أحمد سعد الدين و (قلادة مردوخ): الرواية الفائزة بجائزة الدولة التشجيعية في الآداب بمصر!

أحمد سعد الدين و (قلادة مردوخ): الرواية الفائزة بجائزة الدولة التشجيعية في الآداب بمصر!
0

عالم الأدب دائمًا ما يُبهرنا بالمزيد والمزيد كل عام، وذلك بالتأكيد على أيادي كتّاب محترفين وقادرين على سبر أغوار الواقع بجميع خبراته ومواقفه، لإنتاج عمل فني وحبكة جديدة تقتبس من الواقع القليل، ومن الخيال الكثير. الكتّاب هم صُنَّاع العوالم، بيدهم خلق شخصيات من العدم، أو التخلص منها كأنها لم توجد من الأساس. وبالمنتصف أنت تتأرجح وتنتقل من صفحة لأخرى، لغير عالم بما قد يصدمك في الصفحة التالية.

هذه هي براعة الأدب، وهذه هي براعة رواية قلادة مردوخ للكاتب والمؤرخ أحمد سعد الدين. الرواية التي فازت بجائزة الدولة التشجيعية بمصر. وتلك جائزة حقًا رفيعة القدر والشأن جدًا، ولهذا يجب أن تكون الرواية الفائزة بها تتفق مع معاييرها الدقيقة إلى أقصى حد.

لن نتحدث اليوم عن الرواية، ولن نتحدث عن الكاتب. اليوم أتينا بالكاتب أحمد سعد الدين نفسه ليُحدثنا عن قلادة مردوخ، والجائزة، والأدب بالمُجمل.

قلادة مردوخ ليست العمل الأول للكاتب أحمد سعد الدين، فقبلها قام بتقديم كتاب تاريخي وموسوعي تحت مُسمى (فرعون ذو الأوتاد)، وهو الذي جعل اسمه متداولًا بين عموم القرّاء، وعلى وجه الخصوص قُرّاء التاريخ، فقد أخذ فترة 17 سنة كاملة من أجل كتابته. ولذلك قلادة مردوخ تتخذ طابعًا تاريخيًّا أيضًا، لكن مع بعض التفاصيل التي تجعلها مميزة فعلًا. ولذلك سألنا الكاتب مجموعة أسئلة تكشف المجهول عن طبيعة الرواية، وتُخبرنا بالمزيد والمزيد عن الكاتب نفسه.

قلادة مردوخ في وجهة نظر أحمد سعد الدين: فانتازيا واقعية؟ أم واقع فانتازي؟

قلادة مردوخ - أحمد سعد الدين

هذا سؤال يصعب الإجابة عنه، وأنا في الواقع ضد التصنيف الروائي، فأنا لا أميل إلى تصنيف الروايات حسب نوعها الفني، لكن لا بأس للاصطلاح حول تسمية الرواية التاريخية، لأني أراها تختلف جذريًّا عن سائر الروايات الأخرى.

أما بالنسبة لقلادة مردوخ، فقد مال البعض لتصنيفها تحت مسمى “فانتازيا تاريخية”، ودعني أعدل هذا المصطلح قليلًا، وأقول أن قلادة مردوخ هي “رواية تاريخية بطابع أسطوري”، فالرواية تعتمد في الأساس على خطوط تاريخية أساسية، رغم أنها أيضًا وفي ذات الوقت تسرد وقائع أسطورية تدور حول تلك القلادة الملعونة، ورغم ذلك فقد كنت حريصًا على عدم الإخلال بالخطوط التاريخية العامة لتلك الوقائع التاريخية المسجلة.

وحرصت أيضًا على أن يكون الخيال والفانتازيا على هامش هذه الخطوط التاريخية، وهي مدرسة معروفة في ملء فراغات التاريخ بخيال الروائي، دون المساس بالخطوط التاريخية التي ذكرتها؛ فالمدارس الأخرى في فن الرواية تميل إلى جعل الرواية مسرحًا مفتوحًا للروائي، وتبيح له إطلاق الخيال في كل الوقائع التاريخية، لأن الرواية في الأساس مبنية على الخيال، لكني أرى على الجانب الآخر أن التقيد بالخطوط الرئيسية للوقائع التاريخية هو واجب ألتزم به، لأن الرواية التاريخية تؤثر في الوعي الجمعي للبشر شأنها في ذلك شأن الأعمال التاريخية الدرامية، ويعتبرها المتلقي في كثير من الأحيان على سبيل الخطأ مرجعًا للتاريخ، لذلك فأنا أتحفظ كثيرًا على تلك المسميات وألتزم بالمنهج المحافظ على خطوط التاريخ العامة.

