فنزويلا على المحك: عندما دفع الاقتصاد فاتورة السياسة!

فنزويلا على حافة الهاوية
0

هُناك قصة شعبية شهيرة تقول أحداثها:

إرمِ ضفدعًا في وعاء من الماء المغلي، وسوف تجده يقفز مسرعًا خارج الوعاء. ولكن إذا وضعته في وعاء من الماء البارد، وتدريجيًا وببطء وبشكل غير محسوس رفعت درجة الحرارة، سيجلس الضفدع بهدوء في الوعاء حتى يغلي.. حتى الموت.

وهذا تمامًا ما حدث في فنزويلا، الأزمة المشتعلة هناك هي فصل من أزمة ممتدة طوال عقود، اتُبع فيها منهجية الموت البطيء، والتدريج في تصدير الأزمة لليوم التالي، حتى جاءت لحظة الغليان. فقد وصلت الأزمة الفنزويلية إلى نقطة الغليان بعد أن خسر خوان جايدو حصانته البرلمانية عقب فشل الانقلاب الذي قاده مؤخرًا. لكن معركة القوة بين جايدو والرئيس نيكولاس مادورو هي فقط أحدث صراع واجهه الشعب الفنزويلي.

فعلى الرغم من امتلاك فنزويلا لأكبر احتياطي نفطي في العالم، ويمثل النفط أكثر من 90% من صادرات البلد العضو في منظمة أوبك، كما يمثل نصيب الأسد من إيرادات الحكومة، إلا إن فنزويلا تعيش اليوم واحدة من أكبر وأسوأ الأزمات في التاريخ المعاصر، بعدما وصلت لمرحلة الحضيض بدرجة لم تحدث من قبل. فقد أصبحت الأزمة الفنزويلية نموذجًا ودرسًا على الكيفية التي يمكن أن يقود بها الفساد وسوء الإدارة الاقتصادية والحكم غير الديمقراطي إلى حافة الهاوية.


بدأت فصول الأزمة، قبل عشرين عامًا، وتحديدًا في السادس من ديسمبر لعام 1999، عندما وصل الزعيم الاشتراكي الشاب والمتمرد السابق «Hugo Chávez – هوجو تشافيز» إلى السلطة في فنزويلا لأول مرة بانتصار ساحق، لتبدأ فنزويلا فصلًا جديدًا في تاريخها، بعدما أرسى الأساس للأزمة الإنسانية الآن.

منذ عشرين عام، أرسى هوجو تشافير قواعد الأزمة الإنسانية بسياساته الشعبوية.
منذ عشرين عام، أرسى هوجو تشافير قواعد الأزمة الإنسانية بسياساته الشعبوية.

إن عواقب السياسات الشعوبية التي بدأت في ظل الثورة البوليفارية لإدارة هوجو تشافيز، واستمرت تحت الرئاسة الحالية لنيكولاس مادورو، فضلًا عن الأوضاع السياسية المتأزمة والتناحر على السلطة، مما انعكس بالسلب على الاقتصاد الذي دفع فاتورة السياسة.

من هو هوجو تشافير؟

كان أول ظهور لتشافيز على الساحة الفنزويلية، عندما كان ضابطًا عسكريًا كزعيم للانقلاب الفاشل للاطاحة بحكومة الرئيس الفنزويلي كارلوس أندريس بيريز عام 1992. فقد كان هو ومعاونيه متآمرين ضد الفساد وعدم المساواة الذي رأوه، غير أن الانقلاب فشل، وسجن تشافير، لكنه بعد ست سنوات من ذلك استطاع استغلال موجة الغضب العارمة ضد النخب السياسية، وفاز برئاسة البلاد.

عندما أطلق ترشيحه في عام 1998، بعد صدور عفو رئاسي، والسماح له بالتحدث إلى البلاد على التلفزيون الوطني لفترة وجيزة، ولدت شخصية تشافير، كمتمرد فصيح اللسان، وأصبح من الواضح على الفور أنه لن يكون هناك شيء يوقفه عن مسعاه. وفي تلك الأيام الأولى للنظام، كان تشافيز يتمتع بشعبية كبيرة. وأظهرت استطلاعات الرأي حصوله على دعم حوالي 80% من السكان، وهو تقدير مدهش، إن كان قد وجد بشكل حقيقي.

