بعض التفاؤل جيد، لكن لتنجح يجب أن تعرف حدودك وقدراتك، فأنت لست بطلاً خارقاً

3

قبل دقائق فقط من بداية كتابتي لهذه السطور استوقفني مقطع فيديو “تحفيزي” على فيس بوك. في المقطع يظهر شخص يرتدي زي ضابط بحرية أمريكي متقدم بالسن وهو يلقي خطاباً تحفيزياً عن تخطي العقبات وتجاوز الحدود وهذه الأمور المعتادة. ومع أن هذا النوع من المحتوى منتشر للغاية وتتم مشاركته في كل مكان، فقد استوقفتني بداية الحديث، حيث يبدأ الضابط الأمريكي بالحديث عن أن أفضل طريقة لتجنب هجمة القرش هي لكمه على أنفه بدلاً من تجنبه والهروب منه.

أولاً وقبل أن أدخل في الموضوع الأساسي لما أكتبه، يجب التنويه إلى أن أسوأ ما يمكن أن تفعله لسمكة قرش تقترب منك هو أن تحاول لكمها، فقدرتك على اللكم تحت الماء شبه معدومة ولن تمكنك من تحقيق أي أذى، كما أن القرش ينجذب للحركات السريعة والمفاجئة وستكون النتيجة أن يدك ستصبح بين فكي القرش. باختصار أفضل ما يمكن أن تفعله هو أن تتحرك ببطئ شديد بعيداً عن القرش مع الاستمرار بمواجهته، وفي حال قام بعضك فعلاً عندها وفقط عندها يجب أن تهاجم عينيه وفتحات تنفسه أملاً بأن يدعك وشأنك.

بالعودة إلى الموضوع الأساسي، وفي حال قمت بتصفح أي منصة تواصل اجتماعي اليوم فالهروب من المحتوى التحفيزي أمر صعب للغاية، فالخطابات التي تهدف لتعزيز القدرات في كل مكان، وكل منا يعرف عدة أشخاص على الأقل ممن يهوون مشاركة فيديوهات تتضمن أولئك الذين يروون قصص نجاحهم وكيف انتقلوا من حالة ميؤوس منها إلى نجاح هائل رغم عدم امتلاكهم لأية مؤهلات من أي نوع.

في الواقع وحتى في حال حاولت تجنب هذا النوع من الخطب التحفيزية ستجدها في الإعلانات حتى، فكما يعرف الجميع اليوم بات التحفيز مهنة من لا مهنة له، وكل من يجد لديه بعض الوقت الفارغ يبدأ بالتصوير والحديث عن الإصرار والعزيمة وكونها أساس النجاح بل والعامل الأساسي له حتى.

أبقِ طموحاتك واقعية

بالطبع أنا لن أقول لك أن الإصرار والعزيمة غير مهمين، بل العكس تماماً، فالنجاح لا يتحقق دونهما أبداً. لكن وعلى عكس المتحدثين الباحثين عن المشاركات سأقول أمراً واقعياً هنا: الإصرار والمثابرة أساسيان، لكن وحدهما لا يمتلكان أية قيمة أبداً.

من الممكن أن تقرر اليوم أنك تطمح لأن تصبح عداءً أولمبياً مع ميداليات ذهبية تزين صدرك. بالطبع فهذا الأمر قد يكون ممكناً لك حقاً، ومع التدريب الشديد والمثابرة والكثير من الحظ والفرص قد يتحول الأمر إلى حقيقة، لكن ماذا لو لم تكن سريعاً بما فيه الكفاية؟ ماذا لو كانت مورثاتك تفرض عليك جسماً لا يناسب الركض؟ ماذا لو كنت قد أصبحت في عقدك الخامس من العمر مع جسد آخذ بالتراجع صحياً؟

قد يكون رأيك هو أن الأمر يبقى إيجابياً، وأن التصويب نحو القمر دوماً هو أمر إيجابي لأن سهمك الذي لن يصيب القمر سيصيب نجمة ما. لكن الواقع للأسف مختلف للغاية والسهم الذي لن يصيب القمر سيضيع في الفضاء لأن النجوم على كثرتها متباعدة، ومقابل كل نجمة براقة هناك الكثير والكثير من المساحات المظلمة التي من الممكن أن تسير فيها دون نجمة في نهايتها.

