بجعات برية: دراما الصين في حياة 3 نساء طوال 3 أجيال

بجعات برية
1

بعض الكتب تستوقفنا كثيراً، لتجعل نسيانها صعباً والحديث عنها أصعب! أمر أشبه بمرحلة ما قبل البكاء. هذا هو ما فعله كتاب بجعات برية بي. أسميه كتاب لأنه خليط بين المذكرات الشخصية والملحمة الدرامية، في الواقع هي مذكرات شخصية مكتوبة بحِرفية عالية وبروح حساسة عايشت الأحداث وتأثرت بها.

(بجعات برية) للكاتبة الصينية (يونج تشانج) هو ملحمة إنسانية تدمج فيها الكاتبة تاريخ عائلتها بتاريخ الصين في الفترة بين عام 1909 حتى عام 1989. وهي فترة حادة وحاسمة في تاريخ الصين الحديث على الجانبين السياسي والثقافي بسبب التغييرات الهائلة خلالها.

بداية كتاب بجعات برية

يبدأ الكتاب بعد الإهداء الذي وجهته (يونج تشانج) إلى جدتها وأبيها الراحلَين، بالكرونولوجيا وهي طريقة تأريخ الأحداث بالتسلسل الزمني الخاص بها. جعلته الكاتبة في جدول واضح وخصصت آخر جزء من الجدول للملاحظات العامة (تقصد بها الأحداث التاريخية المهمة في كل عام).

فمثلاً سجلت في الجدول أنه في عام 1931 ولدت أمها وفي نفس العام دخلت اليابان إلى (منشوريا) وهى إقليم يقع شمال شرق الصين، وغير ذلك من ربط الأحداث التاريخية العامة بالأحداث العائلية الخاصة داخل الجدول.

سيسهل على القارئ كثيراً العودة إلى الجدول في حال اختلاط الأحداث عليه وهو الأمر الذي أشك في حدوثه، حيث أن أسلوب الكتابة سلس وبسيط كما أن هدف الكاتبة الأول من العمل كان مشاركة ذكرياتها الثقيلة نوعاً مع القارئ بطريقة تجعل المتلقي يتفاعل تماماً مع الشخصيات، ولا يشعر أبداً بكل تلك الأحداث التاريخية والسياسية التي تتخلل العمل!

ثلاث نساء وعشرات القصص

كتاب بجعات برية

يحكى العمل عن ثلاث نساء يمثلن نساء الصين عبر ثلاثة أجيال.. هن جدتها وأمها وهي نفسها.. تبدأ بجدتها (يونج تشانج) التي ولدت عام 1909 في تلك الفترة المظلمة من التاريخ الصيني، حيث يزخر الفصل الأول من الكتاب بتفاصيل مفجعة عن حياة المرأة في الصين في تلك الفترة. وعن التقاليد البالية التي سادت المجتمع آنذاك. تقاليد كانت تحدد جمال المرأة في أقدام مشوهة بسبب ربطها في فترة الطفولة. وتقاليد كانت ترفض حتى إطلاق الأسماء على البنات وتمنحهم أرقام بدلاً من الأسماء!

تعيش الجدة كجارية لأحد قادة الحرب الجنرال (شو) رئيس الشرطة. بعد أن باعها أبوها دون رحمة تحت نظام الجواري وسيدات المنزل. لكن الجدة تتمرد على الأمر وتتزوج من الدكتور(شيا) لتكمل معه حياتها. وتنتقل معه ومع أبنتها إلى (جنجو). ليعيشوا جميعاً ويلات الأحتلال اليابانى العنيف جداً  وتحالف الشيوعيين والكومنتاج عام 1937.

الفترة الثانية

الفصول التالية من الكتاب تحكي عن سيطرة (ماو تسي تونج) زعيم الحزب الشيوعي في الصين، والذى لجأ إليه الناس بعد أن استقر الذعر والخوف في النفوس من حكم (الكومنتاج) وزادت الرغبة الشعبية في التخلص من الاحتلال الياباني.

