نبوءة نهاية العالم التي أتت مع حملة إعلانية كلفت 100 مليون دولار أمريكي

0

مع بداية صيف عام 2011 كانت الولايات المتحدة مركز حدث غريب للغاية وكبير للغاية لكنه لم يحظى باهتمام في باقي العالم والملايين لم يسمعوا به أصلاً. حينها كان من المفترض أن العالم سينتهي، أو أن ذلك على الأقل هو ما ادعته بضعة آلاف من اللافتات الطرقية وأضعافها من الملصقات وعدة مئات من المخلصين الذين تجولوا بحافلات مخصصة عبر الولايات المتحدة وكندا مبشرين بنهاية العالم المحتومة وقدوم يوم الحساب.

وفق الضجة الكبيرة حينها كان من المفترض أن يكون العالم قد انتهى في الساعة السادسة مساء يوم 21 مايو عام 2011، وبالطبع كونك تقرأ هذه السطور بعد أكثر من 8 أعوام من ذاك التاريخ فالواضح أن العالم لم ينته، والحملة الإعلانية العملاقة لم تكن سوى قراراً خاطئاً بشكل شنيع وسوء تقدير من مبشر مسيحي مسن.

تبشيرات النهاية التي لا تنتهي

في حال فكرت بآخر حدث شهير تناول نهاية العالم، فالأرجح أن نبوءة عام 2012 والتي كانت تفترض أن العالم سينتهي يوم 21 ديسمبر هي الأشهر دون شك، في الواقع ستبقى هذه النبوءة من الأشهر مع تخليدها بفيلم يتناولها. لكن نبوءة عام 2012 لم تكن الحالة الوحيدة عدا عن نبوءة عام 2011، بل أن هناك عدداً لا يحصى من المرات التي كان من المفترض فيها أن ينتهي العالم ولم ينتهي.

السبب الأساسي والبسيط لنبوءات نهاية العالم هو ارتباطها بالأديان عموماً، حيث أن نسبة كبيرة من الأديان وبالأخص فرع الأديان الإبراهيمية تتفق على وجود نهاية للعالم يتم فيها الحساب وفرز البشر بين صالح وطالح يذهبون إلى نعيم أو جحيم حسب أعمالهم. ومع أن الأديان الابراهيمية عادة ما تركز على أن موعد النهاية غير قابل للمعرفة، فهي تستمر بالتكرار بأن النهاية قريبة للغاية.

منذ أولى المخطوطات اليهودية التي شكلت التوراة ووصولاً إلى بدايات التراث الإسلامي كان هناك هوس شديد بكون النهاية قريبة، وحتى اليوم لا تزال عبارات مثل “والله صرنا بآخر وقت” تدل على العلاقة القوية لتفكيرنا الجمعي بالنهاية التي يفترض أنها قريبة ولو أن العقود والقرون تسير تباعاً دون أن تأتي.

سواء كانت النهاية بإصدار إسلامي شيعي يتضمن المهدي أو سني يقتضي ظهور الأعور الدجال أو الشكل المسيحي الأشهر ربما بكونه موعد القدوم الثاني للمسيح، هناك نوع من الشوق للنهاية في الواقع، ومن الممكن أن تلاحظ أن المؤمنين بشدة هو أكثر المهووسين بالنهاية والتائقون للقاء رموزهم الدينية.

بالطبع عندما توجد نبوءة مفترضة، لا بد من وجود المدعين، فنبوءة القدوم الثاني للمسيح مثلاً هي من بدأت ديانة المورمون المنتشرة في أمريكا الشمالية، وقصص مدعي المهدوية (أنهم هم ظهور المهدي) لا تكاد تنتهي إحداها لتظهر واحدة جديدة وبالأخص في الأماكن الأكثر معاناة من الاضطرابات (إحدى قصص المدعين حالياً تحدث في اليمن الغارق بالدمار أصلاً).

