كيف تتحدى الشعوب ظروفها؟ تجربة سكان جبال الألب

تجربة العيش في جبال الألب
0

من منّا لا يعرف قصّة “هايدي” بنت الجبال التي لم تستطع الصمود أمام صخب المدينة، فتدهورت صحّتها حتّى اضطرّت عمّتها إلى العودة بها إلى حضن الجبال ورُفقة الماعز. لكن هل تعلمون أنّ هذه القصّة لا تقتصر على هايدي وحدها، وأنّها حكاية أجيال متتالية من الذين ترعرعوا مع الطبيعة ولم يقدروا على مفارقتها إلى اليوم؟ في هذا المقال، سنتحدّث قليلًا عنهم: سكان جبال الألب.

لنبدأ من جبال الألب

جبال الألب هي واحدة من أشهر السلاسل الجبلية في العالم، تقع في أوروبا وتمتدّ على حوالي 1200 كم عبر عدد من البلدان، وهي (من الشرق إلى الغرب): سلوفينيا، ألمانيا، النمسا، ليختنشتاين، ايطاليا، سويسرا، وفرنسا. وسمّيت هذه الجبال بالألب أي البيضاء باللاتينية، نسبةً إلى ردائها الأبيض الثلجي الذي تلتحِف به معظم أيّام السنة.

كانت جبال الألب الحاضنة الأولى للألعاب الأولمبية الشتوية التي نُظِّمت طبعتها الأولى سنة 1924 في بلدية “شاموني- Chamonix” الفرنسية الواقعة أسفل أعلى قمّة في سلسلة الألب، وهي قمّة “الجبل الأبيض- Mont Blanc” المشتركة بين: سويسرا، فرنسا، وإيطاليا.

جبال الألب تُبعَث للحياة في مراعيها

رغم الظروف الطبيعية الصعبة التي تتميّز بها تضاريس الألب من قمم ومنحدرات عمودية لمعظم الجبال، إضافةً إلى قسوة المناخ في فصل الشتاء بثلوجه الكثيفة ودرجات حرارته المنخفضة، إلاّ أنّ البشر سكنوا هذه المناطق منذ أكثر من 50 ألف سنة.

وإلى اليوم، هناك عدد من القرى المبعثرة على سفوح هذه الجبال ومرتفعاتها إلى ما يقارب 2000 متر فوق سطح البحر، ورغم اختلاف أصول سكان هذه القرى وجنسيّاتهم وبلدانهم إلّا أنّهم يشتركون في طابع ثقافي وفلكلوري متقارب جدًّا، وفي نمط معيشي لا يزال يفرض نفسه في وجه كلّ تكنولوجيا ورفاهية القرن الواحد والعشرين.

وقبل أن نذكر لكم أهمّ التحديات التي فاز بها أهل جبال الألب، فلتعلم -عزيزي القارئ- أنّ المساحات القابلة للاستصلاح والزراعة في جبال الألب تتراوح بين 16% و 29% في أحسن الحالات، وأنّ ما تمّ استصلاحه وفلاحته بالفعل يصل إلى 10%، حيث أنّ السكان قاموا بزراعة أنواع من الحبوب والخضروات في مرتفعات جبلية تتجاوز الألفي متر، ضارِبين عرض الحائط بقسوة التضاريس وصقيع المناخ.

صناعة الجبن في جبال الألب

قطعان الماشية في الألب

لقرون طويلة، كانت جبال الألب مناطق شبه منعزلة عمّا يحيط بها بسبب تضاريسها الوعرة، ولهذا فقد حرص سكان الألب على العيش على ما امتلكوه من موارد طبيعية دون الوقوع في حاجة المناطق المجاورة.

يربي معظم سكّان سفوح جبال الألب المواشي، لكّنهم لا يتّبعون نفس نظام الرّعي المعمول به في السهول أو بعيدًا عن هذه الجبال، إذ أنّ رعاة الماشية أنشؤوا منذ القرون الوسطى ما يُعرف بـ”مراعي الألب- les alpages”، وهي مراعي تقع في مرتفعات الجبال، يتمّ إرسال المواشي إليها في فصل الرّبيع، مزيّنةً بباقات الزهور في موكب بهيج على أنغام الأغاني والموسيقى.

