التنين المحظوظ: مأساة نووية لقارب صيد ياباني وسبب إيحاء قصة الوحش جودزيلا

لقطة من فيلم جودزيلا
0

يقع مبنى A-frame شاهق الطول في زاوية من حديقة Yumenoshima في طوكيو، على بعد 10 دقائق سيرًا على الأقدام من محطة Shin Kiba. يقف في الداخل على أرضيات خرسانية ويحمله دعامات معدنية قارب صيد بطول 94 قدمًا، شاهدًا على التاريخ وفظاعة أفعال البشرية، كأسوأ قارب في التاريخ.

لقد ضرب سفينة «Titanic – تايتانيك» جبل جليدي كان من الممكن أن يتم تجنبه. وغرقت سفينة «Lusitania – لوسيتينيا» بواسطة طوربيدات خلال الحرب. وكانت سفينة السياحة «Costa Concordia – كوستا كونكورديا» ضحية للشعاب المرجانية. لكن الجائزة -إذا كان هناك جائزة- عن الحظ السيئ، يجب أن تذهب إلى قارب صيد سمك التونة اليابانية، والمعروف باللغة الإنجليزية باسم «Lucky Dragon 5 – التنين المحظوظ 5»، الذي وقع في تداعيات ذرية بالقرب من Bikini Atoll في عام 1954.

اليوم نُسيت قصة ذلك القارب إلى حد كبير، لكن منذ ما يزيد عن 60 عامًا، كان هذا القارب الخشبي الذي يبلغ طوله 81 قدمًا ووزنه 140 طنًا رمزًا للاحتجاج على الأسلحة النووية.

القارب الياباني
زورق صيد سمك التونة اليابانية: أسوأ قارب في التاريخ.

تم بناء قارب الصيد الياباني المسمى «Daigo Fukuryu Maru – دايجو فوكوريو مارو»، أو «Lucky Dragon 5- لاكي دراجون 5»، في عام 1947 في محافظة «Wakayama– واكاياما» كقارب لصيد سمك التونة في أعماق البحار. في تلك الأيام، سُمح للسفن الخشبية بالخروج إلى أعماق البحار، وخضع قارب الصيد الياباني «دراجون 5» لخمسة رحلات في المحيط، كان آخرها في 22 يناير 1954.

في صباح ذلك اليوم، غادر قارب التنين الياباني ميناءه الرئيسي في «Yaizu»، بمحافظة «Shizuoka – شيزوكا»، كان قائدها شاب عديم الخبرة يبلغ من العمر 22 عامًا اسمه «Hisakichi Tsutsui – هيساكيتشي تسوتسوي». كان القارب صغيرًا وقادرًا على العمل، وكان به طاقم مكون من 23 شخصًا.

في التاسع من فبراير، كان الرجال يصطادون جنوب جزيرة Midway – ميدواي عندما فقدوا معظم شباك الصيد الخاصة بهم بعدما تشابكت على الشعاب المرجانية. فاتخذ القبطان قرار التوجه جنوبًا لتجربة حظهم في مناطق الصيد الأكثر ثراءً حول جزر «Marshall – مارشال»، على أمل أن يكون هناك صيد أفضل هناك.

قارب الصيد الياباني دايجو فوكوريو مارو
قارب الصيد الياباني قبل أن يطلى برماد الموت.

ومع ذلك، كان ينبغي أن يكونوا آمنين؛ بقدر ما عرف القبطان والطاقم وقتها من معلومات، كانوا خارج منطقة الخطر المحيطة بنصف دائرة الخطر التي أعلنتها لجنة الطاقة الذرية الأمريكية (AEC) في أكتوبر 1953. لم تكن أي من طائرات الرصد في المنطقة تعلم بوجود القارب. (كان هناك 100 قارب صغير آخر على الأقل في المنطقة في ذلك الوقت).

فقبيل حوالي 18 شهرًا، أخطرت وزارة الخارجية الأمريكية الوكالة اليابانية للسلامة البحرية بضرورة الابتعاد عن «Enewetak Atoll – إنيوتاك أتول» بسبب التجارب النووية المخطط لها. وبعد مرور عام، وقبل خمسة أشهر من إجراء تلك التجربة أو الاختبار، أصدرت الولايات المتحدة إشعارًا آخر، حيث أعلنت أن منطقة الخطر قد توسعت شرقًا لتشمل المياه المحيطة بـ «Bikini Atoll – بيكيني أتول».

لم يكن أحد على متن Lucky Dragon على علم بمنطقة الاستبعاد الموسعة. فكر القبطان إنه طالما بقوا بعيدًا عن Enewetak يبقى هو وطاقمه في مأمن.

خريطة تفصيلية بالموقع.
خريطة تفصيلية بالموقع.

في الساعة 6.45 صباحًا يوم الأول من مارس عام 1954، في يوم كان آخر يوم لصيد السمك على قارب الصيد الياباني قبل أن يعود إلى Yaizu، كان الطاقم لا يزال يخرج من أكواخهم عندما أضاءت السماء الغربية بوميض بطول يزيد عن 7 كيلومترات ككرة نارية واسعة النطاق.

