواعد العشق الأربعون
1

واحدة من أهم الكتّاب التُرك التي ترجمت رواياتها إلى أكثر من ثلاثين لغة حول العالم، إليف شافاق التي نُشر لها 12 كتاباً كان للعديد منها صدى واسع في العالم، ولا سيما روايتها الأشهر “قواعد العشق الأربعون” فلا تستطيع أن تمر على روايات إليف دون أن تقف مطولاً أمام هذه الرواية.

صدرت الرواية في الولايات المتحدة الأمريكية في شباط عام 2010، وصدرت في المملكة المتحدة في حزيران من نفس العام، وحققت صدىً كبيراً في الوسط الأدبي وتناقلها القرّاء باهتمام شديد ليباع منها ما يقارب 550.000 نسخة، ولتصبح بذلك أكثر الروايات مبيعاً في تركيا في ذلك الوقت، والمراجعات الإيجابية على صفحة الرواية على Goodreads تعكس ذلك بوضوح، ولربما كانت رواية قواعد العشق الأربعون سبباً مباشراً في شهرة إليف شافاق وكتاباتها، وجعل جمهور محبي الأدب ينتظرون إصداراتها القادمة بحماس وشغف.

شراء رواية قواعد العشق الأربعون – إليف شافاق

تستهل الكاتبة روايتها عن قصة تدور أحداثها في عام 2008، كانت بطلتها “إيلا” المرأة الأربعينية التي تعيش حالة من الكآبة والرتابة بعد معرفتها بخيانة زوجها إضافة لما تعايشه مع أولادها من صراعات، كُلفت إيلا والتي كانت تعمل كناقدة أدبية بكتابة تقرير عن رواية “الكفر الحلو” لـ “عزيز زاهارا” التي تأخذ القارئ إلى القرن الثالث عشر الميلادي في رحلة عميقة مليئة بالحكم مع الصوفي شمس الدين التبريزي والفقيه جلال الدين الرومي، تلك الرواية التي ستغير حياة إيلا إلى الأبد.

تضم الرواية أربعين قاعدة من قواعد العشق سنتحدث عن أكثرها تأثيراً في القراء من خلال هذا المقال، وستتضمن السطور التالية اقتباسات من الرواية، ولكنها لا ترقى لأن تكون “حرقاً للأحداث”، ولا تغني عن اقتناء وقراءة الرواية الأصلية.

وقد يهمك أيضاً أن تتعرف على المزيد من روايات ايليف شافاق

شمس الدين التبريزي

يرى شمس في قاعدته الأولى أن معرفتنا بالله وحقيقة مشاعرنا تجاهه ما هيي إلا مرآة لإحساسنا ومعرفتنا بذواتنا حيث قال:

((إن الطريقة التي نرى فيها الله ما هي إلا انعكاساً للطريقة التي نرى فيها أنفسنا، فإذا لم يكن الله يجلب إلى عقولنا سوى الخوف والملامة فهذا يعني أن قدراً كبيراً من الخوف والملامة يتدفق في نفوسنا، أما إذا رأينا الله مفعماً بالمحبة والرحمة فإننا نكون كذلك))

مر شمس في رحلة حياته بالكثير من الناس، رافق العقلاء وجالس الزنادقة وحتى الكهنة وهو الأمر الذي جلب له كل تلك الخبرة، ومنه جاءت قاعدته الثانية:

((إن الطريق إلى الحقيقة يمر من القلب لا من الرأس، فاجعل قلبك لا عقلك دليلك الرئيسي. واجه، تحد وتغلب في نهاية المطاف على النفس بقلبك. إن معرفتك بنفسك ستقودك إلى معرفة الله))

إن الحال في ذلك الزمان شبيه بالحال في زماننا هذا، فوجود الله كما تراه الكاتبة لا يقتصر على بيوته من مساجد وكنائس، بل هو في قلب كل مؤمن آمن وصدق ولم يراوده شك، وهذا ما قصدته القاعدة الرابعة:

