متحف الأرميتاج في سانت بطرسبورغ: أيقونة متاحف العالم

الأرميتاج
3

تعتبر مدينة سانت بطرسبورغ واحدة من أكثر الوجهات السياحية جذباً في روسيا، ففيها متحف الأرميتاج وهو واحدٌ من أعرق المتاحف في العالم الواجب زيارتها بكل تأكيد عند القدوم إلى المدينة، ويتوجب عليك ألّا تُهدر الفرصة والتمتع بالذوق الفني الرفيع، فمع أكثر من 3 مليون قطعة فنية من المحتّم إصابتك بالذهول لجمال ما ستراه عيناك.

تاريخ متحف الأرميتاج

تمّ العمل على بناء متحف الأرميتاج بأمر من الإمبراطورة كاثرين الثانية والتي عُرِفَت باسم كاثرين العظيمة Catherine the Great عام 1765، وقد عُرِف عنها شغفها الكبير بالثقافة والفن، فكان هذا البناء المتاخم للقصر الشتوي بمثابة معرضٍ خاصٍ للفن الذي جمعته الإمبراطورة.

الأرميتاج
الإمبراطورة كاثرين (الثانية) العظيمة

في ذلك العام قامت كاثرين بشراء مجموعة ضخمة من القطع الفنية، والتي قد وصل عددها إلى 225 قطعة لكبار الفنانين في أوروبا، ويمكننا اعتبار هذه المجموعة هي الانطلاقة الأولى للأرميتاج. مثّلت هذه اللوحات والتحف الفنية ثروة فنية بكل ما تعني الكلمة، فقد صُنِعَت بأيدي أمهر وأشهر فناني عصرهم أمثال رامبرانت Rembrandt وروبنز Rubens ورافاييل Raphael وفان ديك van Dyck وهالس Hals وهولباين Holbein وتيتيان Titian، وما زالت تذهلنا حتى يومنا هذا.

إنّ شراء كاثرين العظيمة لهذه الثروة الفنية التي جمعت بين الجمال المبهر والفن الراقي من جهة، وبين الأعمال الجريئة من جهة أخرى قد ساهم في تعزيز إظهار روسيا كقوةٍ عالمية على الصعيد الفني.

أُعيد بناء الأرميتاج بين 1840 و 1852 في عهد نيكولاس الأول Nicholas I، وعندها تم افتتاحه مجدداً للعامة. وفي أعقاب ثورة عام 1917 تمّ اعتبار جميع المجموعات الإمبراطورية ملكية عامة للشعب، كما تمّ توسيع المتحف في عشرينيات القرن الماضي. أما خلال الأعوام 1930 وحتى 1934، فقد تم بيع العديد من القطع الفنية المميزة من قبل الحكومة السوفيتية بهدف شراء الآلات الصناعية من الغرب.

تم توسيع مجموعة التحف واللوحات الفنية ذات الطابع الأوروبي في أواخر القرن التاسع عشر وحتى أوائل القرن العشرين، وكان ذلك ملحوظاً بشكلٍ كبير في الفترة التي تلت انتهاء الحرب العالمية الثانية.

الأبنية الرئيسية التي يتكون منها الأرميتاج

يقع متحف الأرميتاج بين نهر نيفا وساحة القصر، ويتألف من خمسة أبنية رئيسية أهمها القصر الشتوي الخاص بالقيصر الروسي بيتر العظيم Peter the Great، والذي أصبح لاحقاً المقر الرسمي للقياصرة الروس بين عامي 1732 و1917. يضم المتحف بالإضافة إلى القصر الشتوي كل من الأرميتاج الصغير والأرميتاج القديم (الكبير) والأرميتاج الجديد ومسرح الأرميتاج.

الأرميتاج
متحف الأرميتاج

إنّ كل بناء من هذه الأبنية صُمّم من قبل مشاهير فن العمارة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، إذ قام بارتولوميو راستريلي Bartolomeo Rastrelli بتصميم القصر الشتوي، وهو معماري إيطالي تركزت أعماله بشكل رئيسي في روسيا، وكان له أسلوبه الخاص والمميز المستمد من أواخر عصر الباروك.

الأرميتاج
المعماري بارتولوميو راستريلي

القصر الشتوي

هو نصبٌ رائعٌ على الطراز الباروكي، تمّ تشييده في منتصف القرن الثامن عشر، وهو مثال رائع يجمع بين العمارة والفن التشكيلي الزخرفي، فجميع واجهاته تحتوي على الأعمدة التي تعطي مظهره الكثير من الرقي والفن، بالإضافة إلى الكثير من التماثيل والمزهريات والأقواس والديكورات التي تضفي على المكان جواً ساحراً.