لقد كانت «Castle Bravo – كاسل برافو» أول قنبلة هيدروجينية في الولايات المتحدة، أجرت الولايات المتحدة التجربة النووية على بيكيني أتول، لتفجير جهاز SHRIMP أقوى جهاز نووي تم تفجيره.

كان الانفجار قويًا جدًا، حيث أحدث سحابة فطرية الشكل يبلغ ارتفاعها 8.9 كيلومتر، وعرض كرة نارية 4.5 أميال، وعرض حفرة يبلغ ارتفاعها 6500 قدم. كان مرئيًا على بعد 250 ميلًا.

تجربة كاسل برافو النووية.
تجربة كاسل برافو النووية.

في الواقع. أخطأ مهندسو Castle Bravo في حساب عائد السلاح. فقد كان من المفترض أن يكون الانفجار بقوة 6 megaton من الطاقة المتفجرة، لكنه اندلع فوق الجزيرة بقوة 15 megaton من مادة TNT، أي أقوى ألف مرة من الانفجار الذي استهدف مدينة «Hiroshima – هيروشيما» قبل تسع سنوات فقط؛ ليكون بذلك خامس أقوى انفجار نووي في التاريخ. كل هذا بفضل خطأ حسابي في المختبر.

هرع طاقم إلى سطح القارب ليراقبو في دهشة السماء المتوهجة. بعد دقائق، هز آثر الانفجار القارب بلطف. كان القارب على بعد حوالي 130 كيلومترًا من مركز الانفجار، وهو في مأمن من الآثار المباشرة للانفجار، لكنه لا يزال قريبًا بشكل خطير من الآثار الجانبية.

قارب الصيد الياباني

في غضون دقائق من الانفجار، أدرك طاقم الصيد أن هناك شيئًا خطأ وربما خطير جدًا. إذا لم يكن هناك شيء آخر يمكنه الحدوث، فلا تشرق الشمس عادة من الغرب. لذا قرر الطاقم الفرار بعيدًا عن المنطقة.

بعد خمس ساعات، بدأ عمود السحابة المشعة الذي ارتفع إلى حافة الغلاف الجوي، يتساقط على السفينة على شكل رماد مرجاني مُشع وغبار ناعم بمزيج سام من النظائر المشعة، بما في ذلك مادة «strontium-90 – السترونتيوم-90»، ومادة «cesium-137 – السيزيوم-377»،ومادة «selenium-141 – السيلينيوم-141»، و«uranium-237 – اليورانيوم-237».

ولمدة ست ساعات، عمل الطاقم على سطح القارب لسحب شباك الصيد التي يبلغ طولها 300 قدم بأقصى طاقة ممكنة، مع استنشاق المواد السامة. دخلت الجسيمات البيضاء في عيونهم وأنفهم وآذانهم وفمهم. لم يكن لدى الطاقم أي فكرة عن أن الغبار، الذي أطلق عليه فيما بعد shi no hai أو «death ash – رماد الموت»، كان خطيرًا لأقصى درجة. لقد جرفوا الغبار عن سطح السفينة بأيديهم العارية. حتى أن أحد الصيادين، «Matashichi Oishi – ماتاشيتشي أويشي»، تذوق بعض الغبار ووصفه بأنه بلا طعم.

في ذلك المساء نفسه، وبعدما ضبطوا إتجاه القارب في طريق العودة، بدأ أعضاء الطاقم يشعرون بأعراض التسمم الحاد بالإشعاع، مثل: حروق الجلد والغثيان والقيء والنزيف من اللثة، والتي تفاقمت فقط خلال رحلة استغرقت أسبوعين إلى الوطن.


صور قارب الصيد The Lucky Dragon ، في 17 مارس 1954. في طور الانتقال من الرصيف الرئيسي إلى الشاطئ المقابل، حيث سيتم عزله.
صور قارب الصيد The Lucky Dragon، في 17 مارس 1954. وهو في طور الانتقال من الرصيف الرئيسي إلى الشاطئ المقابل، حيث سيتم عزله.

عند الوصول إلى Yaizu، في 14 مارس. تم تفريغ حمولة الصيد وبيعها. وتم نقل الطاقم الذي يعاني من الصداع ونزيف اللثة والحروق والغثيان إلى المستشفى، ووضعه تحت الحجر الصحي. حلقوا جميعًا رؤوسهم وحجز على ثيابهم المشعّة وممتلكاتهم.

وتم حجز القارب نفسه، لكن بعد توزيع الصيد الملوث في جميع أنحاء البلاد واستهلاكه. طبيب المستشفي «Yasushi Nishiwaki – ياسوشي نيشيواكي» كان مدركًا أنه كان يتعامل مع تداعيات الإشعاع الحاد، فاتصل على الفور بلجنة الطاقة الذرية الأمريكية AEC للحصول على المساعدة بخصوص تركيبة المواد المشعة، لكنهم لم يخبروه شيئًا.

