هل تسببت إبادة السكان الأصليين في أمريكا حقاً بانخفاض مستويات الكربون؟

المستوطنون الأوروبيون
1

التغير المناخي هو أحد أهم المواضيع التي يجب علينا أن نهتم بها ونحاول العثور على حلٍّ لها، وعلى الرغم من أنّ البعض قد يلوم الثورة الصناعية على ذلك إلا أنّ دراسةً جديدةً قد تغير من فهمنا للحقائق.

يذكر الجميع عام 1492 على أنّه العام الذي اكتشف فيه كريستوفر كولمبوس أمريكا، تلك القارة الجديدة التي أصبحت بعدها بسنوات هدفاً أمام أنظار المستوطنين الأوروبيين. لكن إن كنت تعتقد أنّ تلك الأراضي قد كانت خاليةً من السكان قبل وصول سفن كولمبوس إلى السواحل الأمريكية، فأنت مخطئ كلياً، فقد كانت أساساً موطناً لقرابة 60 مليون شخصٍ من السكان الأصليين (التقديرات متباينة)، ولكنّ هذا العدد أخذ بالتناقص تدريجياً لينخفض بعد مرور قرنٍ من الزمن إلى ما يُقارب 6 ملايين.

جلب الاحتكاك بين الأوروبيين والسكان الأصليين الموت للسكان الأصليين، ولم يتمّ ذلك بالسلاح وحده، بل أيضاً بالأوبئة التي جلبوها معهم مثل الحصبة والطاعون التي لعبت دوراً كبيراً في إبادة السكان الأصليين. ووفقاً لدراسةٍ حديثةٍ نُشرت في Quaternary Science Reviews فإنّ هذه الإبادة حدثت على نطاقٍ واسعٍ لدرجة أنّها تسببت في حدوث عصرٍ جليدي قصير، امتد من القرن السادس عشر وحتى منتصف التاسع عشر وانخفضت فيه درجة حرارة الكوكب.

واكتشف الباحثون من جامعة لندن أنّ الانخفاض السريع حينها في تعداد السكان تسبب في تعرّض مساحاتٍ شاسعة من الأراضي الزراعية إلى الهجر، وهو ما أدى إلى زيادة الأشجار واتساع رقعة الغطاء النباتي من جديد لتقوم بامتصاص المزيد من غاز CO2 وحبسه، وبالتالي إزالة كمية كبيرة من غازات الدفيئة من الغلاف الجوي مما تسبب بانخفاض متوسط حرارة الكوكب بمقدار 0.15 درجة مئوية.

عادةً ما ينظر الباحثون إلى الثورة الصناعية على أنّها أصل التغير المناخي الذي سببه الإنسان، لكنّ هذه الدراسة بينت أنّ البداية كانت قبل ذلك بـ 250 سنة تقريباً. ووفقاً لألكسندر كوتش الباحث الرئيسي في هذه الدراسة فعندما بدأ البشر باستخدام الوقود الأحفوري كان المناخ قد تغير سلفاً، ولكنّ ما قام به الوقود كان تسريع الأمور أكثر وبالاتجاه المعاكس.

خلال 100 عام أباد المستعمرون أكثر من 50 مليون شخص

لطالما كان إحصاء عدد السكان الأصليين الأمريكيين الذي تعرضوا للإبادة في الأمريكيتين تحدياً كبيراً، ويعود ذلك بالأساس إلى عدم وجود إحصائياتٍ دقيقة عن عدد السكان الذين كانوا يعيشون هناك قبل عام 1492.

ومن أجل تقدير تعداد السكان غالباً ما يعتمد الباحثون على مزيجٍ من أقوال الشهود ووثائق الأجور الخاصة بنظام Encomienda (الذي كان نظاماً اسبانياً للعمالة يستهدف تشغيل السكان الأصليين بعد الاستعمار)، ولكن في الحقيقة فكلاهما غير دقيق فأقوال الشهود تميل إلى المبالغة في الأعداد، لأنّ المستعمرين الأوائل كانوا يرغبون في تسويق فكرة غنى الأرض أمام أصحاب البنوك والممولين في أوروبا، أما الثاني فهو يعكس نظاماً مالياً للأجور عُمل به بعد أن قامت الأوبئة والأمراض بالقضاء على الملايين.

لذلك ومن أجل حلّ هذه المعضلة، استخدمت الدراسة طريقةً جديدة إذ تمّ تقسيم أمريكا الشمالية والجنوبية إلى 119 منطقة، وتمّ البحث في جميع التقديرات التي تعود إلى ما قبل وصول كولمبوس في كلّ واحدةٍ منها، وبذلك توصل الباحثون إلى أنّ المنطقة كانت موطناً لما يقارب 60.5 مليون شخصٍ قبل الاستعمار الأوروبي.

