الجنس الثالث والحرام وأفضل كتب يوسف إدريس تشيخوف العرب وأديب الواقعية المصرية

افضل كتب يوسف إدريس
0

يوسف إدريس هو أحد أهم الروائيين المصريين الذين عاشوا في القرن الماضي، والذي كتب أعمالًا روائية عظيمة خلّدتها السينما في أفلامٍ شهيرة مثل الحرام، النّداهة، لا وقت للحب، حادثة شرف، وغيرها من الأفلام الهامة الأخرى.

لُقِّب يوسف إدريس بتشيخوف العرب، وذلك لأنّ نَجمهُ بزغ في كتابة القصة القصيرة خاصةً، دونًا عن عدد الروايات القليلة التي كتبها، كما كان تشيخوف الكاتب الروسي العظيم، والذي يُعدّ رائد القصة القصيرة في الأدب الغربي.

قال الكاتب الكبير عبد الرحمن منيف عن كتابات يوسف إدريس: “إنّ عبقرية القصّاص أن ينظر إلى الأشياء العادية بنظرة غير عادية، إنّ في كل عادي، شيءٌ غير عادي، والمهمة الأساسية هي اكتشاف غير العادي من العادي، وتركيز الضوء عليه لكي تبرز دقته، وقوته، وغير عاديته”.

وهنا تكمن براعة يوسف إدريس، الذي كانت قصصه القصيرة بمثابة عدسة مكبّرة على تفاصيل الحياة اليومية، وتَنقل بأسلوب عذب ما يجري بالفعل على أرض الواقع، خاصةً فيما يتعلق بحياة الريف وطبقة البسطاء من الناس. وتتميز كتابة يوسف إدريس عن غيره بشيئين، اولّهما الواقعية الشديدة التي تراها في أعماله، فشخصياته حقيقية جدًا، من لحمٍ ودمٍ فعلًا، يُمكنك أن تتعرف على الكثير منهم في حياتك. وثانيهما هو ذلك الإسهاب في الوصف الدقيق لكل التفاصيل الصغيرة، التي يراها إدريس هامة في بناء القصة،مما يجعل القراءة له ممتعة، لأنّه يساعدك طيلة الوقت على التخيّل، وبالتالي الانغماس في الأحداث. وعلى قدر واقعيته هذه، والتي تجعل قصصه في كثيرٍ من الأحيان مُحمّلة ببؤس وشقاء أبطالها، على قدر خفة ظله، وحسّه الساخر الذي يظهر بين الحين والآخر في كتاباته.

قام يوسف إدريس بكتابة عشرين مجموعة قصصية، وخمس روايات، وعشر مسرحيات، وسنقّدم فيما يلي بعضًا من أفضل ما كتب يوسف إدريس من خلال عرض مجموعتين قصصيتين، وروايتين، ومسرحية واحدة، من أعماله الوافرة.

الموسيقى العربية من العهد القديم وحتى نهاية القرن العشرين 🎻

أفضل كتب يوسف إدريس

الحرام

افضل كتب يوسف ادريس

ملحوظة: هناك حرق لأحداث الرواية في هذه المراجعة القصيرة عنها.

رواية الحرام هي واحدة من الروايات القليلة التي كتبها يوسف إدريس مقارنةً بمجموعات قصصه القصيرة. وهي الرواية المُوجعة والغارقة في التفاصيل المؤلمة التي رسمها يوسف إدريس وجعل حروفها تقطر حزنًا على عزيزة وابنها الوليد، وعلى الغرابوة، وعلى الفقراء والمُهمّشين في كل مكان.

أبرزت رواية الحرام ليوسف إدريس حسّه المُرهف الذي جعله يصنع من عمّال التراحيل جميعهم أبطالًا لروايته، حيث يُلقي الضوء على ما يُعانونه من أجل لقمة العيش المُقدّدة التي لا تسدّ جوعهم، والتي يُليقها لهم أهل التفتيش، أو أصحاب الأض في اشمئزازٍ واضح.

كانت الشخصية الأبرز في الغرابوة أو عمّال التراحيل هي عزيزة، عزيزة المسكينة التي تُعاني من أجل إعالة زوجها المريض وأبنائها، في ظل ذلك الظلم الفادح الذي تتعرض له هي وأهل قريتها الذين يُسافرون كل يوم لأرض التفتيش من أجل العمل هناك طوال النهار، ولكنّ الأمر بالنسبة لعزيزة لم يتوقف عند هذا الحد، فعين الطمع أبت أن تتركها لحالها، واستغلت ضعفها، وتم الاعتداء عليها من قبل واحدٍ من أصحاب الأراضي، والذي لا تتمكن من أن تواجهه بفعلته الشنيعة.