ما الضير بالطموحات الكبيرة؟

عندما كنت صغيراً دون العاشرة ربما، دائماً ما كان جوابي حول طموحي المستقبلي هو أن أصبح رائد فضاء. في حينها كان ذلك في تفكيري يبدو كأعظم شيء من الممكن أن أطمح إليه. لكن كلما كبرت عاماً كلما أصبح قول أن طموحي بالكون رائد فضاء يبدو غير منطقي أكثر، ومع الوقت أدركت أنني أعيش في مكان لا يسمح لي بالسفر عبر أسلاك نحو بلد مجاور فما بالك بالوصول إلى السماء. مع الوقت تخليت عن ذاك الحلم، ولاحقاً مررت بعدة أحلام أخرى وتخليت عنها عندما حان دورها، إما لأنها لم تكن ممكنة، أو لأن صورها ضمن تفكيري كانت وردية أكثر من واقها الرمادي الموحش.

في كون موازٍ ربما كنت لا أزال مصراً على أن أصبح رائد فضاء حتى الآن، ربما قررت الإصرار أكثر وعدم التخلي عن الحلم والاقتناع باستحالته وبالنتيجة استمريت ضمن حلم الطفولة حتى العشرينيات من عمري. لكن الواقع هو أنني كنت لأجبر على مواجهة الواقع عاجلاً أم آجلاً، ومهما حاولت الاختباء ستظهر الحقيقة أخيراً بكون حلم السفر إلى الفضاء ليس إلا خيالاً فقط لمن هو مثلي. وعندما تصل إلى هذه المرحلة حيث تضطر لتكسير خيالاتك والاصطدام بالواقع سيكون الأمر أصعب كلما كان حلمك أكبر، وسيكون التأثير أشد كلما تمسكت بالحلم لوقت أطول.

في حال كنت تطمح لشيء واحد فقط ومن ثم تصطدم بالواقع فالتأثير سيكون سلبياً دون شك، لكن بالمحصلة غالباً ما ينجو الأشخاص من هذه التجربة ويتعلمون من خطأهم السابق. لكن في حال كنت تشاهد الفيديوهات التحفيزية طوال الوقت تكون التجربة مختلفة للغاية، حيث ستعود كل مرة لرسم خيالات أكبر بكثير من واقعك، وبدلاً من صدمة واحدة أو اثنتين ستستمر بالتعرض للصدمات مرة بعد أخرى.

لا أحد يتذكر النجوم التي لم تولد أصلاً

عند الحديث عن النجاح والإصرار والعزيمة، عادة ما يكون ذكر شخصيات مثل بيل جيتس أو جيف بيزوس أو ستيف جوبس أداة فعالة في جذب الجمهور. فهؤلاء أشخاص حقيقيون تحدوا ظروفهم وحققوا نجاحات هائلة عكس كل التوقعات وبالتالي أصبحوا مثالاً يحتذى به. في الواقع الكثيرون يكتفون بالنظر إلى هؤلاء للتفكير بأن كل شيء ممكن وأن النجاح المشابه لهؤلاء قابل للتحصيل لكنه يحتاج للمزيد من المثابرة والإصرار.

بالطبع من الفعال أن يتم ذكر جيتس أو بيزوس أو جوبس لتحفيز الأشخاص، لكن قبل أن تنجرف بالأمل الكبير جداً، فكر جيداً بعدد من حاولوا وعدد من وصلوا. بالطبع فأنت تعرف جيتس وبيزوس وجوبس، لكنك تعرفهم لأنهم هم من وصلوا. أما بالنسبة للغالبية العظمة من أولئك الذين حاولو فأنت لم تسمع بهم قط والأرجح أنك لن تسمع عنهم لاحقاً. فلا شيء مميز أو براق في المحاولة الفاشلة، ولا شيء جميل بأن تضع كل شيء على الحافة وتقامر به متبعاً إرادتك التي لا تهدأ لتجد أنك خسرت كل شيء بالنتيجة.