((يمكنك أن تدرس الله من خلال كل شيء وكل شخص في هذا الكون، لأن وجود الله لا ينحصر في المسجد أو في الكنيسة أو في الكنيس. لكنك إذا كنت لا تزال تريد أن تعرف أين يقع عرشه بالتحديد، يوجد مكان واحد فقط تستطيع أن تبحث عنه فيه، وهو قلب عاشق حقيقي. فلم يعش أحد بعد رؤيته ولم يمت أحد بعد رؤيته، فمن يجده يبقى معه إلى الأبد))

تقول الرواية أن شمس شخصية مستمعة أكثر منها متكلمة، يتريث كثيراً في كلماته لاعتقاده بأن الحقيقة قد تضيع بين أحرف الكلمات المتسرعة وغير المحسوبة وها هي قاعدته السادسة:

((تظهر معظم مشاكل العالم من أخطاء لغوية ومن سوء فهم ساذج. لا تأخذ الكلمات بمعناها الظاهري مطلقاً. وعندما تدخل دائرة الحب، تكون اللغة التي نعرفها قد عفى عليها الزمن، فالشيء الذي لا نقدر على التعبير عنه بكلمات، من غير الممكن إدراكه إلا بالصمت))

عندما علم التبريزي بأنّ على أحد الدراويش مرافقة الرومي علم بأنه سيكون هو، وحينها أحس بخوف غريب في داخله، أنه الخوف من اكتشاف أعماق ذاته أكثر بوجود شخص سيكون مرآته في الرحلة وصوته الداخلي، فتقول القاعدة السابعة:

((الوحدة والخلوة شيئان مختلفان، فعندما تكون وحيداً، من السهل أن تخدع نفسك ويخيل إليك أنك تسير على الطريق القويم. أما الخلوة فهي أفضل لنا، لأنها تعني أن تكون وحدك من دون أن تشعر بأنك وحيد. لكن في نهاية الأمر، من الأفضل لك أن تبحث عن شخص، شخص يكون بمثابة مرآة لك، تذكر أنك لا تستطيع أن ترى نفسك حقاً، إلا في قلب شخص آخر، وبوجود الله في داخلك))

جلال الدين الرومي

في قاعدته الثامنة اختصر شمس الكثير مما يجول في نفوس البشر عبر الأزمان، كيف يمكن أن يتحول بؤسهم ويأسهم إلى صبر!! إن ذلك لن يتم إلا باستعانتهم بالأمل والإيمان بأنه بعد كل ظلام دامس هناك فجر آتٍ لا محالة:

((مهما حدث في حياتك ومهما بدت الأشياء مزعجة فلا تدخل ربوع اليأس. وحتى لو ظلت جميع الأبواب موصدة، فإن الله سيفتح درباً جديداً لك. احمد ربك! من السهل عليك أن تحمد الله عندما يكون كل شيء على ما يرام. فالصوفي لا يحمد الله على ما منحه إياه فحسب، بل يحمده أيضاً على كل ما حرمه منه))

لم يترك شمس لعقل القراء مهمة تأويل معنى كلمة “صبر” حسب فهم كل منهم وتجاربه التي لا شك هي متباينة، لكنه استطاع في قاعدته التاسعة الإجابة على معناها بحيث تصل إلى قلب كل قارئ منهم إذ قال:

((لا يعني الصبر أن تتحمل المصاعب سلباً بل يعني أن تكون بعيد النظر بحيث تثق بالنتيجة النهائية التي ستتمخض عن أي عملية. ماذا يعني الصبر؟ إنه يعني أن تنظر إلى الشوكة وترى الوردة، أن تنظر إلى الليل وترى الفجر، أما نفاد الصبر فيعني أن تكون قصير النظر ولا تتمكن من رؤية النتيجة. إن عشاق الله لا ينفد صبرهم مطلقاً لأنهم يعرفون أنه لكي يصبح الهلال بدراً فهو يحتاج إلى وقت))

أي نجاح في الحياة لا يمكن أن يتحقق دون مواجهة العديد من الصعوبات، والأمر نفسه ينطبق على الحب، فلا يمكن أن يتبلور الحب إلا بعد ما نعايشه من ألم بسببه و هنا تأتي القاعدة الحادية عشر:

((عندما تجد القابلة أن الحُبلى لا تتألم أثناء المخاض فإنها تعرف أن الطريق ليس سالكاً بعد لوليدها، فلن تضع وليدها إذاً؛ ولكي تولد نفس جديدة، يجب أن يكون ألم. وكما يحتاج الصلصال إلى حرارة عالية ليشتدّ، فالحب لا يكتمل إلا بالألم))

أما القاعدة الثالثة عشر فهي القاعدة الذهبية للتبريزي الذي قالها لتلميذه عندما غادر التكية، ليعطيه المفتاح الذي يمكّنه من إيجاد معلمه الجديد حين قال:

((يوجد معلمون مزيفون وأساتذة مزيفون في هذا العالم أكثر عدداً من النجوم في الكون المرئي. فلا تخلط بين الأشخاص الأنانيين الذين يعملون بدافع السلطة وبين المعلمين الحقيقيين. فالمعلم الروحي الصادق لا يوجّه انتباهك إليه ولا يتوقع طاعة مطلقة أو إعجاباً تاماً منك، بل يساعدك على أن تقدر نفسك الداخلية وتحترمها. إنّ المعلمين الحقيقيين شفافون كالبلور، يعبر نور الله من خلالهم))

لطالما كان المرء يخاف من المجهول، يخاف من أن تنقلب حياته ويعيش تجارب جديدة لا يعرف عُقباها ولكن كيف لنا أن نعرف أين يكمن خيرنا إن لم نعايش تجارب جديدة؟ وهنا جاءت القاعدة الرابعة عشر:

((لا تحاول أن تقاوم التغييرات التي تعترض سبيلك، بل دع الحياة تعيش فيك. ولا تقلق إذا قُلبت حياتك رأساً على عقب. فكيف يمكنك أن تعرف أن الجانب الذي اعتدت عليه أفضل من الجانب الذي سيأتي؟))

وكان لقاء التبريزي مع ذلك المزارع البسيط في الرواية الأثر المهم لخروج القاعدة الخامسة عشرة والتي أظهرت أنه لا تفاضل بين الناس بين يدي الله غني أو فقير، أسود أو أبيض، لقد أعطانا جميعاً الكم نفسه من الحب والاهتمام:

((إن الله منهمك في إكمال صنعك، من الخارج ومن الداخل. إنه منهمك بك تماماً. فكل إنسان هو عمل متواصل يتحرك ببطء لكن بثبات نحو الكمال. فكل إنسان هو عبارة عن عمل فني غير مكتمل يسعى جاهداً للاكتمال. إن الله يتعامل مع كل واحد منا على حدة لأن البشرية لوحة جميلة رسمها خطاط ماهر تتساوى فيها جميع النقاط من حيث الأهمية لإكمال الصورة))

ليس هناك ما هو أسوأ من دنس الروح، إذ أنّ شفاؤه ليس بالأمر السهل، إلا أنّ هناك طريقة واحدة لمعالجته، وفيها جاءت القاعدة السابعة عشرة:

((إن القذارة الحقيقية تقبع في الداخل، أما القذارة الأخرى فهي تزول بغسلها. ويوجد نوع واحد من القذارة لا يمكن تطهيرها بالماء النقي، وهو لوثة الكراهية والتعصب التي تلوث الروح. نستطيع أن نطهر أجسامنا بالزهد والصيام، لكنّ الحب وحده هو الذي يطهر قلوبنا))

أما القاعدة الثامنة عشر فهي تجسيد حقيقي لكلّ واحدٍ فينا، إذ أنّ كل واحد منّا في داخله نار ونور وكلما عرفنا نارنا أكثر تغلبنا عليها وبذلك نكون قد اقتربنا من الله أكثر:

((يقبع الكون كله داخل كل إنسان، كل شيء تراه حولك، بما في ذلك الأشياء التي قد لا تحبها، حتى الأشخاص الذين تحتقرهم أو تمقتهم، يقبعون في داخلك بدرجات متفاوتة. لذلك لا تبحث عن الشيطان خارج نفسك، فالشيطان ليس قوة خارقة تهاجمك من الخارج بل هو صوت عادي ينبعث من داخلك. فإذا تعرفت على نفسك تماماً وواجهت بصدق وقسوة جانبيك المظلم والمشرق، عندها تبلغ أرقى أشكال الوعي. وعندما تعرف نفسك، فإنك ستعرف الله))