على العموم ما هو مهم هنا هو أن قصص النهاية لا تحصى، لكن الفارق هو أن معظم هذه القصص تنسى وتغيب عن النسيان، لكن بعضها كما قصتنا هذه تبقى ولو جزئياً في الذاكرة نتيجة حجمها الأكبر.

تعرف على هارولد كامبينج

“كامبينج” هو الشخصية الأساسية في القصة وقد كان مبشراً مسيحياً مهماً للغاية، فقد ولد عام 1921 ومنذ عام 1958 أسس شبكة Family Radio الإذاعية التي أخذت بالتمدد لتتضمن مئات محطات الراديو المحلية في مختلف أنحاء الولايات المتحدة وبالطبع فقد كان “كامبينج” هو رئيس الشركة وأحد أهم الوجوه فيها حيث قدم عدة برامج مهمة كانت توصل صوته لملايين الأمريكيين.

كما العديد من المؤسسات الدينية، كان تمويل شبكة Family Radio يأتي من التبرعات بالدرجة الأولى، ومع كون الشبكة معادية للاتجاه العام المسيحي وتعتبر نفسها أنها تقدم اتجاهاً بديلاً لـ “الكنائس الكبيرة الجشعة” فقد كان المستمعون متمسكين للغاية بالشبكة وبما يمليه كامبينج عليهم.

بالوصول إلى عام 2010 كان المسؤولون الآخرون في الشبكة قد أصبحوا مسنين للغاية وحتى كامبينج نفسه كان قد قارب عامه التسعين، لكن مع بقائه كالوجه الوحيد في المؤسسة الإعلامية بعدما مرض أعضاء مجلس الإدارة وبات من الصعب عليهم وضع حدود له فقد بدأ يشطح بخياله إلى بعيد.

حسابات النهاية

الجميع يتذكر العالم اليوناني فيثاغورث بفضل مبرهناته الشهيرة والهامة في علم المثلثات، لكن الجانب الذي يجهله الكثيرون هو أن فيثاغورث يعد من أول المؤسسين لبعض من أشهر الخرافات الخالدة التي تركز على الأرقام وإعطائها قدسية كبيرة وتحميلها لمعانٍ أكبر من قيمتها.

بداية ممن يقومون بعد كلمات الكتب المقدسة أو يصنعون التمائم أعمال السحر المزعوم ووصولاً إلى الفكرة الطفولية بكون كفي اليدين يحملان رقمي 81 و18 (كما لو أنهما مكتوبان بأرقام هندية) والذان يعطيان بمجموعهما رقم 99 وهو عدد اسماء الله بينما طرحهما يعطي 63 وهو عمر الرسول محمد عند وفاته، هناك في العالم الكثير ممن يقومون بتفسير الأرقام بشكل غريب نتيجة معتقدات فيثاغورث وتعاليمه، ومن بين من يتبعون هذه الأفكار كان بطل القصة هارولد كامبينج.

كونه مبشراً مسيحياً فقد كان كامبينج من المهووسين باستخراج رسائل سرية ومعاني مبطنة وإعجازات علمية من الكتاب المقدس، وضمن واحدة من “اكتشافاته” أجرى كامبينج مجموعة من الحسابات المعقدة وأدخل العديد من المعايير الغريبة (كما ملاحقو نظريات المؤامرة) ليعلن أن الكتاب المقدس يقولها بوضوح دون أي شك: نهاية العالم ستكون في يوم 21 مايو من عام 2011. حيث تم الإعلان عن الأمر عام 2010 وبدأت حملة غير مسبوقة للتبشير بالنهاية المحتومة.

مجنون القرية لم يكن الوحيد الذي يعتقد أن النهاية قريبة

في التراث الأوروبي والأمريكي ضمن القرن العشرين وما سبقه كان هناك نمط معروف من الشخصيات: المجنون الذي يعتقد أن النهاية قريبة ويحاول التبشير بها. حيث كانت العديد من البلدات تمتلك مجانينها الخاصين وبالأكثرية من المسنين الذين يعتقدون أن القيامة تكاد تبدأ وعليهم تنبيه الجميع، وبالطبع فقد ترافق هذا الشكل النمطي مع الصياح في الساحات العامة في مراكز البلدا والتجول مع قرع جرس وتعليق لافتة تتكلم عن النهاية التي باتت قاب قوسين أو أدنى من الحصول.

