لماذا تبدو ميكانيكا الكم غريبة 🤷‍♀️

ميكانيكا الكم
1

شارك المقال 👈

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pocket

ميكانيكا الكم أغرب ما يعرف في الكون بأسره حاليًّا، أو ومن منطلقها، كوننا الذي نعرفه نحن. إنّها من الغرابة حتى أنّ نيلز بور ذاته قال عنها: “إنْ لم تفاجئك ميكانيكا الكم بعمق، فأنت لم تفهمها بعد”. واليوم وبعد مضي قرن كامل شغلت به النظرية الكمومية كلّ مختبرات الفيزياء على وجه البسيطة يمكننا على الأقل أن نحصر أغرب ما يكتنفها. أو أن نضع لافتات تأخذ بيدنا في متاهة هذا العلم.

لن نتناول في معرض ذلك قطة شرودينغر الشهيرة- التي لا تضاهيها شهرةً سوى شهرة القط توم- ولسان حالها القائل “أنا عايش ومش عايش” فقد أراد بها شردينغر أن يضرب مثلًا على احتمالية ميكانيكا الكم وتأثير القياس على حالة الجملة. ولا نريد الادعاء بأننا نحصر غرائبه وما ينبغي أن نعرفه عنه؛ إذ لن تكفينا مئات المقالات في ذلك ولن نخرج راضين أو مشبعين كموميًا.

في البداية، ما معنى “الفيزياء الكمومية“، إنّ كلمة “كوانتم Quantum” أو ” تكميم Quantify” تعني أصغر وحدةٍ ممكنة، وهذا هو السبب الذي يجعل لهذه الكلمة أصولًا مشتركةً مع كلمتي “كمية Quantity” أو كل تلك المفردات التي تتعامل مع وحدات مميزة منفصلة. حسنًا، لسنا بصدد درس في اللغويات، إنّنا نريد تخفيف الأمر قليلًا لا زيادة تهويله، يمكننا استبدال عبارة “جسيم كمومي” بـ”شيء حقيقي صغير جدًا”، ومن هنا نقول إنّ فيزياء الكم هي فيزياء أصغر الأشياء في الكون.

لنمضي قدمًا نحو مزيدٍ من التعقيد (والمتعة)، وبدايةً سنستعرض بعضًا مما يجعل فيزياء الكم غريبة أو هي ميالة للجنون، أولًا وقبل كل شيء إنّها تخالف الفيزياء الكلاسيكية، وتنسف بنيانًا من الفيزياء ساد العلم لقرون. فمثلًا، هل يمكن لشيء أن يأتي من العدم، وليس هذا فحسب، بل وأن يحتل مواضع متعددة؟؟؟؟؟ لنبدأ إذًا