الأرميتاج
القصر الشتوي من الأعلى

لكل واجهة من الواجهات الأربعة للقصر إيقاعاً هيكلياً مختلفاً، الواجهة الجنوبية المطلة على الساحة تتمتع بفخامة عظيمة. أما الواجهة الشمالية فتطل على مساحة واسعة من نهر نيفا Neva وتعطي انطباعاً بوجود عدد غير منتهٍ من الأعمدة. الواجهة الغربية تمثل قصراً ريفياً مع فناءٍ صغير، في حين أنّ الواجهة الشرقية الضخمة مع الكتلة الجانبية المجاورة لها تطل على شارع المليون حيث تتواجد قصور النبلاء.

الأرميتاج
داخل القصر الشتوي

الأرميتاج

الأرميتاج الجديد The New Hermitage

هو أول مبنى يتم تشييده خصيصاً لعرض مجموعة القطع الفنية في المتحف، تم تصميمه من قبل المهندس المعماري الألماني ليو فون كلينزي Leo von Klenze والذي كان ينوي أن يكون الأرميتاج صورة عن المتاحف الأوروبية، هذا ما أدى إلى إجراء بعض التعديلات على التصميم ليصبح أكثر ملائمةً لمحيطه المعماري.

الأرميتاج
مبنى الأرميتاج الجديد

بُنيت الملامح المميزة للأرميتاج الجديد بين عامي 1842 و 1851، يبرز في رواق المتحف تماثيل أتلانتس المصنوعة من الجرانيت الرمادي، بالإضافة إلى النقوش البارزة التي تصور مشاهير الفنانين والمهندسين والنحاتين في الماضي، أما الأسطح الضخمة لواجهات المبنى فيبرز فيها طابع عصر النهضة والباروك. مع ملاحظة أنّ غرف المتحف قد تمّ تصميمها تماشياً مع المجموعات التي سيتم عرضها فيها.

الأرميتاج
تماثيل أتلانتس في رواق الأرميتاج الجديد

الأرميتاج الصغير The Small Hermitage

تم بناؤه في الفترة بين 1764 و1766 بتكليف من الامبراطورة كاثرين العظيمة، يتألف المبنى من طابقين، كان المعماري يوري فيلتن Yuri Velten هو المسؤول عن التصميم الذي جمع بين العناصر الباروكية المتأخرة والعناصر الكلاسيكية الحديثة.

الأرميتاج
مبنى الارميتاج الصغير

يتكون المبنى بشكل أساسي من جناحين جنوبي وشمالي، تم الربط بينهما من خلال حديقة معلقة على مستوى الطابق الأول. وتستضيف صالات الأرميتاج الصغير معرض اللوحات الأوروبية الغربية والأعمال الفنية الزخرفية والعملات.

الأرميتاج
الحديقة المعلقة

الأرميتاج القديم (الكبير) The Old (Great) Hermitage

تم بناؤه بجانب الأرميتاج الصغير مطلاً على نهر نيفا بين عامي 1771 و1787 بأمرٍ من كاثرين الثانية (العظيمة). تمت تسميته بدايةً بالكبير كونه ملاصقاً للأرميتاج الصغير، وكان من المفروض احتوائه على المجموعات الفنية الخاصة بالقصر بالإضافة للمكتبة.
الأرميتاج
نلاحظ كون هذا البناء يتسم بالبساطة إذ لا يحتوي على الأعمدة كغيره، ويعتمد التصميم الزخرفي للواجهة على مزيجٍ إيقاعي من التقسيمات الأفقية وفتحات النوافذ العمودية.

الأرميتاج
واجهة مبنى الأرميتاج (القديم) الكبير

مسرح الأرميتاج The Hermitage Theatre

قامت كاثرين الثانية عام 1783 بتكليف جياكومو كورينغي Giacomo Quarenghi ببناء مسرح الأرميتاج، وتم الانتهاء من البناء عام 1787.

الأرميتاج
مسرح الأرميتاج

هذا المسرح يعتبر مثالاً رائعاً على العصر الكلاسيكي الروسي الحديث في أواخر القرن الثامن عشر. تم تزيين النوافذ في الطابق الأرضي بأقنعة الأسد وهي أحد العناصر الزخرفية المفضلة لدى كورينغي. أما في الطابق الثاني من الواجهة تنتشر تماثيل لكبار الكتاب المسرحيين والشعراء اليونانيين القدماء.