إنّ واحدة من أهم مبادئ علماء النفس والتنمية الاجتماعية تقول أنّ أفضل طريقة للتعافي الاجتماعي هي القدرة على محبة الآخر والتي لن تتحقق إذا لم تبدأ بحب نفسك أولاً، وهذا ما قصدته القاعدة التاسعة عشر:

((إذا أراد المرء أن يغير الطريقة التي يعامله فيها الناس، فيجب أن يغير أولاً الطريقة التي يعامل فيها نفسه. وإذا لم يتعلم كيف يحب نفسه، حباً كاملاً صادقاً، فلا توجد وسيلة يمكنه فيها أن يحب. لكنه عندما يبلغ تلك المرحلة، سيشكر كل شوكة يلقيها عليه الأخرون. فهذا يدل على أن الورود ستنهمر عليه قريباً، كيف يمكن للمرء أن يلوم الآخرين لأنهم لا يحترمونه إذا لم يكن يعتبر نفسه جديراً بالاحترام؟))

وفي حديث التبريزي مع وردة الصحراء عندما طلب منها ترك المبغى تجلت القاعدة العشرون، خوفها من المجهول وأخذ الخطوة الأولى جعل التبريزي يقول واحدة من أجمل قواعده:

((لا تهتم إلى أين سيقودك الطريق، بل ركز على الخطوة الأولى. فهي أصعب خطوة، يجب أن تتحمل مسؤوليتها. وما إن تتخذ تلك الخطوة، دع كل شيء يجري بشكل طبيعي وسيأتي ما تبقى من تلقاء نفسه. لا تسر مع التيار، بل كن أنت التيار))

حق الاختلاف هو من أسمى حقوق الإنسان، فاحترام أفكار الآخر وطبيعته ما هو إلا احترام لقرار الله وحكمته حين خلق لنا عقولاً وأشكالاً مختلفة ولكنّه أحبّنا جميعاً، وهنا جاءت القاعدة الواحدة والعشرون:

((لقد خُلقنا جميعاً على صورة الله ومع ذلك فإننا جميعاً مخلوقات مختلفة ومميزة. لا يوجد شخصان متشابهان، ولا يخفق قلبان لهما الإيقاع ذاته. ولو أراد الله أن نكون متشابهين لخلقنا متشابهين. لذلك، فإن عدم احترام الاختلافات وفرض أفكارك على الآخرين يعني عدم احترام النظام المقدس الذي أرساه الله))

وجودنا على هذه الأرض ليس أمراً عبثيّاً بل أكثر من ذلك، إنه مسؤوليّة تقع على عاتق كلٍّ منّا وهي إعمار الأرض بالمحبة كما قال الله تعالى، وهذا ما فسّره التبريزي في قاعدته الرابعة والعشرين:

((يتبوأ الإنسان مكانة فريدة بين خلق الله، إذ يقول تعالى: “ونفخت فيه من روحي”. فقد خُلقنا جميعاً من دون استثناء لكي نكون خلفاء الله على الأرض، فاسأل نفسك: كم مرة تصرفت كخليفة له، هذا إن فعلت ذلك؟ تذكر أنه يقع على عاتق كلّ منّا اكتشاف الروح الإلهية في داخله حتى يعيش وفقها))

وفي قاعدته الخامسة والعشرين أطّر التبريزي مفهوم الجنّة والنار وحوّلها من غيبيّة إلى كونية عندما جعلها موجودة في كل يوم نعيشه حين قال:

((إن جهنم تقبع هنا والآن، وكذلك الجنة. توقفوا عن التفكير بجهنم بخوف أو الحلم بالجنة، لأنهما موجودتان في هذه اللحظة بالذات. ففي كل مرة نحب، نصعد إلى السماء. وفي كل مرة نكره أو نحسد أو نحارب أحداً فإننا نسقط مباشرة في نار جهنم))

واحدة من أجمل ما قاله شمس هي قاعدته السادسة والعشرون، إنّ أفعالنا وأقوالنا سيئة كانت أو جيدة ستعود إلينا يوماً ما لا محالة، فلنكن حذرين مما تنطقه ألسنتنا:

((إنّ الكون كائنٌ واحد ويرتبط كل شيء وكل شخص بشبكة خفية من القصص. وسواء أدركنا ذلك أم لم ندركه، فإننا نشارك جميعاً في حديث صامت. لا ضرر ولا ضرار، كن رحيماً ولا تكن نماماً، حتى لو كانت كلماتك بريئة، لأنّ الكلمات التي تنبعث من أفواهنا لا تتلاشى بل تظل في الفضاء اللانهائي إلى ما لانهاية وستعود إلينا في الوقت المناسب. إن معاناة إنسان واحد تؤذينا جميعاً وبهجة إنسان واحد تجعلنا جميعاً نبتسم))

عندما أخبر ابن الرومي شمس بأنّ لديه الكثير ممن يسيؤون فهمه ولا يحترمونه أجابه التبريزي بأنّه لا شك لديه العديد من المنتقدين ولكنّه لا يملك أعداء، وهذا ما أظهره في قاعدته السابعة والعشرين:

((يشبه هذا العالم جبلاً مكسواً بالثلج يردد صدى صوتك، فكل ما تقوله سواء أكان جيداً أم سيئاً سيعود إليك على نحو ما. لذلك إذا كان هناك شخص يتحدث بالسوء عنك فإن التحدث عنه بالسوء بالطريقة نفسها يزيد الأمور سوءاً. وستجد نفسك حبيس حلقة مفرغة من طاقة حقودة. لذلك انطق وفكّر طوال أربعين يوماً وليلة بأشياء لطيفة عن ذلك الشخص. إنّ كل شيء سيصبح مختلفاً في النهاية، لأنك ستصبح مختلفاً في داخلك))

عندما سألت كيميا (ابنة الرومي) شمس عن معنى القدر أجابها من خلال قاعدته التاسعة والعشرين، حيث أخبرها بأن استسلامنا لأقدارنا جهل كبير إذ أنّنا نستطيع أن نضع بصمة قد لا تغير قدرنا ولكنها تجعلنا نعيشه بشكل أفضل:

((لا يعني القدر أن حياتك محددة بقدر محتوم. لذلك فإن ترك كل شيء للقدر وعدم المشاركة في عزف موسيقى الكون دليل على جهل مطلق. إنّ موسيقى الكون تعم كل مكان وتتألف من أربعين مستوى مختلفاً. إنّ قدرك هو المستوى الذي تعزف فيه لحنك. فقد لا تغير آلتك الموسيقية بل تبدل الدرجة التي تجيد فيها العزف)) 

أنت إمام نفسك قسّها وسيدها… هذا ما كانت ترمي إليه القاعدة الثانية والثلاثون، ولكن كونك كذلك يفرض عليك أن تحترم أنّ هذا ينطبق على غيرك أيضاً فلا تفرض منطقك على الآخرين:

((يجب ألا يحول شيء بين نفسك وبين الله، لا أئمة ولا قساوسة ولا أحبار ولا أي وصي آخر على الزعامة الأخلاقية أو الدينية، ولا السادة الروحيون، ولا حتى إيمانك. آمن بقيمك ومبادئك لكن لا تفرضها على الآخرين، وإذا كنت تحطم قلوب الآخرين فمهما كانت العقيدة الدينية التي تعتنقها فهي ليست عقيدة جيدة))

كلّ واحد فينا هو خليط من خير و شر…رمؤمن و كافر، ولكنّ مهمتنا هو معرفة ذلك ورؤية كلا الوجهين وعندها سنجد الحل لكل ما هو متناقض في داخلنا، وهذا ما عبرت عنه القاعدة الخامسة والثلاثون:

((في هذا العالم، ليست الأشياء المتشابهة أو المنتظمة، بل المتناقضات الصارخة هي ما يجعلنا نتقدم خطوة إلى الأمام. ففي داخل كل منا توجد جميع المتناقضات في الكون، لذلك يجب على المؤمن أن يلتقي بالكافر القابع في داخله، وعلى الشخص الكافر أن يتعرف على المؤمن الصامت في داخله. وإلى أن نصل إلى اليوم الذي يبلغ فيه المرء مرحلة الكمال مرحلة الإنسان المثالي، فإن الإيمان ليس إلا عملية تدريجية ويستلزم وجود نظيره الكفر))

