ما لا تعرفه عن الجولان السوري: ما هو تاريخه وما سبب أهميته؟

الجولان السوري المحتل
0

خلال الأيام الأخيرة بات الحديث عن الجولان السوري المحتل واحداً من النقاشات الأكثر انتشاراً، حيث أن قرار الرئيس الأمريكي ترامب (الاعتراف بسيادة إسرائيل على الهضبة المحتلة منذ عام 1967) قد تسبب بموجات من الانتقادات والجدل في العالم العربي وحتى على الصعيد العالمي.

حالياً تعد الولايات المتحدة هي البلد الوحيد في العالم الذي يعترف بسيادة إسرائيل على الجولان المحتل، حيث أن قرارات الأمم المتحدة تحظر الاعتراف بسيادة البلدان على الأراضي التي تؤخذ نتيجة حرب. على العموم وبعيداً عن جدالات السياسة والتاريخ الحديث للهضبة، من المفيد معرفة المزيد عن طبيعة وتركيبة هذه المنطقة المهمة، ولماذا تعد مكاناً استراتيجياً للغاية ومحوراً مهماً لأي مشاريع سلام مستقبلي في الشرق الأوسط.

جغرافيا الجولان المحتل

جغرافيا الجولان السوري المحتل

مع كون الجولان هو هضبة كما يتضح من التسمية الشائعة له، فهو مرتفع عموماً حيث عادةً ما تكون معظم المناطق على ارتفاعات تتراوح بين 120 و 500 متر فوق سطح البحر، لكن هذا الأمر لا يمنع كون بعض المناطق مرتفعة أو منخفضة للغاية، ففي الشمال هناك جبل الشيخ (حرمون) بارتفاع 2814 متراً (مما يجعله أعلى قمة في سوريا) وبالمقابل هناك منخفضات حادة في الجزء الجنوبي على ضفاف اليرموك وبحيرة طبريا حيث هناك مناطق أدنى من سطح البحر بمقدار 200 متر.

من حيث الحدود، يمتد الجولان المحتل من جبل الشيخ شمالاً على الحدود اللبنانية، وصولاً إلى بحيرة طبريا ونهر اليرموك في الجنوب، حيث تظهر الاختلافات واضحة بين الصخور الجيرية البيضاء للجبل مقارنةً بالأرضية البازلتية السوداء للهضبة. من الغرب يحد الجولان وادي الأردن المنحدر بشدة نحو بحيرة طبريا، فيما الناحية الشرقية مستمرة على شكل هضبة بازلتية تتحول تدريجياً إلى سهول حوران. عموماً تبلغ مساحة هضبة الجولان حوالي 1800 كيلومتر مربع، تحتل إسرائيل حوالي ثلثيها، فيما الثلث الباقي من الهضبة تحت السيادة السورية.

مع تضمن الجولان لعدة أنهار وارتفاعه العالي نسبياً مما يؤمن هطولات مطرية جيدة، فالمنطقة عموماً زراعية بامتياز، ومع أن الأجزاء الشمالية من الهضبة عادةً ما تُستخدم لزراعة التفاح أو العنب، فالأجزاء الجنوبية المستوية (تتضمن تعرجات واختلافات ارتفاع أقل بكثير) مناسبة لزراعة كل شيء تقريباً.

تاريخ هضبة الجولان

من المعروف أن منطقة الجولان مسكونة من البشر منذ القدم، حيث أن هناك آثاراً تعود لأجناس بشرية بدائية (بالتحديد الإنسان المنتصب – Homo erectus) يعتقد أنها تعود لما يتراوح بين 230 و700 ألف عام مضت. عموماً أقدم الحضارات المسجلة في المنطقة هي العموريون الذين قطنوها منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد، وتلاهم سيطرة الآراميين مع نهاية الألفية الثانية قبل الميلاد.

خلال الألفية الأولى قبل الميلاد بدأ العبريون بالهجرة نحو أراضي فلسطين ووصلوا إلى الجولان التي استولوا عليها من العموريين وفق العهد القديم من الإنجيل، لكن السيطرة العبرية لم تمتد على الرغم من ذكر المنطقة كـ “ملأ آمن” في العهد القديم، حيث بقي هناك صراع بين الممالك الآرامية والعبرية على المرتفعات.