خلاف لما هو سائد

  • جسيمات افتراضية: تظهر أشياء صغيرة جدًا وتختفي بشكلٍ عشوائي: فالفضاء الخالي ليس خاليًا، إنّه ممتلئ بالطاقة. وبشكلٍ عشوائي ستخرج أزواج من الجسيمات إلى الوجود من هذه الطاقة. أحد هذه الجسيمات هو المادة والآخر مادته المضادة، ما نحتاج معرفته هو وجود جسيمات افتراضية تظهر لمدة لا تتجاوز أجزاء من مليون من الثانية، وتصطدم ببعضها البعض ممّا يسبب فناءها. ففي أعظم مسرعات الجسيمات تم الحصول على هادرونات بعد مليارات التصادمات ولم تعش سوى فترةً ضئيلةً جدًا، لكن تمكن العلماء من رصدها. لقد انتهكت ميكانيكا الكم هنا الفلسفة الكلاسيكية التي تقول بالسببية. فهذا السلوك غير مفسر حتى الآن، لكنّه أُثُبت علميًّا.
  • التراكب: ربما كان البند السابق سهلًا مقارنةً بهذا؛ يقول التراكب أنّه وكلما كان الجسيم أصغر، زاد احتمال أن يشغل أماكن متعددة في الآن ذاته!!!! فالمكان في ميكانيكا الكم هو مجموعةٌ من الاحتمالات المختلفة القائمة جميعها حتى إجراء القياس، ماذا يعني ذلك؟ إذا كان هناك شخصٌ يتحرك في غرفةٍ مظلمة، ستعرف مكان الشخص بعد أن تُضيء الغرفة. إذا كان الشخص صغيرًا جدًا، وأشعلت النور وأطفأته بسرعة، سيكون مرةً في منتصف الغرفة وأخرى في زواياها. وقبل إشعال الضوء مكان الشخص هو كل الغرفة. لقد أملى القياس على الجسيم الكمومي اختيار موضع، إنّها حالة تراكب بين كل المواقع المحتملة.
  • التشابك الكمومي: كما نعلم أسرع الطرق التي يمكن لشخصين كلّ منهما في مكان التواصل عبرها هي الوميض الضوئي، كما أنّ سرعة الضوء هي أكبر السرعات المعروفة حاليًا، هذا هو ما تخبرنا به نسبية أينشتاين، لكنّه كان مخطئًا. ففي التشابك إن تصافح شخصان لهما كتلةٌ دون ذرية قبل أن يفترقا، ما يؤثر على أحدهما سيؤثر لحظيًّا على الآخر، مهما كانت المسافة الفاصلة بينهما (والأزمنة أيضًا)، وبسرعةٍ أكبر من سرعة الضوء، فيمكن لأحداث الماضي أن تؤثر على الحاضر والمستقبل. من الأسباب المقترحة وجود ثقوبٍ دودية تقع في عوالم موازية!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!! ونكتفي بهذا، لننتقل إلى التالي.
  • سرعة الضوء ليست ثابتة: رغم أنّ الضوء لا ينتقل عبر الفراغ أحيانًا وهو ما اعتدنا قوله “سرعة الضوء في الخلاء تصل حتى 300000كم/ثا”. ففي الماء، تصل سرعة الفوتونات إلى ثلاثة أرباع سرعة الضوء، أمّا أقل سرعةٍ للضوء فهي 17 متر في الثانية عبر الريبيديوم المبرد حتى الصفر المطلق، حيث تتشكل حالة مادة غريبة تدعى تكاثف بوز- إينشتاين.
  • كون مفقود: هناك مئات المليارات من المجرات. المفاجأة هي أنّ كل ما هو مرئي في الكون لا يشكل سوى 2 % من كتلته، ما يجعلنا متأكدين من ذلك هو أن الجاذبية تخبر بوجود المزيد، ومهما كان مقدار الكتلة المرصودة فهو لا يقترب إطلاقًا من ذلك الذي يفصح عنه الجذب الثقالي للمجرات.
  • أبعاد غير محدودة: وفقًا للنموذج القياسي الحالي لعلم الكونيات ما نراه من الكون الذي يضم المجرات وغيرها هو واحد من عدد غير محدود من الأكوان الموجودة جنبًا إلى جنب كما فقاعات الصابون على وجه الرغوة.

إن شعرت بالغرابة، لا ضير في ذلك، فهذه البلبلة أصابت عقول عظماء فيزياء القرن بمن فيهم أينشتاين نفسه.

ميكانيكا الكم ليست بسيطة، ولكن!

لا ننوي استخدام كلمة تبسيط، لكننا إن علمنا بعض الأمور عن ميكانيكا الكم ربّما سنألف الوضع أكثر، فلا تصبح ممن يفوتون عليهم فرصة الولوج إلى هذا العالم.

