في عصر التعاسة: هل تتغير متطلبات ومعايير السعادة عبر الزمن؟ أم نتغير نحن!

1

شارك المقال 👈

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pocket

لا شك أن إحساس التعاسة أصبح هو السائد في الأرجاء، فتعددت الأسباب والتعاسة واحدة، بداية من الأحوال الاقتصادية والمعيشية التي تُهلكنا، والحروب التي تقتلنا، أو المستقبل المظلم الذي لا نعرف مضمونه. لا أقصد أن أكون متشائماً أو أن أُشعرك بالتشاؤم ولكن الهدف من هذا المقال بعد قراءته هو الخروج “أقل تعاسة”.

هل هناك معايير للسعادة من الأساس؟

بديهياً، لكل منا معاييره الخاصة في تعريف السعادة، ومتطلباته الخاصة كي يصبح سعيداً، فما يجعلك سعيداً قد لا يكون كافياً لغيرك للحصول على نفس القدر من السعادة، وما تملكه الآن قد يكون جزءاً من أماني شخص آخر ليصبح سعيداً.

على الرغم من ذلك وُضعت بعض المعايير الأساسية او الحدود الأدنى للشعور بالسعادة، قبل ذلك دعونا نتعرف أولاً على “مملكة بوتان” التي تضع هذه المعايير وتطبقها على شعبها، الذي صُنف أسعد الشعوب في قارة آسيا، وثامن أسعد الشعوب في العالم.

قد تسمع عنها لأول مرة، فهي بلد صغير جداً في جنوب آسيا تقدر مساحتها بـ 38 ألف كيلومتر مربع فقط ويسكنها 634 ألف شخص، يحدّها من الجنوب والشرق والغرب الهند، ومن الشمال الصين، وهي بلد منعزلة تماماً بل وتصنف من أكثر بلدان العالم عزلة، فحتى شبكات الهاتف والإنترنت البطيء لم يصلا إليها إلا مؤخراً، ورغم ذلك فهي من الدول العشر الأسعد في العالم.

مملكة بوتان

نعود إلى معايير السعادة الأساسية والتي يضعها مركز الدراسات والأبحاث في مملكة بوتان وألخصها في التالي:

يقول مركز الدراسات في بوتان إن الأكاديميين والمحللين يقيسون دائماً مستوى السعادة بمستوى الدخل المادي للفرد وكذلك بمستوى الرفاهية التي يعيشها الفرد، فكلما زاد الدخل المادي وزادت الرفاهية تزداد السعادة، ولكن هذا المفهوم ناقص بشكل كبير. فهم لم يتطرقوا إلى العوامل غير المادية الأخرى في تحقيق السعادة كالعلاقات الاجتماعية، وصحة الفرد أو الجماعة، ومدى تأثير الفرد على المجتمع وعلى الآخرين.

فحصر السعادة بالدخل المادي والرفاهية فقط لا يؤدي الى السعادة الحقيقية بل يؤدي الى إحساس زائف يزول مفعوله سريعاً وقد ينقلب عليه بعد الوصول لمرحلة تشبع من الرفاهية، وهو ما يفسر حالات الانتحار والاكتئاب التي يشعر بها بعض الأغنياء، وعلى الجانب الآخر تصدر الرفاهية جانباً وهمياً ومزيفاً للفقراء ومتوسطي الدخل أن السعادة غير موجودة إلا في هذا النوع من الرفاهية فيصبحون ناقمين على معيشتهم.

إذاً تُعرّف مملكة بوتان السعادة بأنها الحصول على حياة كريمة ومتزنة نفسياً وأخلاقياً ومادياً، أما حصرها بمستوى الدخل المادي ومستوى الرفاهية فقط فهو أمر غير مقبول وقد يفسر الكثير مما آل إليه الحال للكثيرين ربما.

هل هذه المعايير ثابتة عبر الزمان والمكان؟ أم أنها متغيرة؟

يقودنا هذا السؤال إلى معضلة فلسفية بعض الشيء، للوهلة الأولى قد تتأكد أن الحصول على حياة كريمة ومتزنة نفسياً وأخلاقياً ومادياً هي أساس وأصل الحصول على السعادة وبالتالي فهي المعايير الثابتة التي تُبنى عليها كافة استنتاجات السعادة والتعاسة والاكتئاب في أي زمان وفي أي مكان.

يقول الباحثون في هارفارد وفقاً لتقرير نُشر بعنوان “تاريخ السعادة” إن هناك بعض العوامل الزمانية والمكانية التي تؤثر في معايير السعادة العامة، فإذا ما نظرنا إلى تاريخ الولايات المتحدة وتعمقنا في حياة الأشخاص العاديين سنجد أن معايير السعادة متأثرة دينياً ومجتمعياً وسياسياً بالحقبة الزمنية التي يعيشون بها.