لاحقاً تناوبت عدة إمبراطوريات على حكم المنطقة بما فيها الآشورية والبابلية وبعدها الفارسية التي سمحت لليهود بالعودة من منفاهم في بابل ليلجأوا إلى الجولان. لاحقاً استولت الإمبراطورية السلوقية (نسبة إلى الامبراطور سلوقس الأول نيكاتور) على المنطقة، وتضمن الجولان عدة معارك ضمن ثورات اليهود المتتالية على السلوقيين ولاحقاً الرومان والبيزنطيين. تبادلت المنطقة الأيدي بين الرومان والمملكة الهيرودية عدة مرات، وفي عام 250 قبل الميلاد استولى عليها الغساسنة وأسسوا عاصمتهم “الجابية” هناك.

في القرن السابع وصل المسلمون إلى المنطقة، وبعدها بقي الجولان والمناطق المحيطة به بأيدي الخلافات الإسلامية والسلالات المتوالية حتى فترة الانتداب الأوروبي مطلع القرن العشرين. خلال القرن التاسع عشر كان الجولان قليل السكان للغاية وحتى أنه وصف بكونه شبه مهجور مع عدد قليل من البلدات والقرى، لكن مع الحرب التركية الروسية بدأ الكثير من اللاجئين بالتدفق إلى المنطقة، كما أن المجمعات الصهيونية بدأت بتشجيع هجرة اليهود إلى هناك تحت غطاء عثماني.

بعد حرب 1948 بقي الجولان تحت السيادة السورية مع منطقة منزوعة السلاح على الحدود مع الأراضي الفلسطينية المحتلة، لكن المنطقة بقيت محور اضطرابات عدة ونزاعات وغارات متبادلة بين الطرفين، وبحلول الستينيات ازدادت حدة الصراع الذي تحول إلى حرب 1967 التي انتهت بنصر إسرائيلي كبير تضمن احتلال الجولان السوري وسيناء المصرية. في حينها أرغم ما يتراوح بين 80 و131 ألف سوري على النزوح بينما بقي حوالي 7 آلاف تحت الحكم الإسرائيلي.

لاحقاً منعت الحكومة الإسرائيلية عودة السوريين المهجرين إلى الجولان، وبدأت منذ بداية الاحتلال بإنشاء المستوطنات في المنطقة، وخلال سنوات لم يبق سوى بضع قرى بسكان سوريين مقابل عشرات المستوطنات في كل مكان. وعلى الرغم من النصر الأولي في حرب تشرين (حرب أكتوبر) عام 1973 وتحرير شطر كبير من الجولان، لم يدم التحرير سوى لوقت قصير جداً مع عودة إسرائيل للاستيلاء على المنطقة بعدها بسرعة.

خلال العقود التالية جرت الكثير من المحادثات بغرض إعادة المناطق المحتلة إلى سوريا مقابل السلام مع إسرائيل وتطبيع العلاقات (على غرار اتفاقية كامب ديفد التي أعادت سيناء إلى مصر) كان أبرزها خلال الشطر الأخير من التسعينيات. لكن المحادثات فشلت مراراً وتكراراً وبقي الجولان تحت الاحتلال الإسرائيلي حتى اليوم.

المعالم والمواقع الأثرية المهمة في الجولان المحتل

شلالات بانياس في الجولان السوري المحتل

يتضمن الجولان عدة مواقع أثرية مهمة تعود لحقب زمنية مختلفة معظمها في الألفية الأولى قبل الميلاد أو القرون الأولى بعد الميلاد. حيث تضم هذه المعالم معابد ومنشآت تعود للعصر الروماني ومخصصة لعبادة آلهة رومان أو إغريق، كما أن هناك العديد من بقايا الكنائس البيزنطية والمعابد اليهودية التي تعود للألفية الأولى قبل الميلاد أو للحقب الرومانية والبيزنطية.

بعض أهم المعالم تتضمن “بانياس” وهي شلال ومعبد للإله الإغريقي “بان” والبلدة الأثرية لقصرين (الواقعة قرب المدينة الحالية وقد تم إعادة بناء آثارها) و”رجم الهري” المكون من حلقات من الحجارة الصغيرة تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، وبقايا قرية أم القناطر من القرن السادس وقلعة نمرود التي بنيت للدفاع ضد الحملات الصليبية.