العالم الواقعي لا يشبه عالم الأحلام الخاص بمحترفي الخطابات التحفيزية أبداً، فعلى الرغم من أن الفوز باليانصيب (اللوتو) ممكن دون شك، فالخسارة ممكنة كذلك، بل أنها الاحتمال الأرجح عادة. ومقابل كل نجم تراه يلمع في السماء اليوم كرمز لقوة الإرادة هناك الكثير والكثير من النجوم التي لم تولد أصلاً واحترقت بالكامل في مهدها دون أن تتمكن من الإشعاع حتى.

اعرف أين هي حدودك ولأي حد من الممكن أن تصل

في أي حديث تحفيزي و خطبة تنمية بشرية دائماً ما يكون التركيز على أن الحدود ليست سوى أفكار فقط، وفي حال أزلت فكرة المحدودية من ذهنك لن يكون هناك حدود أخرى تقف أمامك. ومع أن الكلام من هذا النوع قد يكون صحيحاً أحياناً حيث هناك نسبة كبيرة من الحدود التي نحاصر أنفسنا بها بتخيلنا إياها، فالواقع هو أن الحدود المفروضة من الخارج موجودة حقاً وفي الكثير من الحالات لا يمكن تجاوزها.

لكل شخص حي على وجه الأرض مجموعة من المحدوديات في حياته وإمكانياته، البعض يمتلك قدرات أكبر في مجالات معينة وأقل في أخرى، والبعض يمتلك سقف حدود أعلى في معظم المجالات معاً بينما غيره محاصر بحدود تقيده أكثر. هذا يبدو كشيء قاتم ربما، لكنه الواقع ونحن بحاجة لأن نتصالح معه ونعرف أن الإنجازات ممكنة، والإصرار ضروري، لكن المعجزات ليست حقيقية، وما يبدو كمعجزات إما يمتلك تفسيرات واقعية أو أنه صدفة نادرة ببساطة.

يمكنك أن تحلم أن تكون جيداً في لعبة الشطرنج مثلاً. هذا طموح منطقي ومع الكثير من التدريب والإصرار والمثابرة يمكن أن تصبح جيداً للغاية وتتغلب على الكثيرين حتى. لكن عندما تفكر بالأمر يجب أن تمنح نفسك مساحة حقيقية لتحقيق الحلم، فالتفكير بأنك ستتفوق على بطل الشطرنج في بلدك بغضون أسبوع فقط يبدو كخيال بعيد فقط، وفي نهايته ستجد نفسك محبطاً لأنك بالأصل قد رسمت خطة لا تستطيع الوصول إليها.

هناك جزء كبير من النضج يتمثل بإدراك الحدود في الواقع، ففي الطفولة وحتى المراهقة يبدو كل شيء ممكناً، وتبدو الخطط الواضحة الفشل وكأنها طريق حقيقي ممكن. لكن مع الاصطدام بالواقع بعدها والانتقال من الحلم فقط إلى التنفيذ يصبح من الضروري الانتباه ومعرفة كيف تسير الأمور وإلا فأنت تخاطر بإحساس بؤس دائم ومستمر من كون طموحاتك لا تقترب حتى من أن تصبح ممكنة.

عندما يكون التوقف هو الخيار السليم بينما الاستمرار جريمة بحق نفسك

واحدة من أكبر المشاكل التي تواجه الأشخاص الطموحين ربما هي العجز عن معرفة وقت التوقف. حيث أن الإصرار دائماً ما يعامل على أنه شيء إيجابي، وعندما تكون مدفوعاً بعاطفة قوية تجاه أمر ما مثل مشروع تجاري في مجال تحبه، يصبح الإصرار أمراً متوقعاً ولو كان كل شيء يسير عكس التيار وكان الجميع موقنين بأن الاستمرار بطريقك نفسه سيجلب عليك أثاراً سلبية.