فعلى سبيل المثال في حقبة ما قبل القرن الثامن عشر في الولايات المتحدة، كان يؤمن بعض المتدينين البروتستانت آنذاك إن الله لا يسمح بالفرح والسرور، ولا يسمح بالرفاهية والملذات، بل كلما كان الشخص كئيباً ومتقشفاً ولا يجد قوت يومه كان أقرب إلى الله! فهل يعني ذلك ان هؤلاء الأشخاص لم يكونوا سعيدين؟

وفي نهاية هذه الحقبة ومع دخول القرن الثامن عشر ازدهرت بشكل كبير تجارة العبيد والتفرقة العنصرية، فقد يولد الشخص عبداً ومنذ نعومة أظافره إلى فحولته يظل عبداً فكانت معايير السعادة في هذا الوقت وهذا المكان هي حياة العبد بشكل كريم في منزل سيده والثناء عليه، وعند دخول مرحلة التنوير اختلف هذا المفهوم وبدأت هذه المعايير في التغيّر وأصبحت العبودية هي أكبر أشكال الذل والمهانة.

قِس على ذلك المتغيرات الدينية والمجتمعية والسياسية منذ قديم الأزل إلى وقتنا هذا.

إلى أين أوصلتنا هذه المتغيرات الآن؟

وفقا لأحد الأبحاث التي نُشرت من أحد الباحثين في علم النفس بجامعة فيرجينيا الأمريكية بعنوان “ Concepts of happiness accross time and cultures “ يقول ان مفهوم السعادة تغير عبر الأزمنة والثقافات منذ بداية التاريخ كما نعرفه مرورا بالعصور المظلمة وعصور الازدهار وصولا الى عصور التاريخ الحديث ووقتنا الحالي.

تم اجراء البحث على حوالي 30 أمة مختلفة بثقافات مختلفة منذ بداية عصر التنوير في القرن الثامن عشر وحتى يومنا هذا، وجد الباحثون أن معايير السعادة منذ ذلك الوقت وإلى الآن تمحورت حول الحظ الجيد والظروف المعيشية الجيدة والحالة المزاجية الجيدة، وبتحقيق هذه المعايير يصبح الشخص سعيداً.

نجد أن النتائج التي توصل لها الباحثون مشابهة تماماً للنتائج التي ذكرها مركز الدراسات والأبحاث في مملكة بوتان حول معايير السعادة في الوقت الحالي، وبذكر تغير هذه المعايير عبر الزمان والمكان يقودنا ذلك سريعاً الى مرحلة خطيرة قد تشهد تغييراً جذرياً في معايير السعادة.

مرحلة مابعد السوشال ميديا

تعد السوشال ميديا او مواقع التواصل الاجتماعي هي مصدر التعاسة الأول للجميع، وذلك بسبب الفروق الشاسعة في أنماط الحياة المختلفة كحياة المشاهير والمؤثرين واظهار جوانب الرفاهية والسعادة فقط في حياة البعض وكذلك المقارنات المستمرة بين حياة الشخص الطبيعي والحياة التي يراها على مواقع التواصل، إلى ان غيرت هذه المواقع “لا اراديا” معايير السعادة السابق ذكرها، وأصبح الجميع ناقمين على حياتهم بسبب خلل في تعريف هذه المعايير، فأصبحت حياة الرفاهية هي معيار السعادة الأول.

فإن كانت القدرة على شراء الملابس اللائقة هي مصدر سعادة لك في السابق، أصبح شراء الملابس باهظة الثمن التي تحمل علامة تجارية ما هي معيار السعادة فتصبح ناقماً على ما لديك. وإن كان امتلاكك لسيارة جيدة هي مصدر سعادة لك، أصبح امتلاك سيارة فارهة هي فقط مصدر السعادة فتصبح ناقم على سيارتك.

على مر التاريخ ربما كانت تتغير معايير السعادة للأفضل، فمن مرحلة إرضاء الله بالاكتئاب والتقشف في حقبة ما قبل القرن الثامن عشر، إلى مرحلة معايير السعادة في العبودية، إلى الظروف المعيشية الجيدة والحياة الكريمة في مرحلة ما بعد التنوير وصولا الى وقتنا الحالي، فنحن الآن بصدد تغيير جذري آخر في معايير السعادة ينذر بكارثة محققة.

السعادة دائماً في الرضا

قد تتغير معايير السعادة عبر الأزمنة ولكن يبقى المعيار الوحيد الذي لا يتغير هو الرضا بالحال، فعلينا إعادة حساباتنا جميعاً في ربط الرضا بالسعادة والعمل دائما على أن نصبح الأفضل، فمواقع التواصل الاجتماعي تظهر أنماط حياة مزيفة وغير حقيقية بالمرة، فالشخص الذي تراه مرفهاً على مواقع التواصل وتضع نمط حياته معياراً لسعادتك قد يكون مصابا بمرض ما أو غير سعيد لأسباب اخرى لست على دراية بها.

وقد يصبح وقت إجازتك الصغير الذي تشاركه على مواقع التواصل معياراً أيضاً لسعادة شخص آخر فيصبح ناقماً على حياته، فهو أيضاً لا يعرف كم الضغوط والمشاكل التي تمر بها في حياتك. فاجعل معيار سعادتك دائماً هو الرضا بالحال، والتطلع إلى الأفضل.

1

شاركنا رأيك حول "في عصر التعاسة: هل تتغير متطلبات ومعايير السعادة عبر الزمن؟ أم نتغير نحن!"

أضف تعليقًا