صورة توضح قيام مسؤولو حكومة مدينة طوكيو بقياس مستويات الإشعاع من التونة من صيد لاكي دراجون في سوق السمك في Tsukiji بالمدينة في مارس 1954.
صورة توضح قيام مسؤولي حكومة مدينة طوكيو بقياس مستويات الإشعاع في أسماك التونة في سوق السمك في مارس 1954.

وفي الوقت نفسه، سارع المحققون للعثور على الأسماك المشعة واسترجاعها، والتي كانت قد لوثت بالفعل أطنانًا وأطنانًا من الأسماك الأخرى أثناء مرورها في الأسواق اليابانية، فقد وجدو أن أطنان السمك التي تم صيدها في الفترة من مارس إلى ديسمبر ليست صالحة للاستهلاك وتم إتلافها، وانخفض سعر الأسماك بسبب المخاوف من الإشعاع، كما فرضت إدارة الأغذية والعقاقير نفسها قيودًا صارمة على تداول أسماك التونة.

فحص الأسماك
حيث يقوم المفتش بفحص كل سمكة تصل إلى الميناء لمعرفة ما إذا كان يمكن أكلها. إذا كانت السمكة آمنة للأكل، يتم ختمها للإشارة إلى ذلك. ويتم التخلص من الأسماك المشعة عن طريق دفنها في عمق الأرض.

وبعد ستة أشهر،  في 23 سبتمبر 1954، ظهر أول الضحايا من الطاقم، بعدما توفى «Aikichi Kuboyama – أيكيتشي كوبوياما»، البالغ من العمر 40 عامًا، بسبب مضاعفات علاج مرض الإشعاع، وترك زوجة وأطفال، بينما نجا الـ 22 الآخرون.

أدى اختبار Castle Bravo ومأساة قارب Lucky Dragon إلى نشوب حركة معادية للأسلحة النووية في اليابان. كثفت الحركة اليابانية المناهضة للأسلحة النووية الاحتجاج على الأسلحة النووية وبالأخص أن البلاد كانت مسرح الاستخدام الوحيد في التاريخ للأسلحة النووية ضمن حرب.

جمعت حملة للتوقيعات الوطنية ضد التجارب النووية أكثر من 32 مليون توقيع، أي ثلث سكان اليابان. في النهاية، وافقت حكومة الولايات المتحدة على دفع تعويضات لضحايا القارب، وتحويل نحو 15 مليون دولار إلى اليابانيين. تلقى الطاقم المتبقي من Lucky Dragon حوالي 2 مليون يورو (52000 دولار في عام 2019). كما تم عقد أول مؤتمر عالمي لمكافحة القنابل الذرية والهيدروجينية في هيروشيما في أغسطس 1955.

وبعد أشهر قليلة من الحادث الذي وقع مع قارب الصيد، أصدر المخرج السينمائي الياباني «Ishirō Honda – إيشيرو هوندا» فيلم «Godzilla – غودزيلا» في 3 نوفمبر 1954، ليصبح شكل الوحش المشع الهائل تجسيدًا مؤثرًا لمخاوف السكان من تدمير القنابل النووية.

الملصق الدعائي لفيلم Godzilla
الملصق الدعائي لفيلم Godzilla

أصبح فيلم Godzilla رمزًا للأسلحة النووية، وفاتحة أفلام الوحش الذي يجسد فساد البشرية من خلال الأسلحة النووية. ففي مشهد الافتتاح، تظهر مجموعة من الصيادين وهم يرتاحون على متن قارب، يلعبون مجموعة من الألعاب المسلية، عندما تؤدي طفرة رعدية مفاجئة إلى تعطيلهم، ليركضو هُنا وهناك للتحقق مما يحدث. بينما يشاهدون سحابة الفطر النووية تندلع من على بعد، لتضربهم موجة الانفجار وهي تقلب قاربهم. تغرق السفينة إلى أسفل مع الطاقم على متنها.

وفي الوقت نفسه، تم تنظيف القارب، وشرائه من قبل جامعة طوكيو للمصايد، والذي استخدمه كسفينة تدريب. ليتقاعد من الخدمة في عام 1967، لتقوم حكومة مدينة طوكيو فيما بعد بشراءه وترميمه.

أحد أفراد الطاقم «ماتاشيتشي أوشي» مع قارب الصيد الياباني المنكوب.
أحد أفراد الطاقم «ماتاشيتشي أوشي» مع قارب الصيد الياباني المنكوب.

وفي عام 1976، تم افتتاح قاعة المعارض في حديقة «Yumenoshima – يومينوشيما» في Koto Ward في طوكيو للجمهور. بالإضافة إلى السفينة الفعلية، يمكن للزوار مشاهدة مجموعة متنوعة من القطع الأثرية من الرحلة المشؤومة، بما في ذلك السجل والراديو والعناصر التي يملكها الطاقم.

مجموعة صور لقارب الصيد الياباني في حديقة يومينوشيما بطوكيو.

قارب الصيد الياباني

قارب الصيد الياباني

قارب الصيد الياباني

قارب الصيد الياباني

0

شاركنا رأيك حول "التنين المحظوظ: مأساة نووية لقارب صيد ياباني وسبب إيحاء قصة الوحش جودزيلا"