والهدف من هذه العملية هو الحفاظ على ما تجود به الطبيعة في السفوح أثناء الربيع والصيف كمؤونة للشتاء، بدل إطعامها للماشية، فلولا هذا النظام المُبتكر لما بقيت قرى الألب صامدة إلى اليوم. حيث تبقى هذه المواشي طوال فصل الصيف بعيدًا عن مُلّاكها، تحت رعاية أشخاص (يُسمَّون بالفرنسية: les armaillis)، يَعرِفون المرتفعات جيّدًا ويتقنون الحركة فيها، ويقتاتون من العمل كرُعاة لقطعان الغير في فصل الصيف من كلّ عام.

فطوال فصل الصّيف، يتكفّل الرّعاة الجدد للماشية بسرحها في مرتفعات الألب، ويقومون بحلبها مرّتين في اليوم عادة، ويستغلّون حليبها للشرب وصناعة الزبدة والجبن.

تختلف أنواع الجبن حسب مكان المراعي وأنواع سلالة المواشي ووقت وطريقة التحضير، وتتميّز أجبان الألب بذوقها الفريد النّاتج عن تميّز الغطاء النباتي في أعالي الجبال، حيث العشب الأخضر غزير والأزهار متعدّدة الأنواع والعطور تكسو المكان، والتنقل بين المراعي يتطلّب من المواشي جهدًا بدنيًا يساهم في تحسين جودة الحليبِ و “جبنِ مراعي الألب” بأنواعه، مثل: Comté، Chevrotin، Beaufort، Banon، Abondance، Tome des Bauges.

ينتهي عمل مراعي الألب في فصل الخريف، حيث تعود المواشي إلى أهلها في حفل بهيج. ويبقى الجبن في أعالي الألب ليكمل دورة نضجه في الكهوف طوال الشتاء.

كروم العنب التي دخلت قائمة التراث العالمي لليونسكو

كروم العنب في جبال الألب

في حضن جبال الألب، تُطلّ على بحيرة “ليمان- Léman” مرتفعات مُدرّجة تمتدّ على طول 30 كم، تكسوها حوالي 800 هكتار من كروم العنب “لافو- Lavaux” السويسرية التي تمّ تسجيلها في قائمة التراث العالمي لليونسكو سنة 2007. ويرجع تاريخ إعمار هذه المرتفعات إلى أكثر من 50 ألف سنة قبل الميلاد، وقد أثبتت العديد من الحفريات والآثار التي عُثِر عليها في المنطقة أنّ السكان لم يغادروها منذ ذلك الوقت.

بدايةً من القرن العاشر للميلاد، بدأت زراعة كروم العنب في المنطقة، أمّا استصلاح المنحدرات الجبلية إلى مسطّحات مدرّجة فقد بدأ في أوائل القرن الرّابع عشر، وقد تمّ ذلك يدويًا وتطلّب الكثير من الوقت والجهد، ممّا عطّل تاريخ الانتهاء، فهناك عدّة أجزاء لم يتمّ “تسطيحها” إلّا في حدود سنتي 1750 و1830.

كروم العنب في جبال الألب

واجهت منطقة “لافو” العديد من التحديات طوال القرن العشرين، فقد كادت أن تحتلّها المنازل والمباني؛ أمّا زراعة الكروم فيها فقد كانت في خطر لسنوات طويلة بسبب كساد سوق بيع الخمر جرّاء تفضيل المستهلكين للخمور المستوردة ذات الأثمان المنخفضة.

وقد اضطرّت السلطات للتدخّل بتعديل النصوص القانونية في سبيل إنقاذ الحياة الفلاحية في منطقة “لافو” التي يتجاوز عمرها الألف عام، والتي تُعتبر شاهدًا حيًا على قدر الجهد المبذول لأجل تحقيق إنجازات تتجاوز حدود الخيال، وتتفوّق على المعقول والممكن.

جبال الألب: مِن سَببٍ للعزلة إلى مصدرٍ للرّزق

أوّل تَسَلُّق مُؤرَّخ لقمم الألب

جبال الألب الوعرة التي طالما زيّنت قِمَمُها البيضاء البطاقات البريدية السويسرية، ظلّت لقرون طويلة مَقصَدًا مستحيلًا بالنسبة لمعظم سكان القرى المجاورة والبعيدة على حدّ سواء، واقتصرت زيارةُ مرتفعاتها على القلّة الذين ترعرعوا هناك.