لقد كان تشافيز، قائد الثورة البوليفارية، بنظرهم بمثابة خادمهم، ومنقذهم، والمنتقم لهم. الرجل الذي سيتكلّم بلسانهم، ويقاتل لأجلهم ويزوّدهم بالأمل، كان قادرًا في خطاباته الرسمية على التحدث لساعات طويلة دون توقف، بل أنه كان يستخدم أحيانًا لغة غير دبلوماسية.

كان تشافيز منحازًا إلى الفقراء، ورغم سوء إدارة الاقتصاد فى عهده، وبمجرد وصوله إلى السلطة، كان تشافيز يتصرف بدون توقف. قام بتأميم الشركات، وفرض ضوابط على معاملات العملة، ووضع قيود على أسعار الفائدة والأسعار، واستطاع أن يحصل على ثقة الفنزويليين، وأعيد انتخابه لعدة مرات. إلا أن المرض لم يتركه فى النهاية، وتوفى متأثرًا بسرطان القولون فى 2013. لتبدأ فصول المأساة.

مما يثير الدهشة، أن حكومة تشافيز الاشتراكية لا تزال قائمة. فقد تولى «Nicolas Maduro – نيكولاس مادورو» منصب الرئيس عقب وفاة تشافيز قبل خمس سنوات؛ لذلك عندما تُثار أحاديث عن زوال وشيك للنظام، أشعر ببعض البرودة.

الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو
الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو أتبع نهج سلفه فتفاقمت الأزمة.

فاز الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بفارق ضئيل في الانتخابات في عام 2013 بعد وفاة معلمه، الرئيس هوجو تشافيز. وفي عام 2018، تم انتخاب مادورو لولاية ثانية، في انتجابات وصفها المجتمع الدولي بالمعيبة. ومنذ الانتخابات، وقع الشعب الفنزويلي في انهيار اقتصادي، مما دفع 3 ملايين شخص إلى الفرار من البلاد.

لقد قام تشافيز ومن بعد مادورو خطوة خطوة وببطء، بتدمير اقتصاد فنزويلا والديمقراطية معًا. وبقي الجيش، هو المؤسسة الوحيدة التي حرص الرجلان على إطعامها بشكل جيد، حتى الآن، على الأقل. واتهم «Juan Guaido – خوان جايدو» رئيس الجمعية الوطنية في فنزويلا، والمنصّب ذاتيًا رئيسًا للبلاد، مادورو بأنه غير لائق للمنصب، وتلقى الدعم من الدول القوية في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من الدول الأوروبية.


نظرة على انهيار الاقتصاد الفنزويلي

كيف تأزم الوضع في فنزويلا؟

على الرغم من أن فنزويلا هي دولة غنية بالنفط، إلا أنه من الواضح للجميع أن الاقتصاد الفنزويلي منهار للغاية، حيث يجتاح البلاد تضخم هائل، ويعاني المواطنون من عدم توفّر العديد من السلع، والنقص المزمن في الغذاء والدواء، وإغلاق الشركات، والبطالة، وتدهور الإنتاجية، والاستبداد، وانتهاكات حقوق الإنسان.

كُل هذا كان نتيجة للفساد السياسي، وسوء الإدارة المالية والاقتصادية الصارخ، والاعتماد الشديد على عائدات النفط، وهي الأسباب التي دفعت فنزويلا إلى الانهيار، وتحويل الأزمة لأزمة ثلاثية العناصر، سياسية، اقتصادية، اجتماعية، أدخلت البلاد في النفق المظلم.