أفاض الكتاب في وصف فترة حكم (ماو تسي تونج) وحياة والدَي الكتابة في ظل مزاجيته ونرجسيته المتعارف عليها بالتعاون مع زمره الأربع وهي المجموعة التي ضمت زوجته وحاشيته. تلك الفترة التي تم التعتيم عليها إعلامياً بشدة حيث حاول (ماو) نشر فلسفته الخاصة الفارغة من المحتوى الحقيقي والتي تحاول إيهام الشعب بالجنة الاشتراكية المزعومة.

والدا (يونج تشانج)

بجعات برية

انضم والد (يونج تشانج) إلى الحزب الشيوعي عام 1938 وبدأ يتنقل تبعاً لأوامر قادة الحزب من مكان لآخر. وفي عام 1946 اندلعت الحرب الأهلية بين الكومنتاج والشيوعيين. وانضمت والدة (يونج) إلى الحركة الشيوعية السرية لتُعتقل هي وزوجها المستقبلي من قبل الكومنتاج ليتقابلا لأول مرة في المعتقل!

أثناء سرد الأحداث تبدو القصة درامية جداً لدرجة يصعب معها التصديق بواقعية الأمر. تحكي عن زواج والديها في ظل حكم (ماو) الذي حاول بكل الطرق قطع الصلة مع الصين قديمة الطراز من خلال ما أطلق عليه الثورة الثقافية. وتدرج والداها الشيوعيين في المناصب. وحصلا على عضوية الحزب في رابطة الشبيبة، لكنهما تعرضا للقهر والاعتقال مع بداية الثورة الثقافية.

كانت أمها تتجاهل أنوثتها كغيرها من نساء الصين الاشتراكية في ذلك الوقت الذي لم تعرف فيه النساء معنى الموضة واختيار الأزياء. وظهرت في أكثر من صورة مرتديه (أفارول) عسكري مثل زوجها. ومع معارضة والدها لسياسات (ماو) يُعتقل للمرة الأخيرة ويتعرض للتعذيب، وتقضي أمها وقتاً طويلاً في محاولة إنقاذ زوجها.

الكاتبة (يونج تشانج)

بجعات برية

هي المرأة الثالثة في هذه الرواية الملحمية. وقد أخذت اسم جدتها (يونج تشانج) الأولى وعاشت طفولتها في أوساط أصحاب الامتيازات والسلطة وشهدت صعود والديها وسقوطهم، كما رأت والدها يدخل المعتقلات مرات عديدة وشاهدت أمها في صراع دائم من أجل الدفاع عن المبادئ الشيوعية.

عام 1967، فشلت المحاولات العديدة لوقف الثورة الثقافية وتقلد والدها السلطة في (سيشوان) وكتب والدها مناهضاً لـ (ماو) وتم اعتقاله وأصيب بانهيار عصبي شديد. ولم يتم الإفراج عنه إلا عام 1972.

خلال هذه السنوات عملت (يونج) في وظائف مختلفة. فقد تم نفيها إلى أطراف جبال الهيمالايا حيث عملت كفلاحة، بعدها عملت مساعدة طبيب، وبعدها عملت في مصنع فولاذ بعد أن عادت من منفاها بسبب مرض والدتها ودخلت الجامعة التي غيرت مجرى حياتها عام 1973.

في الفصل الأخير من الرواية، تسرد الكاتبة كيف كافحت من أجل السفر. وكان ذلك بعد موت (ماو تسي تونج) وتفكيرها في فلسفتة الخاصة بالغاية وتحديد الأهداف. حصلت بالفعل على منحة دراسية في بريطانيا وتركت الصين لعشر سنوات كاملة حاولت خلالهم نسيان ماضيها تماماً. حتى جاءت والدتها في زيارة لها قصت لها خلالها القصة الكاملة لأسرتهم.

الكتاب ينتهي بصور شخصية للكاتبة وأسرتها موثقه من خلالها بعض أهم الأحداث التي مروا بها.

اقتباسات من الكتاب

“إذا كانت هذه هي الجنة، فما هو الجحيم؟”

“وحسب العادة المتبعة تزوج أبو جدي وهو فتى في الرابعة عشرة، من امرأة تكبره ست سنوات! وكان يعتبر من واجبات الزوجة أن تساعد على تربية زوجها!”

1

شاركنا رأيك حول "بجعات برية: دراما الصين في حياة 3 نساء طوال 3 أجيال"