امبراطور جديد لليابان
1

بعد يوم من تخلي والده عن العرش، وهو حدثٌ لم تعرفه اليابان منذ أكثر من قرنين، استلم الامبراطور الياباني الجديد ناروهيتو يوم الأربعاء، الرموز الإمبراطورية المقدسة (سيف وجوهرة وأختام رسمية)، التي تمثل خلفيته الحقيقية كواحدٍ من أعرق وأقدم سليلي الأنظمة الإمبراطورية الموجودة في العالم.

كانت مراسم التتويج سريعة وخاطفة، وأُقيمت في القصر الامبراطوري، وفيها تم الإعلان عن ناروهيتو ذي التاسعة والخمسين عامًا خلفًا رسميًا لوالده أكيهيتو، خمسٌ وثمانون عامًا، الامبراطور السابق لليابان، والذي حظي بشعبيةٍ كبيرة بين أبناء شعبه، وكان السبب في تقريب العائلة الحاكمة من الشعب، والتأكيد على رسالة السلام في بلد ما زال إرث الحرب يطارده.

وكان أكيهيتو قد تخلى عن التاج الذهبي يوم الثلاثاء، بعد أن خلف والده هيروهيتو على العرش الإمبراطوري لثلاثة عقود. وهو الإمبراطور الياباني الذي حكم اليابان أيام الحرب العالمية الثانية.

اليابان على موعد مع عهد جديد... ماذا تعرف عن أقدم عائلة مالكة في هذا العصر

ورغم أن دور الامبراطور في اليابان أصبح رمزيًا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية؛ إلا أن الامبراطور السابق كان بمثابة قائدٍ حقيقي للبلاد خلال الأزمات التي ألمّت بها، كزلزال عام 2011 والتسونامي المصاحبة له. كما سعى إلى مد يد العون إلى كامل أرجاء آسيًا، في محاولةٍ لإصلاح ما أفسدته الحرب.

كان المحافظون في اليابان رافضين لسياسة أكيهيتو واعتبروها سياسةً تكفيريةً تجاه آسيا. ورغم ذلك، يُرجح أن يتابع الامبراطور الجديد نهج والده في إحلال السلام وإحياء ذكرى الحرب. إضافةً إلى الجهود الرامية لإضفاء طابعٍ إنساني على النظام الامبراطوري.

أول تصريحات ناروهيتو كإمبراطور هي: “بتبوؤي هذا المنصب، أقسم أنني سأعكس العمق الذي انتهجه صاحب الجلالة الامبراطور الفخري، كما سأضع في الحسبان المسار الذي شقه الأباطرة السابقون، وسأكرس ذاتي للعمل على تطوير نفسي”.

جاءت تصريحات ناروهيتو بعد حفل التنصيب مباشرة. وقد صرح أيضًا: “سأعمل في خدمة وحدة شعب اليابان، منصرفًا بتفكيري دومًا نحو الشعب والوقوف معه”.

يأتي تولي ناروهيتو عرش اليابان في وقت تواجه فيه اليابان عددًا كبيرًا من التحديات، ومنها انخفاض معدل المواليد، وزيادة نسبة المعمرين بين أفراد الشعب. وتعمل اليابان اليوم جادةً للانفتاح على العمالة الأجنبية، وعلى تغيير ثقافة العمل الصارمة والراسخة في البلاد، والحد من عدم المساواة بين الجنسين.

وبموجب دستور ما بعد الحرب، لا يتمتع الامبراطور الذي كان يُنظر إليه سابقًا على أنه نصف إله بأي سلطةٍ سياسية تخوله معالجة أي من هذه القضايا مباشرةً، لكنّ بإمكانه أن يضبط إيقاع العمل. وقد عمل المحللون على النظر والتمحيص في تصريحاتٍ سابقة لناروهيتو بحثًا عن دلائل حول ما قد يبدو عليه حكمه.

ويعد ناروهيتو وزوجته ماساكو، خريجا أكسفورد وهارفارد والدبلوماسيان السابقان صاحبي نظرة منفتحة لليابان -البلد الذي اعتاد العزلة الطويلة- على العالم. وقد أشار ناروهيتو، المقل في تصريحاته العامة، أن على الملكية أن تتكيف مع الحداثة. ففي مؤتمر صحفي عقده في عيد ميلاده عام 2017 وبعد فترةٍ وجيزة على تصريح أكيهيتو برغبته بالتقاعد، صرح ناروهيتو قائلًا: “كما تهب رياح التغيير في كل عهد، تتغير قوانين العائلة الحاكمة كذلك، وأود أن أتعلم الكثير من دروس الماضي، وسأعمل وفقًا للتقاليد التي انقضت منذ عصور، مع متابعة الدور المثالي المنوط بالعائلة الامبراطورية في المستقبل”.

اليابان على موعد مع عهد جديد... ماذا تعرف عن أقدم عائلة مالكة في هذا العصر

وتواجه العائلة المالكة نفسها أزمةً وجودية. إذ لا يوجد على خط الخلافة بعد ناروهيتو سوى ثلاثةً من الذكور، ومنهم عمه ابن الثالثة والثمانين عامًا، وشقيقه ابن الثالثة والخمسين عامًا، وابن أخيه ابن الثانية عشرة عامًا.