الأزمة الطاحنة التي ابتدعها تشافيز جراء السياسات الشعبوية والأشتراكية منذ أكثر من عشرين عام نتائجها تطل برأسها الآن لتكون واضحة للعيان، منها:

تراجع الاقتصاد، والتضخم الجامح، انهيار انتاج النفط، وسندات الحكومة المتعثرة، ونقص الغذاء والدواء، فالجوع يقتل الأضعف، وانتشار الأوبئة والأمراض بما فيها أمراض انقرضت لكنها عادت للظهور، وزيادة معدلات الجريمة والقتل، وانعدام الرعاية الصحية وعدم الأمان والتهديدات والخوف، والاحتجاجات التي تقودها المعارضة، وانقطاع التيار الكهربائي على نطاق واسع، كما اختفت الصحف والمجلات لعدم قدرتها على شراء الورق للطباعة.

لقد بات الحديث عن انقلاب عسكري وشيكًا يدور باستمرار، مع عقوبات دولية تعيق كبار المسؤولين، واحتمالية التدخل العسكري من جانب أمريكا؛ مع عدم قدرة مادورو على السيطرة على طوفان المهاجرين الذين يتدفقون إلى بلدانهم.

لقد ذاقت فنزويلا صنوفًا من المعاناة لوقت طويل في ظل فساد وسوء إدارة نظام مادورو، الأمر الذي دفع بالملايين إلى الفرار من البلاد، في خضم أزمة الجوع المدمرة، ليصل أعداد النازحين لأرقام قياسية، فقد بلغ عدد اللاجئين والمهاجرين من فنزويلا 3 ملايين شخص في العام الماضي 2018، وفقًا لمنظمة الأمم المتحدة.

فنزويليون يعبرون جسر سيمون بوليفار الدولي إلى كولومبيا في فبراير 2018.
فنزويليون يعبرون جسر سيمون بوليفار الدولي إلى كولومبيا في فبراير 2018.

كيف بدأت أزمة الأمة في التصاعد؟

تعيش فنزويلا، التي كانت تعتبر يومًا وحتى السبعينيات من بين أغنى الاقتصادات في العالم، في خضم أزمة اقتصادية وسياسية هائلة. بعدما ظلت في دوامة لسنوات مع تنامي السخط السياسي الناجم عن ارتفاع معدلات التضخم الجامح وانقطاع التيار الكهربائي ونقص الغذاء والدواء لمواطنيها.

منذ تسعينيات القرن الماضي، تحت قيادة تشافيز، استخدمت عائدات النفط لتمويل سياسات الرعاية الاجتماعية، مثل: إعادة توزيع الموارد لصالح الفقراء والتعليم والصحة، فضلًا عن الإعانات الموجهة لدعم الغذاء. وفي ذلك الوقت، كان جحم الإنفاق العام مستدامًا بسبب سعر النفط الخام الذي استمرت فنزويلا في إنتاجه، مما ضمن استقرار العملة الوطنية بفضل تراكم الاحتياطي.

وعندما وصل مادورو للسلطة، واصل مسيرة سياسات الرفاهية الشعبوية السخية، في محاولة يائسة للحفاظ على أسلوب قيادة سلفه، حتى انهيار سعر النفط الخام، الذي فقد في عام 2014 نصف قيمته. علاوة على ذلك، ساهم نقص الاستثمارات في التقنيات الإنتاجية الجديدة، إلى جانب مجموعة من العوامل الاقتصادية الكلية الأخرى، في تباطؤ حجم الإنتاج اليومي للنفط.

وكان لهذا بدوره تأثير سلبي على إجمالي صادرات البلاد، بالنظر إلى أن معظم الصادرات الفنزويلية تقوم على مبيعات المنتجات البترولية. لهذه الأسباب، لم يعد مادورو يعتمد بعد الآن على قطاع النفط لتمويل سياسات الرعاية الاجتماعية. ومن أجل مواصلة تمويل سياسة الإنفاق العام، بدأ البنك المركزي في طباعة أموال جديدة بشكل غير مدروس.

ليعاني الاقتصاد الفنزويلي نتيجة لتلك الخطوة غير المدروسة من التضخم الجامح الشديد، الذي يحدث حينما تفقد عملة الدولة قيمتها بسرعة في فترة زمنية قصيرة، لتنخفض قيمة العملة حتى تصبح عديمة القيمة.