بالطبع في عالم اليوم بات مجانين القرى هؤلاء شبه منقرضين، والسبب الأساسي هنا ليس أن عادة التبشير بالنهاية قد انقرضت، بل لأن وسائل الإعلام باتت متاحة وبدلاً من الذهاب لساحة البلدة لنصم الآخرين بالصراخ عن أوهامك بات من الممكن أن تبث الأمر عبر إذاعة محلية ربما أو مؤخراً عبر الإنترنت، وبالنسبة لكامبينج فامتلاك برنامج على شبكة عملاقة من المحطات الإذاعية فرصة لا تعوض.

مع انفراد كامبينج بالسلطة ضمن شركته لم يكن من الصعب أن يبدأ التبشير للنهاية القريبة عام 2011، وعلى خلاف متابعي نظريات المؤامرة والمتوهمين المعتادين فقد كان كامبينج يمتلك سمعة جيدة والكثير من المتابعين المخلصين، ومع أن معظم هؤلاء قد رفضوا ادعاءه وحتى سخروا منه، فالقلة الأكثر إخلاصاً من متابعيه استمعت لما قال واقتنعت به تماماً وبدأت بإرسال التبرعات بشكل أكبر من أي وقت مضى لمساعدة المؤسسة الإعلامية على نشر الخبر أكثر وتحذير الناس من أن أبواب التوبة اقتربت من أن تغلق.

الحملة الإعلانية الكبرى والجانب المظلم الخفي

ما هو معيار كون حملة إعلانية ما كبيرة؟ دفع بضعة عشرات من آلاف الدولارات؟ أر ربما إعلان مكلف جداً بقيمة بضعة ملايين؟ جواب كامبينج كان أكبر، حيث تشير التقديرات إلى أن شركة Family Radio قد دفعت قرابة 100 مليون دولارات في واحدة من أكبر الحملات الإعلانية في تاريخ البشرية. إعلانات طرقية وملصقات في كل مكان وحتى حافلات تتحول بين البلدات الأمريكية والكندية لإيصال الرسالة المهمة بكون النهاية على الأبواب.

المثير للاهتمام هو أن قيمة شركة Family Radio بأكملها كانت تقدر بقرابة 70 مليون دولار فقط، لذا قد يسأل الكثيرون عن مصدر المال المدفوع. بالطبع فقد كان جزء من المبلغ من الشركة نفسها حيث باعت العديد من محطاتها المحلية لتمويل الحملة، لكن الشطر الأكبر من التمويل أتى من بضعة آلاف من الممولين الذين كانوا متابعين مخلصين ومؤمنين تماماً بأن النهاية قد حانت دون شك.

عشرات الأشخاص على الأقل باعوا كل ما يملكون وسحبوا جميع أرصدتهم وتبرعوا بها لنشر الإعلانات عن النهاية المحتومة، فالأملاك المادية لن تهم طالما أن الجميع هالكون قريباً، بينما التبشير و”العمل الصالح” هو ما يهم أكثر من أي شيء آخر.

مع كل شخص يصرف كل مدخراته على نشر الإعلانات كانت وسائل الإعلام تهتم أكثر وتنشر الخبر، وبالتالي تشجع آخرين على اتباع خطى الأول لتعود الضجة الإعلامية مجدداً وتستمر دوامة الأشخاص الذين اعتقدوا أن النهاية قد أتت ولا بد من إتمام الأمور العالقة أو حتى صرف عشرات آلاف الدولارات عبر بطاقات ائتمانية ذات معدلات فائدة عالية، فالأقساط غير مهمة عندما ينتهي العالم.