بالإضافة للمواقع الأثرية، يتضمن الجولان محمية جمالا التي تتضمن آثار استيطان يعود لخمسة آلاف عام كما يتضمن الموقع برجاً وجداراً وكنيساً يهودياً وشلالاً وكنائس بيزنطية، كما أن هناك أماكن لمراقبة النسور التي تقطن في أحد الجروف هناك. وبالطبع هناك الشطر الأكبر من جبل الشيخ والذي لا زال تحت السلطة الإسرائيلية ويتضمن العديد من المطاعم والمنتجعات المخصصة للتزلج والرياضات الشتوية.

الثروات الباطنية والنفط

التنقيب عن النفط في الجولان السوري المحتل

مع كون الجولان المحتل صغير المساحة نسبياً مع تركيز أساسي على الزراعة لم يكن هناك اهتمام بالتنقيب عن المعادن والثروات الباطنية الأخرى وبالأخص مع الطبيعة البازلتية للمنطقة. لكن هذا لم يمنع حدوث عدة محاولات للتنقيب عن النفط خلال التسعينيات، ومع أن المعلومات عن كمية النفط الموجودة في المنطقة غير متاحة حقاً، فمن المعروف أن هناك كميات من النفط والغاز وقد قامت الحكومة الإسرائيلية بالتنقيب وحتى استخراج هذه الثروات على مدى عدة فترات زمنية.

عموماً وبغض النظر عن كمية النفط الموجودة، فعمليات التنقيب عن النفط عادةً ما تكون محدودة للغاية وتجري بعيداً عن الأنظار وبشكل سري حتى، حيث أن عملية التنقيب عن الثروات الباطنية في المناطق المحتلة يعد أمراً غير مسموح وفق القوانين الدولية واتفاقيات الأمم المتحدة.

لماذا يعد الجولان المحتل مهماً للغاية في المنطقة؟

السبب هنا ليس واحداً حقاً، بل أنه ينقسم إلى عدة نواحي مختلفة. حيث هناك الناحية الأولى والأساسية ربما وهي كون التمسك الإسرائيلي بالجولان يأتي لدواعي أمنية مهمة. حيث أن موقع الجولان كمنطقة بين سوريا والأراضي المحتلة يعطي أفضلية دفاعية وهجومية للطرف المسيطر عليه. كما أن قرب الجولان من العاصمة السورية دمشق يجعله مكاناً مهماً للغاية سواء للطرف السوري الذي يريد حماية عاصمته، أو الطرف الإسرائيلي الذي يريد وصولاً أسهل لاستهداف العاصمة السورية عند الحاجة.

من الناحية الأخرى هناك ببساطة موضوع السلام. فبغض النظر عن أهمية الجولان الأمنية والاقتصادية للطرف الإسرائيلي، فمكانته الأكبر ربما هي كونه ورقة قوية للتفاوض. حيث أن التخلي عن الجولان من الطرف الإسرائيلي من الممكن أن يقدم فقط مقابل معاهدة سلام وتطبيع كامل للعلاقات مع سوريا. وطالما أن العلاقات لا تزال في حالة حرب (ولو أنها باردة الآن) فالتخلي عن الجولان لن يكون أمراً مطروحاً من قبل الإسرائيليين.

هل سيتغير شيء نتيجة اعتبار الولايات المتحدة الجولان كأرضٍ إسرائيلية؟

قرار ترامب الاعتراف بالسيادة الاسرائيلية على الجولان السوري المحتل

من حيث العلاقات الدولية، من الممكن تشبيه الأمر بقرار ترامب السابق الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل وحتى نقل السفارة الأمريكية إليها. الأمر هنا شكلي إلى حد بعيد وأشبه بمناورة إعلامية، حيث أن أياً من هذين القرارين قد غير شيئاً كون الاحتلال الإسرائيلي للقدس أو للجولان قائم على أي حال سواء اعترف به ترامب كشيء شرعي أم لا.

من الناحية الأخرى، يبقى الأمر مقلقاً من ناحية كون تصريح ترامب سيسهل الأمر أمام تصريحات أخرى من قادة عالميين آخرين، وبالنتيجة فالموقف العالمي تجاه شرعية احتلال الجولان سيكون قابلاً للتغيير ولو بشكل طفيف مما يفيد الطرف الإسرائيلي في حال حدوث أي مفاوضات لاحقة على الجولان مقابل التطبيع من قبل سوريا.

0

شاركنا رأيك حول "ما لا تعرفه عن الجولان السوري: ما هو تاريخه وما سبب أهميته؟"