العمل الأبرز قبل قلادة مردوخ، كان الكتاب الموسوعي (فرعون ذو الأوتاد). فهل أثر بشكلٍ ما على أحمد سعد الدين أثناء كتابة الرواية؟

فرعون ذو الأوتاد - أحمد سعد الدين

على العكس تمامًا، قلادة مردوخ هي عمل روائي قبل كل شيء، حتى لو كان يتمحور حول التاريخ، وهي تختلف اختلافًا جذريًّا في تكوينها وموضوعها عن فرعون ذو الأوتاد، لأن كتابي الأول هو كتاب بحثي تاريخي، يغلب عليه السرد التقريري ومنهجية البحث العلمي، فضلًا عن ترجيحات ومراجع ومصادر وهوامش لا حصر لها خاصة وأنه كتاب موسوعي يقترب من الألف صفحة، لذلك كان علي أن أستغرق الوقت الكافي للفصل بين التأثير الطاغي الذي سيطر علي، والتخلص من الحالة التي تلبستني بعد فراغي من الكتاب، لأضع نفسي في حالة مختلفة وهي حالة الكتابة الروائية، وهذا بالطبع لم يكن بالأمر اليسير واستهلك مني وقتًا طويلًا للتخلص من تيمة الكتابة التقريرية، وبالطبع فإن هذا الأمر كان من أكبر التحديات التي واجهتني حين قررت أن أكتب رواية وليس عملًا تاريخيًّا بحثيًّا.

برأيك، هل اتباع الروائيين التاريخيين لنهج النقل أفضل؟ أم الاستقراء؟

أحمد سعد الدين

منهج النقل هو منهج معتبر بلا شك، لكنه وحده لم يعد كافيًا لإقناع القارئ بالإقبال على قراءة التاريخ، ونحن جميعًا عانينا من قراءة الكتب الدراسية التي تناولت التاريخ في قوالب جامدة غير مرنة، تعتمد في الأساس على النقل دون الاستقراء، ونتج عن ذلك نتائج وتأثيرات أعتبرها كارثية على أجيال كثيرة متعاقبة، فالنقل لا يكون بالضرورة دقيقًا أو موضوعيًّا، لا سيما إذا اعتمد على وجهات نظر أحادية مثلما نقرأ في كتب المدارس.

لذلك فإعادة الاستقراء واتباع منهج التاريخ المقارن هو الحل الأمثل لإعادة تقديم التاريخ للقارئ العربي، وأنا أرى أن الرواية التاريخية قد توارت خلف العديد من الألوان الروائية الحداثية في العقدين الأخيرين وربما أقدم من ذلك، فمنذ رحيل رواد الرواية التاريخية كـ (علي الجارم) و(محمد فريد أبو حديد) و(علي أحمد باكثير) و(نجيب محفوظ) وآخرهم (جمال الغيطاني)، دخلت الرواية التاريخية العربية في سبات طويل، لم ينجح أحد الروائيين من بعدهم في إعادة إحيائها من جديد، اللهم إلا بعض الأدباء الأقلاء كالأستاذ (محمد المنسي قنديل)، لكن جهود أديب واحد لا تكفي لإعادة إحياء الرواية التاريخية من جديد.

وفي رأيي أن أحد أهم الأسباب التي أدت إلى ذلك هو عزوف القارئ العربي عن قبول الخطاب التاريخي التقليدي، فطريقة السرد التقليدية للتاريخ، واتباع منهج النقل، ووجهات النظر الأحادية، وظهور وسائل التواصل الاجتماعي وتقدم صناعة السينما العالمية، جميعها كانت عوامل جعلت الأجيال الجديدة تنصرف إلى المادة المرئية والمسموعة، وتفضلها على المقروء من المواد، في ظل غياب المنافسة من المادة المكتوبة كالرواية والكتاب، ونستطيع أن نرى ذلك في تفضيل الشباب للأفلام والمسلسلات التاريخية عن الأعمال المكتوبة، لذلك فأنا مؤمن تماما بأن إعادة بعث الرواية التاريخية العربية يجب أن يبدأ بخطاب حداثي وقوالب استثنائية واستقراء التاريخ من جديد، وروايتي قلادة مردوخ هي تجسيد لهذه الفكرة، فهي عمل أعتبره من قبيل التجريب، يقدم التاريخ المسجل في قالب حداثي يعيد استقراء وقائع معروفة لدى الجميع من زوايا مختلفة، وأرى أن ذلك هو السبيل الوحيد لإعادة إحياء الرواية التاريخية وجذب القراء إليها من جديد.