النهاية التي لم تأتِ في ميعادها

على عكس الكثير من المحتالين والنصابين، يتفق معظم الأشخاص على أن كامبينج لم يكن يكذب على متابعيه متعمداً، بل أنه كان مؤمناً تماماً بكال كلمة يقولها. لكن يوم 21 مايو مر دون أي حدث كما أن كامبينج لم يلقي أي تصريح يومها، وفي اليوم التالي وعد بأنه سيتحدث للإعلام عندما يتأكد من حساباته.

خطأ الحسابات والجزء الثاني من النهاية

مع كوننا لا نزال أحياءً اليوم فمن الواضح أن نبوءة كامبينج لم تتحقق والعالم لم ينتهي حقاً، لكن بالنسبة لمن كانوا يعتقدون بالأمر فقد كان الأمر بأكمله كارثة، حيث أن الكثيرين خسروا كامل مدخراتهم أو أنهم راكموا ديوناً أكبر بكثير من أن يسددوها عندما علموا بنهاية العالم المزعومة. على أي حال فقد كان الأمر محرجاً للغاية لكامبينج الذي اختفى في منزله قبل أن يصرح بأنه سيكشف عن سبب نهاية العالم عندما “يتم حساباته”.

في يوم 23 مابو ظهر كامبينج مجدداً لكنه وعلى عكس التوقعات لم يعترف بالفشل، بل ادعى أن ما حصل يوم 21 مايو هو “يوم قيامة روحي” بينما أن يوم القيامة “المادي” الذي يتضمن نهاية العالم ودماره الكامل لم يحصل بعد بل أنه سيحصل يوم 21 أكتوبر من نفس العام.

قبل فشل التوقعات كان كامبينج ونبوئته محط سخرية وانتقادات عديدة سواء من الجماعات المسيحية الأخرى أو المنظمات العلمانية والملحدة، لكن بعد فشل الحسابات والتدارك بالنبوءة الجديدة خسر كامبينج القلة المتبقية من أتباعه، وخلال أسابيع انخفض عدد “رعيته” إلى قرابة 25 شخصاً فقط حيث هجره حتى أولئك الذين تبرعوا بكل ما يملكون ليتمكن من الإعلان عن نبوئته.

الخطوة الأخيرة والفشل مرة أخرى

مع الاقتراب من يوم النهاية الثاني كان الاهتمام بـ كامبينج قد انخفض إلى الحضيض، وعلى عكس يوم 21 مايو الذي كان محطاً لاهتمام الإعلام فقد مر يوم 21 أكتوبر كيوم عادي تماماً دون أدنى اهتمام من الإعلام، وفي تلك الفترة كان كامبينج ومن تبقى من رعيته مختفين عن الأنظار تماماً، وبعد يوم القيامة الذي لم يحصل تخلى كامبينج عن منصبه كرئيس لشبكة Family Radio ولاحقاً ترك برنامجه كذلك.

بالوصول إلى عام 2012 اعترف كامبينج أخيراً بالفشل، وقال أن الأمر كان خاطئاً من الأصل وأنه اعتقد أنه أوجد شيئاً حقيقياً. على العموم بقي كامبينج كقس فعلياً لكنه غير رأيه إلى الرأي العام المسيحي بكون النهاية غير قابلة للتنبؤ بها حقاً ولا أحد يعرف متى ستحدث.

بالوصول إلى عام 2013 توفي كامبينج بعد عدة مشاكل صحية وهو بعمر 92 عاماً، ومع الوقت بدأت شبكة Family Radio بعزل نفسها عنه حتى أنها أزالت أرشيف برنامجه بالكامل، وبمرور الوقت نسي الجميع قصة نبوءة النهاية الخاصة بكامبينج، وبالأخص أن نبوءة عام 2012 سرقت كل الأضواء وباتت هي النبوءة الفاشلة الأشهر اليوم.

0

شاركنا رأيك حول "نبوءة نهاية العالم التي أتت مع حملة إعلانية كلفت 100 مليون دولار أمريكي"

أضف تعليقًا