فقد أدى معالجة العجز باتباع سياسة التسييل إلى حدوث ما يعرف بالتضخم وتوتر أسعار صرف العملة، حتى عام 2018 عندما فقدت عملة بوليفار الكثير من قيمتها تم استبدالها بـ عملة جديدة سميت بـ «sovereign bolivar – بوليفار سيادي».

نرشح لك قراءة: التضخم الفنزويلي في صور: 14 مليون ورقة نقد ثمنًا لدجاجة!

نتيجة للتضخم الفنزويلي، بلغت تكلفة الدجاج 14.6 مليون بوليفار، وهذا يُعادل كومتين مكوّنين من 1000 حزمة نقد بوليفاري، يبلغ طولهما 73 سم، ويزن ما يعادل 14.6 كيس من السكر 1 كجم.
صورة تعبيرية، توضح نتيجة التضخم الفنزويلي في أغسطس 2018، إذ بلغت تكلفة الدجاجة 14.6 مليون بوليفار، وهذا يُعادل كومتين مكوّنين من 1000 حزمة نقد بوليفاري، يبلغ طولهما 73 سم، ويزن ما يعادل 14.6 كيس من السكر بحجم 1 كجم.

الأرقام نفسها يمكن أن تصف بسهولة الدراما الفنزويلية

أشرفت حكومة نيكولاس مادورو الاستبدادية على انهيار فنزويلا في أزمة اقتصادية وإنسانية غير مسبوقة منذ عام 2014. فقد انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 18% في العام الماضي، وبلغ معدل التضخم 1,3 مليون في المائة في الأشهر الـ 12 السابقة حتى نوفمبر 2018.

لوضع الأمور في سياقها الصحيح، فإن معظم المواد الغذائية والأدوية، إذا توفرت نتيجة لضعف حركة الواردات، تكون باهظة الثمن بحيث لا يستطيع الأفراد شراؤها. وتحول تركيز السرقات من المال إلى الغذاء. لقد ازدادت معدلات الجريمة بطريقة متفشية وبشكل كبير في السنوات الأخيرة، مما جعل فنزويلا الدولة الأكثر عنفًا في أمريكا اللاتينية.

نتيجة لهذه الكارثة الإنسانية، ازدادت معدلات الهجرة؛ وفي الوقت الحاضر، يوجد 3 ملايين مهاجر فنزويلي في العالم، لتحتل فنزويلا المرتبة 16 من حيث عدد طلبات اللجوء. وهناك 9 من كل 10 أشخاص غير قادرين على تحمل تكاليف الغذاء.

هذا فضلًا عن قائمة طويلة من المؤشرات المثيرة لانتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك أعمال القتل خارج نطاق القانون، وإساءة استخدام المنصب، وفرض سياسات المراقبة والتتبع، وسجن السياسيين والصحفيين المعارضين، والافتقار إلى الحد الأدنى من الرعاية الصحية المقبولة.

يومًا بعد يوم يزداد الوضع سوءًا، وأصبحت حكومة مادورو أكثر قمعية. طالما ظل الجيش، أو على الأقل الجزء الأكثر أهمية منه، مواليًا لمادورو، فلا يوجد أي مخرج سلمي يلوح في الأفق القريب، خاصة من تلميح أمريكا بإمكانية التدخل العسكري، وتدخل الصين وروسيا لحماية مصالحهما المالية في فنزويلا.

الأزمة الفنزويلية المعقدة ليس لها أي علاقة باليمين أو اليسار. جايدو الذي نصب نفسه رئيسًا للبلاد ليس من اليمين المتطرف ومادورو ليس يساريًا. الدراما الحقيقية هي أن جايدو لم يثبت نفسه كقائد، في حين أثبت مادورو بالفعل أنه فاشل، بينما معظم الفنزويليين في الظلام، يتضورون جوعًا.

0

شاركنا رأيك حول "فنزويلا على المحك: عندما دفع الاقتصاد فاتورة السياسة!"

أضف تعليقًا