اللهجة المحكية الشامية في الشعر.. طرب حاضر رغم الصعاب

شعراء المحكية في بلاد الشام
0

شارك المقال 👈

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pocket

بعيدًا في بحور الشعر الساحرة، تسافر أميالًا وأميال في كل شطر وبيت. لا غرابة في تسميتها بحورًا شعرية، بل ربما يمكن القول أنها أضحت أكوانًا شعرية تسحر الألباب. هكذا اعتاد الشعراء العرب على رسم قصصهم وتلوينها بمزيد من الإبداع والموسيقى الشعرية.

تطور الشعر العربي كثيرًا حتى اجتاز العتبة الشعرية المألوفة التي لطالما تغنت ببطولات وأمجاد القبائل العربية وسحر الأراضي ووصف محبوبة الشاعر وقصة حبه المتأججة. فأضحى الشعراء يتناولون مواضيع سياسية واجتماعية لتصل أفكارهم ومعتقداتهم إلى الآخرين بأسلوب لا يمكن لأحد إلا أن يقف مناصرًا لتلك الكلمات مشدوهًا بسحرها ومتانة طرحها.

ومع الوقت، استطاع الشعراء كسر الشكل النمطي للقصيدة العربية، الذي اعتدنا عليه. وباتوا يسطرون قضاياهم ومشاعرهم بلهجة محلية محببة تشق طريقها إلى القلوب والعقول دونما هوادة.

نحو الحاجة إلى التجديد

ربما كانت حاجة الشعراء إلى خلع رداء النمطية هي ما دفعهم إلى استخدام اللهجات المحكية في أشعارهم، إذ أن نمطية استخدام اللهجة الفصحى وضعت شعراء بلاد الشام في إطار كاد يصبح ثابتًا لا يتطور، أو أن تطور المواضيع وتعددها بات يشكل حاجزًا لم يتمكن جميع الشعراء من خرقه، فبحثوا عن طرق مختلفة للخروج من القالب الكلاسيكي للقصيدة وباتوا يبحثون عن أشكال جديدة بعيدة عن الجمود المعتاد للوزن الشعري. وهكذا بدأت القصائد تعج وتضج بكلمات محكية شكلت شذوذًا غير معتاد ساعد في الولوج إلى عصر شعري جديد.

وربما كان ميل المطربين والمغنين إلى نوع جديد من الفن يتناسب مع البيئة الشبابية المعاصرة بشكل كبير قد شكل ميلًا طبيعيًا لدى الشعراء إلى البحث عن أساليب جديدة تكون أكثر قربًا من المواضيع الحديثة، وأكثر قدرة على جذب المستمعين إلى هذه الأغاني.

عشاق القصيدة.. شعراء أثروا في الحركة الشعرية العربية المعاصرة

هل كان الخروج عن المألوف مرضيًا!؟

لم يجد مناصرو العربية الفصحى في الشعر المحكي جمالًا ولا براعةً، بل اعتبروا ذلك استهزاءً باللغة وقيمها ومكانتها. وانقسم الناس بين مؤيد ومعارض للقصائد المحكية. فرأى المؤيدون أن الشعر المحكي فتح الأفق واسعًا أمام بروز العديد من المواهب الجديدة التي استطاعت وخلال فترة قصيرة من الزمن أن تثبت جدارة هذا الفن ورقيه، وبدأ الترويج لهذا الشعر كنوع مميز سهل للوصول لقلوب الناس.

بينما وقف مناصرو الشعر الأصيل موقفًا صارمًا من هذا الأمر. إذ يتميز الشعر كنوع من الفن والإبداع الذي جعل له مكانة هامة عند العرب، بينما ينحدر –من وجهة نظرهم- الشعر المحكي بهذا الفن ليصل به إلى الاستهلال والبساطة التي دحضت مقامات وأوزان الشعر وموسيقاه. وكادت تمحو كل متعة في الغوص في أعماق تحليلات كل شطر لتصل إلى غاية القصيدة.