وحسب ما تقول تقارير الفيديرالية الفرنسية للنوادي الجبلية ونوادي جبال الألب فإنّ أوّل تسلُّقٍ تمّ تأريخُه للقمم الثلجية العالية لجبال الألب كان سنة 1358م، حين وصل الإيطالي Boniface Rotario d’Asti إلى قمّة Rochemelon الإيطالية التي ترتفع بـ 3538م عن مستوى سطح البحر، ليضع عليها تمثالًا لمريم العذراء.

سِحرُ الأنهار الجليدية

النقطة الفارقة في علاقة البشر مع جبال الألب كانت سنة 1741 حين وصلت مجموعة من السُّياح البريطانيّين إلى بلدية “شاموني -Chamonix” الفرنسية الواقعة أسفل “الجبل الأبيض- Mont Blanc”، وقد قامت هذه المجموعة بالتجوّل في نواحي المنطقة، وفُتِنوا بـالنهر الجليدي المسمى “بحر الجليد” والآخر الذي يحمل اسم l’Argentière.

والأنهار الجليدية عبارة عن كتل من الجليد، مسطّحة نسبيًا، ناتجة عن تكديسِ طبقات عديدة من الثلوج وسَحقِها نتيجةً لثقلها الخاص، ممّا يَطرُد الهواءَ بداخلها ويحوّلها إلى كتلة متماسكة عادة ما تتحرك ببطء شديد يجعلها تبدو ثابتة للعين المجردة.

النهر الجليدي "بحر الجليد" في جبال الألب

بطبيعة الحال، لم تكن هذه المجموعة أوّل من زار هذه المُثلّجة من الأجانب، لكنّهم كانوا أوّل من سوّق لهذه التجربة. وهكذا، بدأ النّاس يتوافدون إلى “شاموني -Chamonix” لرؤية المثلّجات ومحاولة تحدّي جبال الألب تحت أعيُن سكّان المنطقة الذين استغلّوا الفرصة للعمل كمُرشِدِين، كما افتتح العديد منهم نُزُلاً لاستضافة الزوار، فازدهرت السياحة تدريجيًا في “شاموني -Chamonix”.

جمعية مرشدي شاموني

سنة 1821م، تأسّست “جمعية مرشدي شاموني- La compagnie des guides de Chamonix” إثر وفاة ثلاثة مرشدين في حادث في “الجبل الأبيض- Mont Blanc”، وقد تأسّست هذه الجمعية لتقديم المساندة المادية والمعنوية لعائلات الضحايا.

اليوم، عُمرُ “جمعية مرشدي شاموني” يكاد يبلغ مئتي عام، وهي أكبر تجمّع لمرشدي الجبال في العالم، ومازالت إلى اليوم تُحافظ على مبادئها الأخوية وروحها المتعطّشة للتحدّي والاكتشاف والمغامرة، حيث أنّ أوّل من تسلّق “الجبل الأبيض- Mont Blanc” ذو القمّة الأعلى في القارة العجوز (ارتفاع: 4810 متر) هو “Jacques Balmat” (سنة 1786) والذي كان من أعضاء الجمعية المؤسِّسِين.

ولادة رياضة تسلّق الجبال

استمرّ تهافُت الوفود البريطانية إلى جبال الألب في القرن التاسع عشر، مفتونين بالمغامرات الجبلية نحو القمم الثلجية العذراء، ممّا أدّى إلى تحوّل هذه الممارسات إلى رياضة قائمة بحدّ ذاتها، تبعثُ الإثارةَ وتتحدّى تضاريس الطبيعة وقدرات الجسد، وقد كانت ولادة هذه الرياضة من رحم جبال الألب، ومن هنا جاءت تسميتُها بالإنجليزية: “Alpinism”.