حالما قام كوتش وزملاؤه بتجميع الإحصائيات لكلّ فترةٍ زمنية توصلوا إلى نتيجة صادمة، ففي الفترة بين 1492 و1600 أبيد 90% من سكان أمريكا الأصليين وهذا يعني أنّ 55 مليون شخص ماتوا إما نتيجة العنف، أو بسبب الأمراض الجديدة عليهم مثل الحصبة والإنفلونزا أو الجدري. وهذا العدد هو أكبر من عدد السكان الحاليين لمدينة نيويورك، لندن، باريس، طوكيو وبكين معاً وكان يساوي في تلك الفترة 10% من عدد سكان العالم.

العلاقة بين الإبادة والزراعة والتغير المناخي

عند مقارنة هذه النتائج مع التقديرات لحصة كلّ فرد من المساحات المستخدمة للزراعة قدّر الباحثون أنّ السكان الأصليين كانوا يقومون بزراعة 62 مليون هكتار (619000) كيلومتر مربع قبل وصول الأوروبيين.

وهذا الرقم أيضاً انخفض بنسبة 90% أي أنّه وصل إلى 6 ملايين هكتار (60000 كيلومتر مربع) فقط بحلول عام 1600، ومع مرور الوقت نمت الأشجار والأعشاب في الأراضي التي كانت زراعيةً وقامت التربة بامتصاص المزيد من ثاني أوكسيد الكربون من الجو.

جولي باريسي واحدةٌ من السكان الأصليين تقف أمام حقل الذرة المزروع في إحدى المحميات الهندية، قرب بلدة Conquista do Oeste في البرازيل

فمن المعروف علمياً أنّ ثاني أوكسيد الكربون (الذي أصبح يُنتج بكمياتٍ كبيرة اليوم بسبب الأنشطة البشرية المختلفة) يقوم بحبس الحرارة في الغلاف الجوي للأرض، وبالمقابل تقوم الأشجار والنباتات بامتصاصه عبر عملية التركيب الضوئي وحبسه في التربة.

وعندما تحولت مساحات زراعية شاسعة (تعادل مساحة فرنسا تقريباً) إلى أرضٍ مغطاةٍ بالأشجار والأعشاب، انخفضت نسبة ثاني أوكسيد الكربون بشدة. والانخفاض كان شديداً لدرجة أنّه تسبب في انخفاض متوسط درجة حرارة العالم بمقدار 0.15 درجة مئوية وهو ما يُمكن اعتباره حلاً للغز الفترة المسماة العصر الجليدي القصير والذي تمددت فيه الجبال والأنهار الجليدية.

النظرية بين الثقة والشك، هل حقا أدت إبادة السكان الأصليين إلى التغير المناخي

يعتقد يورغ شافر (Joerg Schaefer) من مرصد الأرض في لامونت ودوهيرتي أنّ الباحثين هنا يبالغون قليلاً وقال لـ Live Science:” أنا واثقٌ أنّ هذه الورقة البحثية لا تفسّر سبب تغير نسب ثاني أوكسيد الكربون وتغيير الحرارة في تلك الحقبة”.

كوتش من الناحية الأخرى قال أنّ القليل من انخفاض نسبة الكربون قد يكون ناتجاً عن عوامل أخرى مثل الثورات البركانية والتغير في النشاط الشمسي، ولكنّه استنتج مع زملائه أنّ موت 55 مليون من السكان الأصليين في أمريكا يفسّر 50% من انخفاض نسبة الكربون في الغلاف الجوي في هذه الحقبة. وقال أنّ دراستهم يمكن أن تجعلنا نعيد النظر في آرائنا حول المدة التي بدأ فيها البشر بالتسبب في التغير المناخي.

وعلى الرغم من أنّ كوتش قال أنّ أفعال الإنسان قد تسببت في خفض مستويات الكربون قبل أن يُصبح البشر قلقين بشأن التغير المناخي إلا أنّ الباحثين حذروا من أنّ حصول مثل هذا الأمر حالياً لن يقوم يكون له دورٌ كبير في تخفيض معدل ارتفاع درجة حرارة الكوكب، ذلك أنّ الانخفاض في مستويات الكربون في القرن السادس عشر يعادل فقط الانبعاثات التي تصدر في 3 أعوام في وقتنا الحالي.

وقال كوتش: “لا يوجد طريقة للتقليل من انبعاثات الكربون الناتجة عن احتراق الوقود الأحفوري” ولكنّه أضاف أيضاً أنّ إعادة التشجير مازال يُعتبر أمراً ضرورياً.

1

شاركنا رأيك حول "هل تسببت إبادة السكان الأصليين في أمريكا حقاً بانخفاض مستويات الكربون؟"

أضف تعليقًا