وحدن بيبقوا متل زهر البيلسان…

ليس الأمر ببعيد كثيرًا عنا، فبقليل من التفكير سنجد أننا نتغنى بالعديد من هذه الأشعار بشكلٍ يومي، فنبدأ صباحاتنا بأغان مميزة نتزود منها بطاقة إيجابية لنبدأ يومنا بنشاط محبب. ويستمر اليوم مع مجموعة مختلفة من هذه الأغاني التي لا يسعنا سوى التغني ببراعة التناسق الجميل الذي يكاد يسحرنا في كل يوم ومع كل كلمة جديدة تتبادر إلى أسماعنا.

وكمثال عن شعراء بلاد الشام هؤلاء يمكننا التفكير بأغاني فيروز صاحبة الصوت الفاتن والتي لطالما فضلت لون القصيدة المحكية على غيرها، فلا عجب أن تقف مذهولًا في كل مرة أمام كلمات أغانيها وسحرها الأخاذ. وبالرجوع إلى بعض هذه الأغاني نلحظ أن معظمها قد كتب بلهجة محلية. ناهيك عن العديد من الأغاني المختلفة للكثير من المطربين والفنانين الذين يصعب إحصاؤهم بسهولة.

أما بالحديث عن الشعراء فأحب البدء بشاعرٍ لا مثيل له، اعتقد أنني اعتبره من المبدعين الذين لا يمكن تكرارهم. صاحب عبارة “وحدن بيبقوا متل زهر البيلسان”، وتلك التي سحرت عقولنا وتوهتها لزمن طويل “صرّخ عليهن بالشتي يا ديب بلكي بيسمعوا”. إنه طلال حيدر ذلك الشاعر العريق الذي عجزت جميع المفردات الفصيحة أمام مقدار كبير من الصور التعبيرية التي كانت تتزاحم في مخيلته منذ طفولته المبكرة. فكتب العديد من القصائد باللهجة المحكية والتي لاقت شهرة كبيرة مثل “قومي اطلعي عالبال” و”لبسوا الكفافي” والعديد غيرها.

أغلى اللوحات الفنية على مر العصور

بالحديث عن فيروز وأغانيها، لا يمكن تجاهل نقاط التميز التي أضافها جوزيف حرب على مجموعة أغانيها المحكية. بل ولا يمكن تجاوز دواوين جوزيف حرب التي لطالما حفرت في قلوبنا مزيدًا من الحب والسعادة. عُرف جوزيف حرب بأشعاره القوية، فلم يقف قلمه عند أحد نوعي الشعر. كتب بالمحكية والفصحى، حتى قيل عنه أنه ينصب فخاخًا لأهل الوزن. اشتهرت جميع دواوينه ولاقت رواجًا كبيرًا بين صفوف النقاد أيضًا. لا عجب في ذلك، فهو الشاعر الذي زرع فينا ذلك الشعور بالتناقض حينما نقرأ “طالع عبالي فلّ” وشعور الحب المطلق حالما تتردد على مسامعنا كلمات “حبيتك تنسيت النوم”.

أما الشاعر الراحل عمر الفرا فكان ميالًا إلى اللهجة البدوية ميلًا شديدًا. حتى أنه عرف وذاع صيته بعد قصيدته “حمدة” التي كانت بمثابة علامة مميزة ونقطة نصر في حياته الشعرية وحياة جميع شعراء اللهجات المحكية. فيقول فيها:

“ما أريدك

ابن عمي … ومثل اخويَ، ودم وريدي…من وريدك

أما خطبه…. لا يا عيني، لاني نعجة تشتريها، ولاني عبده من عبيدك”

وأعتقد أن هذه الكلمات تكفي لتظهر قدرة اللهجة المحكية على أن تحيي فيك شعورًا أقرب إلى تلك المشاعر التي خاضها الشاعر لحظة كتابته لمثل هذه الملاحم الشعرية.

وكختام حديثنا لا يسعني إلا أن أقول إن شعراء اللهجات المحكية على كثرتهم أو قلتهم- برغم رفض أو تأييد النقاد وغيرهم- قد استطاعوا عبر قرن من الزمن أن يثبتوا جدارة القصيدة المحكية. استطاعوا أن يبرهنوا أن تجاوز قيود اللغة كان خيارًا صائبًا دون أدنى شك.

أفضل أعمال تشارلز ديكنز صاحب أهم وأشهر كلاسيكيات الأدب الإنجليزي

0

شاركنا رأيك حول "اللهجة المحكية الشامية في الشعر.. طرب حاضر رغم الصعاب"

أضف تعليقًا