  • كل شيء مؤلف من أمواج………حتى الجسيمات: من السهل البدء بالقول أنّ لكل شيء في الكون طبيعتين: جسيمية ومادية في الوقت ذاته، والوصف الأنسب من وجهة نظر ميكانيكا الكم: الأشياء في ميكانيكا الكم ليست جسيمية ولا موجية، لكنّها تندرج تحت تصنيفٍ آخر: لها تردد وطول موجي وانتشارٌ عبر المسافات، كالأمواج، كما يمكن إحصاؤها وأن تتموضع في مكانٍ محدد إلى درجةٍ نسبية، كالمادة.
  • فيزياء الكم منفصلة: فتعريفها يشير أصلًا إلى انطواء النماذج الكمومية على مقادير منفصلة. البرهان المقترح لذلك في أنّ الطاقة المختزنة في الحقول الكمومية هي مضاعفاتٌ صحيحة لطاقات أساسية (كما هو الحال بالنسبة للمستويات الطاقية للذرة، فهي مضاعفات أعدادٍ صحيحة دومًا). فطاقة الفوتون مثلا: هي جداء التردد بالطول الموجي له. وهي قيمٌ لا تأخذ سوى أعدادًا صحيحة.
  • فيزياء الكم احتمالية: أكثر جدليات ميكانيكا الكم شهرة هي احتماليته، فلا يمكن التنبؤ بشكل دقيق بناتج تجربةٍ كمومية وحيدة أو مكان جسيم. فهنا النواتج تأتي على شكل احتمالات شكلها الرياضي يسمى الدالة الموجية، فقبل إجراء القياس كل ما يمكن وصف حالة الجملة به هو دالتها الموجية.
  • ميكانيكا الكم ليست موضعية: لقد سمحت أنظمة ميكانيكا الكم بوجود أنظمةٍ يؤثر إجراء القياس على أحدها في وصف حالة أنظمةٍ أخرى متشابكة معها، إنّ ذلك يشير إلى ارتباط نواتج جملة بأخرى، أي أنّ النواتج محددة سلفًا، هذا أكثر ما أزعج أينشتاين في ميكانيكا الكم، فذلك يعني انتقال النتائج بشكلٍ لحظي يفوق سرعة الضوء بملايين المرات، وخرج عن الفيزياء التي أحبها موصوفة بدقة وفيه قال عبارته الشهيرة “إنّ الله لا يلعب النرد”.
  • عالم ميكانيكا الكم هو عالم دون ذري صغير جدًا (غالبا): كلما صغرت الأجسام ازدادت تأثيراتها الكمومية، وتصغر هذه التأثيرات كلما كبرت الأجسام. فإن أردنا ترجمة ذلك، شاهد السلوك الموجي للجسيمات، ويكفي القول أن طول موجة ناتجة عن حركة كلب يتحرك في غرفةٍ صغيرة جدًا يعادل ذرة في نظامنا الشمسي.
  • النقطة الأهم: ميكانيكا الكم ليست سحرًا، قطعًا لا. فما أسلفنا ذكره ويخالف فيزياء حياتنا اليومية تثبت التجارب صحته وارتباطه بعالمٍ واقعي وتجد ما يدعمه في القواعد والمبادئ الرياضية. بالطبع لا تتخيل أنّنا سنستخدمها في إنجاز الخوارق، فهي ما زالت تخضع لقوانين في الترموديناميك.

تطبيقات ميكانيكا الكم

لم تكتفِ ميكانيكا الكم بدخول العالم المجهري، لكنها انتقلت إلى تطبيقاتٍ في حياتنا اليومية ما كانت لتوجد دونها، كالتصوير بالرنين المغناطيسي والموصلات الفائقة والترانزستورات التي لولاها لبلغ حجم حواسيبنا التي تعالج أمورًا هندسية أبنيةً بأكملها. كذلك التشفير الكمومي (المعتمد على التشابك) والذي يحمي الشبكات المصرفية وغيرها من الشبكات عالية الحساسية، والبشرية على موعدٍ ليس بالبعيد مع الحواسيب الكمومية التي ستحقق قفزةً في عالم المعلوماتية.

ولعل أهم الدروس المستفادة من ميكانيكا الكم هي قدرتها على إثبات قصور حواسنا كبشر، ومحدودية المنطلق الذي ننظر به إلى ما حولنا. كما لفتت أنظارنا إلى أمرٍ غايةٍ في الأهمية وهو أنّ ما نستخدمه من أجهزةٍ للقياس هي أجهزة كلاسيكية قامت أصلًا على نتائج فيزياء كلاسيكية لذا لا يمكن الوثوق بما تخبرنا به أبدًا حين الحديث على مستوياتٍ كمومية، وحتى على المستوى الكوني ما نراه هو ما تخبرنا به أجهزة القياس، لكنه ليس رواية الكون عن نفسه.

1

شاركنا رأيك حول "لماذا تبدو ميكانيكا الكم غريبة 🤷‍♀️"

أضف تعليقًا