قاعة المسرح تحوي على ستة صفوف من المقاعد، جدرانها مزينة برخام صناعي وأعمدة وأقنعة مسرحية. كما يعلو منحوتات أبولو وغيره من الفنانين ميداليات تحوي ملفات تعريفية بالكتّاب المسرحيين المشهورين.

أصبحت العروض المسرحية أمراً تقليدياً منذ القرن الثامن عشر، وحتى وقتنا الحاضر يتم تقديم العروض المسرحية في بهو مسرح الأرميتاج.

الأرميتاج
قاعة المسرح

مقتنيات متحف الأرميتاج

يعد متحف الأرميتاج واحداً من أكبر المتاحف في العالم. استطاعت كاثرين العظيمة شراء 4000 لوحة و 38,000 كتاب و10,000 جوهرة منقوشة و 10,000 رسم و 16,000 عملة نقدية وميدالية، بالإضافة إلى مجموعة منتقاة من القطع التاريخية الطبيعية، بذلك وخلال جيلٍ واحد استطاع الأرميتاج منافسة أهم المتاحف الأوروبية القديمة، كما نمت هذه المجموعة الفنية بسرعة كبيرة ما اضطر السلطات إلى العمل على توسيع البناء الرئيسي ليصل إلى 1000 غرفة.

الأرميتاج
لوحات من الفن الأوروبي

تشمل مقتنيات الأرميتاج ما يقارب ثلاثة ملايين قطعة فنية وتذكاراً ثقافياً تعود إلى العصور الحجرية وحتى وقتنا هذا، إذ تعد واحدة من أغنى المجموعات في العالم، والتي تضم قطعاً فنية من أوروبا بما في ذلك العديد من روائع فناني عصر النهضة الإيطالية والباروك الهولندية والفرنسية. كما أنّ الفن الروسي يحظى بتمثيلٍ جيد في المتحف، كذلك نلاحظ تواجداً لفنون الحضارات الشرقية ويظهر ذلك بشكلٍ واضح من خلال المجموعة الخاصة بآسيا الوسطى كما يحوي بعض الآثار الإسلامية والفرعونية، علاوةً على ذلك يضم المتحف مجموعة كبيرة من العملات الورقية والمعدنية.

الأرميتاج الأرميتاج
يوجد ضمن مجموعة القطع الفنية البارزة والهامّة في الأرميتاج لوحتان للفنان الكبير ليوناردو دافنشي Leonardo da Vinci ومنحوتات لمايكل أنجلو Michael Angelo والتي لا يمكنك التمتع بمشاهدتها إلّا في روسيا، كما يحوي الأرميتاج على أكبر عدد من لوحات رامبرانت خارج هولندا.
الأرميتاج

تشير بعض التقديرات إلى أن الزائر قد يحتاج إلى 11 عاماً لمشاهدة كل تحفة وقطعة فنية معروضة لمدة دقيقة واحدة فقط، ومن هنا يمكننا تخيل مدى ضخامة هذا المتحف وغناه الفني. ولذلك فإنّ الكثير من الزوار يفضلون الاستعانة بمرشد سياحي، لضمان عدم إهدار أي لحظة خلال جولتهم في المتحف بحيث يمكنهم المرور على معظم تفاصيله. في حين أنّ المهتمين بالفن فهم غالباً ما يوجهون اهتمامهم نحو أعمال فنية بعينها، بهدف البحث والتعمق بتفاصيلها.
الأرميتاج

الأرميتاج

في السنوات الأخيرة توسع الأرميتاج بشكل ملحوظ وأطلق عدد من المشاريع الطموحة، كما تم افتتاح فروع له في مناطق مختلفة من العالم؛ في أمستردام ولاس فيغاس وفيرارا في إيطاليا، كما تم افتتاح فرع له في لندن إلا أنّه قد تم إغلاقه بشكل دائم في عام 2007.

في عام 2017 قُدِّر عدد الزوار بـ 4.1 مليون و 4.2 مليون زائر، مع ارتفاع بنسبة 5% عن عام 2016 وفقاً لمدير المتحف ميخائيل بيتروفسكي Mikhail Pyotrovsky. كان العدد الأكبر من الزوار من الصينيين ويليهم الأمريكيين ثمّ البريطانيين.

ختاماً ومع كل ما سبق ذكره، فمن المؤكد أن زيارة الأرميتاج ستكون تجربة مميزة لأي سائح لن تتكرر في أي مكان آخر في هذا العالم، لغناه التاريخي والفني والثقافي وجمال المناظر فيه، فإياك بأن تفوّت الفرصة بزيارة هذا المكان الرائع والاستثنائي.

3

شاركنا رأيك حول "متحف الأرميتاج في سانت بطرسبورغ: أيقونة متاحف العالم"