عندما أخبر سليمان السكران التبريزي بأنّ هناك من يتأمرون على إيذائه لم تتغير ملامح وجهه حتى، إنه إيمانه بأنّ ما قد كُتب نافذٌ لا محالة، فلم الفزع!! وهذه قاعدته السادسة والثلاثون:

((لقد خُلق هذا العالم على مبدأ التبادل، فكل امرئ يكافأ على كل ذرة خير يفعلها ويعاقب على كل ذرة شر يفعلها. لا تخف من المؤامرات أو المكر أو المكائد التي يحكيها الآخرون وتذكر أنه إذا نصب لك أحدهم شركاً فإن الله يكون قد فعل ذلك. فهو المخطط الأكبر. إذ لا تتحرك ورقة شجرة دون علمه. آمن بذلك ببساطة وبصورة تامة، فكل ما يفعله الله يفعله بشكل جميل))

أقدارنا مكتوبة… أحداث حياتنا محددة وبدقة، إنّ الموت له ساعة ودقيقة لا تتأخر ولا تتقدم، وكذلك كل شيء في مسيرة حياتنا له توقيت محدد ودقيق، وهذا ما قاله التبريزي في قاعدته السابعة والثلاثين:

((إن الله ميقاتي دقيق، إنه دقيق إلى حد أن ترتيبه وتنظيمه يجعلان كل شيء على وجه الأرض يتم في حينه، لا قبل دقيقة ولا بعد دقيقة. والساعة تمشي بدقة شديدة بالنسبة للجميع بلا استثناء. فلكل شخص وقت للحب ووقت للموت))

أما القاعدة الثامنة والثلاثون فلقد كان لها التأثير الكبير في نفسي، إنّه إيماننا بأنّه في كل لحظه هناك فرصة لنا لنتجدد.. لنتغير… لنُخلق من جديد، ولكن كل ما نحتاجه هو جرأة البداية:

((ليس من المتأخر مطلقاً أن تسأل نفسك، هل أنا مستعد لتغيير الحياة التي أحياها؟ هل أنا مستعد لتغيير نفسي من الداخل؟ حتى ولو كان قد تبقى من حياتك يوم واحد يشبه اليوم الذي سبقه فإن ذلك يدعو للرثاء، ففي كل لحظة ومع كل نفس جديد، يجب على المرء أن يتجدد ويتجدد ثانيةً. ولا توجد إلا وسيلة واحدة حتى يولد المرء في حياة جديدة وهي أن يموت قبل الموت))

وختمت الكاتبة روايتها بالقاعدة الأربعين والأخيرة، حيث تركتها تصل إلى عقل وقلب كل قارئ لهذه الرواية، فلا حياة بلا حب… ابحثوا عن الحب في داخلكم:

((لا قيمة للحياة من دون عشق. لا تسأل نفسك ما نوع العشق الذي تريده، روحي أم مادي، إلهي أم دنيوي، غربي أم شرقي.. فالانقسامات لا تؤدي إلا إلى مزيد من الانقسامات. ليس للعشق تسميات ولا علامات ولا تعاريف. إنه كما هو نقي وبسيط. العشق ماء الحياة، والعشيق هو روح من نار! يصبح الكون مختلفاً عندما تعشق النار الماء))

تقييمي للرواية

أنا كقارئة لهذه الرواية لا أستطيع أن أنفي الأثر العظيم الذي تركته في نفسي، ففي كثير من الأحيان شعرت بأنها تنطق بما في داخلي وفي أحيانٍ أخرى قلبت كثيراً من المفاهيم في عقلي، ويمكن القول أنها في مكانٍ ما فعلت بي ما فعله كتاب “هازارا” بإيلا والذي هو إسقاط لما فعله التبريزي بالرومي. ألا وهو تغيير الفكر والنظرة لكثير من جوانب الحياة التي تجعلك ترى الله من مفهوم أوسع وأقرب إلى القلب.

شراء رواية قواعد العشق الأربعون – إليف شافاق

1