ولا يُسمح للنساء بتولي عرش الإمبراطور في اليابان، وتكون النساء في عائلة الإمبراطور مطالبات بالتخلي عن ألقابهن الإمبراطورية وهجر العائلة رسميًا عند الزواج، فلا يحق لأولادهن أن يكونوا ضمن قائمة المرشحين لتولي عرش الإمبراطور. وكان ناروهيتو قد أجرى مؤتمرًا صحفيًا بمناسبة عيد ميلاده واعترف فيه بانخفاض “نسبة الذكور في العائلة الإمبراطورية”، وأكد أيضًا أن “ابتعاد النساء عن العائلة الإمبراطورية عند الزواج سيؤثر على مستقبل العائلة”. وقد أشار محللون عندئذ إلى أن كلام ناروهيتو كان تلمحيًا إلى ضرورة تغيير القواعد السارية في العائلة الإمبراطورية، وقال جيف كينجستون، مدير الدراسات الآسيوية بجامعة تيمبل في طوكيو: “ينبغي لنا إدراك ما يحاول قوله بين السطور، إنني أظن أنه كان يلمح إلى تأييده تولي النساء عرش الإمبراطور”.

ويعرف الإمبراطور الجديد بدعمه الشديد لزوجته وحمايته لها، سيما أنها تخلت عن مستقبلها الواعد في الحقل الدبلوماسي عند زواجهما، وأصيبت بنوبات الاكتئاب جراء الضغط الهائل التي رزحت تحته لإنجاب وريث ذكر، ولذلك، كان ظهورها العام خلال السنوات الماضية محدودًا جدًا. وقال ناروهيتو عام 2017 حول هذا الأمر: “مع أن الحالة الصحية لماساكو تتحسن تدريجيًا، فإنها ما تزال عرضة لفترات من التراجع والإحباط، وآمل أنها ستوسع نطاق نشاطاتها وظهورها العام  حين تستقر حالتها أكثر فأكثر”.

وكان الشعب الياباني متعاطفًا تعاطفًا كبيرًا مع ماساكو، ومشيدًا بناروهيتو لإخلاصه وتفانيه الشديد مع زوجته وابنته البالغة من العمر 17 عامًا. ويقول هيريو آبي، وهو ياباني يعمل في شركة بث عبر الأقمار الصناعية، وكان في طوكيو لحضور عرض مسرحي: “إنه يحيط عائلته بكل أنواع الرعاية والاهتمام، إنه رجل طيب للغاية”. وكان والد ناروهيتو قد حظي بسمعة حسنة بين مواطنيه عبر رحلاته الواسعة والعديدة في أرجاء اليابان، فقد عرف الإمبراطور أكيهيتو وزوجته الإمبراطورة ميشيكو بحضورهما الملاحَظ لأداء واجب التعزية عقب الكوارث في البلاد؛ فقد زارا منطقة كوبي عقب الزلزال الذي ضربها عام 1995 وأودى بحياة ما يربو عن 6500 شخص، وركعا أمام الناجيين في خرقٍ كبير للتقاليد الإمبراطورية. وفي أحداث التسونامي التي عصفت بالبلاد وأودت بحياة قرابة 16 ألف شخص في شمال البلاد، ألقى أكيهيتو خطابًا تلفزيونيًا غير مسبوق، طالب فيه الشعب بضرورة التراحم فيما بينهم “لتجاوز هذه الكارثة المهولة”.

وكان أكيهيتو قد خلف الإمبراطور هيروهيتو، وسعى خلال فترة حكمه للتكفير عن خطايا اليابان في الحرب العالمية الثانية، فزار مختلف البلدان الآسيوية التي تعرضت إلى هجوم القوات اليابانية أو غزوها خلال الحرب، ودعا إلى نشر رسالة المحبة والسلام. وكانت ظروف تولي أكيهيتو عرش الإمبراطورية في اليابان قد جاءت في ظل المرض الذي عصف بوالده، وهو نفسه قد عاني من المرضى حين أصيب بسرطان البروستات عام 2003، وخضع إلى عملية جراحية في القلب عام 2012، ولذلك، ربما جاء تخليه عن العرش لصالح ابنه تجنبًا لتكرار الظروف ذاتها التي مر بها عقب مرض والده هيروهيتو.

اليابان على موعد مع عهد جديد... ماذا تعرف عن أقدم عائلة مالكة في هذا العصر

ولم يكن قرار التنازل عن العرش بيد الإمبراطور وحده، إذ كان مطالبًا بالانتظار 3 أعوام بعدما أعلن صراحة عن رغبته في التنازل عن عرشه لمصلحة ابنه، فهذا الأمر يحتاج إلى إقرار قانون خاص وإصداره عن البرلمان الياباني حتى يصبح ساري المفعول. وقد صدر القانون فعلًا عام 2017، وهو يسري على أكيهيتو فقط دونًا عن الأباطرة المستقبليين. وخلال حفل التنازل الذي جرى يوم الثلاثاء، ودام 10 دقائق فقط، اعتلى الإمبراطور والإمبراطورة وفقًا للتقاليد الرسمية منصةً في غرفة حكومية ذات أرضية خشبية بنية اللون، شبيهة بأرضية صالة الألعاب في المدارس الثانوية. وكانت قائمة الحضور تضم قرابة 300 سياسي وقاضي في المحكمة العليا مع زوجاتهم، وكانت المنصة التي وقف عليها الإمبراطور محاطة بمقاعد خشبية من السرو، وُضِع عليها سيف إمبراطوري ومجوهرات وأختام ملفوفة جميعًا بقماش حريري. وكان الإمبراطور السابق، أكيهيتو، يرتدي معطفًا خفيفًا بذيل صغير وربطة عنق فضية اللون، أما زوجته ميشيكو فقد ارتدت ثوبًا طويلًا ذا لون ممزوج بين الأبيض والفضي مع قفازات بيضاء في يديها.

1

شاركنا رأيك حول "اليابان على موعد مع عهد جديد: ماذا تعرف عن أقدم عائلة مالكة في هذا العصر؟"