بالطبع هناك دائماً احتمال بكون الجميع مخطئين بينما أنت حقاً المصيب بينهم، وبالنظر إلى أي إنجاز كبير كفاية اليوم ستجد أن هناك الكثير من المشككين الذين أحاطوا به منذ بدايته وطوال الوقت حتى أثبت العكس لهم. لكن الحالة ليست دائماً كذلك، ومع أن الأمر صعب للغاية عندما تكون مندفعاً بقوة تجاه ما تحب فالجمهور المعترض حولك قد يكون هو المحق، والمشروع الذي لطالما تخيلته ناجحاً ما كان من الممكن أن يستمر أصلاً.

في بعض الحالات لا تنجح المشاريع الجديدة ببساطة (المشاريع هنا ليست حصراً على المشاريع التجارية بل تشمل أي مخطط من الممكن أن تفكر به). وعندما يكون الفشل واضحاً والاستمرار مكلفاً يصبح التصرف المنطقي هو هجر هذه المشاريع إما بشكل كامل كترك المجال كما هو، أو جزئي بالمحاولة لكن مع تغيير بعض العوامل ربما.

ربما واحد من الأمثلة هنا هو العلاقات العاطفية، فهي كما الكثير من الأشياء الأخرى في الحياة عرضة للمبالغة بالتطلعات والتوقعات من الشريك، وفي الكثير من الحالات تقود الظنون المبالغ بها إلى خيبات أمل كبيرة ومتتالية. ومع أن المحاولة لإنجاح العلاقة فكرة جيدة معظم الحالات، فالاستمرار في علاقة محطمة فقط لمعاندة الاعتراف بالفشل فكرة سيئة ولا تجلب سوى الضرر لمن يسير بها.

هل التشاؤم هو البديل؟

بعد كل الحديث الذي يبدو سلبياً أعلاه ربما تعتقد أن ختام ما أود قوله هو أن التشاؤم وعدم رسم مخططات عظمى بل القناعة بالواقع هي الحل. لكن الواقع هو أن رأيي ليس تشاؤمياً حقاً، بل أنني أرى التفاؤل والإصرار كأساسيات للحياة الهنيئة والمشبعة بينما يجلب التشاؤم الإحباط والتجمد في المكان.

ببساطة ما أود “التبشير له” هو نوع مختلف من التفاؤل، نوع مختلف من التحفيز والتشجيع ربما. ببساطة ابنِ آمالك وارسم مخططات جريئة وحاول السعي خلفها قدرما استطعت، لكن لا تعتمد على خيالك فقط، بل اربط الأمور بالواقع، وحاول ألا تبتعد كثيراً عما هو ممكن بل أبقي آمالك منطقية قدر الإمكان، فإن حدث الأمر النادر وتجاوزت ما كنت تريده في البداية فذلك أمر جيد، وفي حال سارت الأمور بشكل غير محبذ تكون صدمتك أقل والضرر الذي يلحق بك أصغر.

بالطبع تبقى النصيحة الأهم برأيي هي أن تعرف متى تحتاج للتوقف أو متى تحتاج لتغيير الأمور بشكل جذري، فتحمل السلبيات لوقت طويل قد يكون ضرورياً عندما يكون هناك ضوء في نهاية النفق الذي تسير عبره، لكن إن لم يكن هذا الضوء موجوداً فالأفضل أن تعود أدراجك قبل أن تغوص إلى عمق لا يتيح لك طريقاً للعودة. وتذكر دائماً أن مشاهدة الكأس على أنه نصف ممتلء أمر جيد، لكن أن تشاهده يفيض بالماء وهو فارغ فتلك مشكلة.

3

شاركنا رأيك حول "بعض التفاؤل جيد، لكن لتنجح يجب أن تعرف حدودك وقدراتك، فأنت لست بطلاً خارقاً"