عرفت هذه الرياضة أوجّها في الفترة بين عامي 1855 و1865 التي تسمّى “العصر الذهبي لتسلّق الجبال- the golden age of alpinism”، والتي قادها الوافدون البريطانيون ومُرشِدو جمعية شاموني، وأشهرهم: البريطاني “Edward Whymper” ومُرشِده  “Michel Croz” اللذان كانا أوّل من تسلّق أصعب قمم أوروبا، وهي قمّة “Cevin” (ارتفاع: 4478 متر)، وقد لاقى “Michel Croz” حتفه في رحلة النزول من هذه القمة، وكان ذلك سنة 1865.

من الألب إلى الهيمالايا: رحلةٌ عبر القِمم

بدأ تعطّش عشاق جبال الألب إلى قمم جديدة، أعلى وأصعب، فتوجّهوا إلى الهيمالايا. فأوّل من تسلّق قمم الهيمالايا هما الفرنسيان المتمرّسان في الألب: “Maurice Herzog” و”Louis Lachenal” (ابن جمعية مرشدي شاموني)، واللذان تمكّنا من التربّع على قمّة “Annapurna”، التي تعلو بـ8091 متر عن سطح البحر، وهي ثاني أعلى قمّة في العالم، وأوّل قمّة تفوق الـ8000 متر يتمّ الوصول إليها.

تطوّر السياحة في شاموني

في القرن العشرين، صارت بلدية شاموني الفرنسية قِبلةً حقيقية للسياحة في أوروبا، فإضافة إلى الفلكلور الفريد الذي يسود سفوح الألب ومرتفعاتها، وإلى القمم الجذّابة التي تُغري المغامرين في كلّ مكان، ظهرت في تلك الفترة العديد من الرياضات الشتوية التي تستقطب إلى اليوم أعدادًا هائلة من الزوار، ممّا حوّل شاموني من بلدة صغيرة إلى واحدة مِن أفضلِ منتجعات الرياضات الشتوية وكذلك مِن أحسن قواعد تسلّق الجبال في العالم!

التكنولوجيا أيضًا تتسلّق الجبال

ترام جوي في جبال الألب

في بدايات القرن العشرين، وتحديدًا سنة 1904، تمّ إصدار القرار بإنشاء “ترام جوّي- aerial tramway” يربط بين شاموني وقمّة “Aiguille du Midi” (ارتفاع: 3842 متر)، ويهدف إلى اختصار المسافات على من يريد بلوغ القمّة دون تسلّقها. بدأت أعمال المشروع سنة 1909، وواجه فريق العمل عدّة صعوبات أهمّها: قسوة التضاريس، وقلّة كفاءة التقنية في ذلك الوقت، والاضطرار للتوقف طويلا بسبب الحربين العالميتين الأولى والثانية ممّا أدّى لفشل المشروع في الوصول إلى القمّة المرتقبة.

سنة 1948، تمّ اتّخاذ قرار جديد فيما يخصّ مشروع الترام الجوي، ومفاده أنّ ما تمّ بناؤه لم يكن فعّالاً بالقدر الكافي، وأنّ أفضل حلّ هو إعادة تصميم وبناء كلّ شيء من جديد. وبدأ الفريق الجديد إعادةَ إنشاء المشروع سنة 1951م، وتمكّنوا من الوصول إلى ارتفاع 3796 متر، وأنشأوا جسرًا حديديًا يربط بين المحطة الأخيرة وقمّة “Aiguille du Midi”، وقاموا بتسليم المشروع بشكل نهائي سنة 1955.

تجب الإشارة بأنّ تأسيس هذا المشروع كلّف موت الكثير من العمّال، فقد كانوا ينجزون مهامّهم على قمم يفوق ارتفاعها 3000 متر، في مناخ شبه قطبي، ورياح شتوية تتعدّى سرعتها 200 كم في الساعة. لكن في النهاية حطّم هذا الترام الجوي الأرقام القياسية بأعلى محطّة نقل مسافرين جوية على الإطلاق، ويُعدّ إلى اليوم من بين الأعلى في العالم.

هل لاحظتم كيف ازدهرت منطقة الألب بأكملها عندما وجدت هذه الجبال المُفترِسة من يتحدّى الطبيعة ويروّضها؟

0

شاركنا رأيك حول "كيف تتحدى الشعوب ظروفها؟ تجربة سكان جبال الألب"

أضف تعليقًا