حياة الكتّاب قبل الجوائز تختلف بالتأكيد عن بعدها، فكيف تغيرت حياتك بعد الفوز بالجائزة؟

أحمد سعد الدين

بالطبع اختلف شعوري كثيرًا بعد حصولي على جائزة الدولة، وكما أردد منذ فوزي بالجائزة، فإن جائزة الدولة مثلت لي مفاجأة كبرى، لأن جائزة الدولة في مصر هي أعرق الجوائز الأدبية في المنطقة العربية، لذلك فقيمتها المعنوية والأدبية تفوق بكثير قيمتها المادية، وغني عن القول أن من حصلوا عليها أسماء كبيرة جدًا في عالم الأدب على وزن (نجيب محفوظ) و (علي أحمد باكثير) و (يحيى الطاهر عبد الله) و (جمال الغيطاني) و (صلاح عبد الصبور) و (أنيس منصور) و (سهير القلماوي) و (فاروق شوشة) و (كمال الملاخ) و (مصطفى محمود) و (محمد المنسي قنديل) وغيرهم من أعلام الأدب في مصر، لذلك فحصول أي كاتب على جائزة الدولة في الآداب له تأثير جذري على مسيرته الأدبية، فالجائزة تعد إشارة خضراء للمضي في هذا الطريق، ومؤشر صريح للكاتب بأن يستمر في مسيرته الأدبية وأنه يسير في الطريق الصحيح، لذلك فأنا أرى أن وصفها بالتشجيعية هو اسم على مسمى، وأؤمن أن مسار حياتي سيتغير كثيرًا بعد حصولي على تلك الجائزة.

موظف بدرجة أديب، مصطلح ينطبق على نجيب محفوظ وأحمد خالد توفيق، هل يعتقد أحمد سعد الدين أن على الأديب امتهان الكتابة؟ أم أخذها كهواية حياتية؟

أحمد سعد الدين

لا أوافق على هذا المصطلح، ولا أرى هذين الرائدين ينطبق عليهما هذا الوصف، فالعبارة تعطي انطباعًا بأن الكاتب قد اتخذ من الكتابة وظيفة، وهذا يتعارض مع معنى الإبداع في الأساس، فالكتابة لدى المبدعين هي شغف قبل كل شيء، أراها دائمًا بوابتي السحرية لسبر أغوار عالم مختلف، أبحث بداخله عن ذاتي، ولو سألت عددًا من المبدعين الحقيقيين عن هذا المعنى لما اختلف وصفهم كثيرًا عن وصفي للكتابة كوسيلة سحرية للبحث عن الذات، لذلك فأنا لا أنظر للكتابة كمهنة، وهو السبب الرئيسي الذي جعل مجال دراستي ومهنتي مختلفًا عن مجال شغفي الذي هو البحث التاريخي والكتابة التاريخية، ولهذا قررت أن يكون مجال دراستي وعملي مختلفًا اختلافًا جذريًّا عن التاريخ، وأنا أراني في الأساس باحثًا تاريخيًّا، وهذا هو مجال شغفي منذ طفولتي، وكان لنشأتي دورًا أساسيًّا في ذلك، لكني اخترت مجالي المهني ليكون بعيدًا عن مجال الشغف، فالاشتغال بمجال الشغف يقتله في كثير من الأحيان، لذلك قررت أن أجعل مجالي المهني بعيدًا عن مجالي الإبداعي رغم صعوبة التوفيق بينهما.

العمل يأتي بالعمل، هذه قاعدة الأدباء. فهل يوجد عمل قادم قريبًا للكاتب أحمد سعد الدين ؟

أحمد سعد الدين

بالطبع يوجد عمل على وشك الصدور، وهو عمل بحثي تاريخي وليس روائيًّا هذه المرة، وأظنه سيمثل مفاجأة كبيرة للقراء، وأرى أن احتفاءهم به سيكون كبيرًا، وظني أنه سيتسبب في ضجة كبرى وسيثير الجدل أكثر مما أثاره كتابي الأول “فرعون ذو الأوتاد”، فهو موضوع فارق واستثنائي ويشغل اهتمام القراء والمتابعين داخل مصر وخارجها، فهو يمثل – كعادة كتبي – رحلة تاريخية طويلة على مدار ما يزيد عن 2300 عامًا، وأنا متأكد أنه سيحقق انتشارًا أكبر من سابقيه، لكني لا أستطيع الإفصاح حاليًّا عن عنوانه أو موضوعه، لكن أعد القراء بأنه سيكون مفاجأة تستحق الانتظار.

يا له من لقاء جميل فعلًا، ويا لها من إجابات دقيقة وفي الصميم. تشرفت مجلة أراجيك الإلكترونية بإجراء هذه المقابلة مع الكاتب والمؤرخ أحمد سعد الدين، ونتمنى له دوام الازدهار والتألق، وأن تنال جميع أعماله القادمة المزيد والمزيد من الجوائز المميزة.

الآن، ما رأيكم في قلادة مردوخ للكاتب أحمد سعد الدين إذا قرأتموها؟ وإذا لم تفعلوا، فهل ستشرعون في ذلك بعد غلق هذا المقال؟ شاركونا إجاباتكم في التعليقات!

0

شاركنا رأيك حول "أحمد سعد الدين و (قلادة مردوخ): الرواية الفائزة بجائزة الدولة التشجيعية في الآداب بمصر!"

أضف تعليقًا