“تُرى كيف تكون فاعلة ذلك الحرام؟ أو على وجه الدقة: كيف تكون الزانية؟ ما من مرة ذُكرت أمامه الكلمة إلا واقشعر بدنه، مع أنه كان له – مثلما لمعظم الناس – علاقات قبل أن يتزوج وحتى بعد أن تزوج. ولكن كأنما كان يستبعد أن يوجد نساء في العالم يخطئن مثلما تخطيء النساء معه، وكأنما مَن أخطأن معه لسن زانيات. الزانيات هنّ مَن يُخطئن مع غيره”.

الحرام.. تلك الكلمة الفضفاضة المعنى، والتي نقولها على كل ما لا نرضاه، ولكن ما هو الحرام الذي كان يقصده يوسف إدريس عندما كتب هذه الرواية؟

يقول النّقاد أنّ يوسف إدريس وبدون أن يشرح معنى الحرام بصورة مباشرة، أو على هيئة خُطب عصماء، ذكر معناه في صورةٍ مستترة، فبينما وجّهك في نوعٍ من التضليل في بداية الرواية إلى الحرام بشكله المتداول بين الناس، حيث الزنا هو التعريف الأول للحرام. فكما نعرف، الزنا وحده هو السبب الوحيد لجثة الطفل المولود حديثًا المُلقاة في الحقل، ولكنّ يوسف إدريس سرعان ما يأخذك إلى التعريف الأكبر والأهم والحقيقي أكثر للحرام، وهو كل ما وقع ظُلم واستغلال على كل مهمّش وضعيف وعاجز في مجتمعنا غير العادل هذا.

بعدما تنتهي من الرواية القصيرة هذه، ستُدرك أنّ الحرام هو الفقر والظلم الذي وقع على عمّال التراحيل من قبل أصحاب الأراضي الذين ارتضوا بالظلم للطبقة الفقيرة. الحرام هو طمع ذلك المغتصب في ثروة عزيزة الوحيدة، جسدها. الحرام هو ألا تستطيع عزيزة أن تخبر أحدًا بما حصل، فهي تعرف أنّه لن يُصدقها أحد، وأنّها مُجبرة على أن تتحمل خطيئة هذا الرجل وحدها. الحرام هو شعورها بالذنب، البادي في جملتها التي ظلّت ترددها لنفسها “الشيطان كتّفني”. الحرام هو ذلك الطفل البائس الذي لم تُكتب له الحياة في هذه الدنيا سوى لدقائق معدودة. الحرام هو أن تموت عزيزة تلك الميتة، بمسٍ من جنون، موصومة بالعار، تلوم “جدر البطاطا” الذي كانت تبحث عنه من أجل زوجها الذي كان يشتهيه عندما حدثت واقعة الاغتصاب، فكانت تنوح “جدر البطاطا هو السبب”. والحرام، أن تظنّ عزيزة أنّ جدر البطاطا هو السبب.

“كل ما تبقى من الترحيلة وعزيزة، شجرة صفصاف قائمة الى الآن على جانب الخليج الذي لم يغيره الزمن، يُقال أنها نمت من العود الذي تستخلصوه من بين أسنان عزيزة بعد موتها، فطُمس في الطين، ونبت. وأغرب شيءٍ أنّ الناس لا يزالون يعتبرونها إلى الآن شجرة مبروكه، وأوراقها لا تزال مشهورة بين نساء تلك المنطقه، كدواء مجرب لعلاج عدم الحمل”.

أفضل أعمال عبد الوهاب المسيري المفكر العظيم الذي حارب الصهيونية بالقلم

العيب

افضل كتب يوسف ادريس

رواية قصيرة أخرى ليوسف إدريس، وهي تغوص داخل النفس البشرية لترى حقيقة الإنسان من الداخل، ومدى صموده أمام الفتن والاختبارات، وذلك من خلال (سناء) التي تتخرج من الجامعة حديثًا، وتذهب للالتحاق بالعمل في هيئة حكومية في مكتبٍ كل زملائها فيه من الرجال. وبغض النظر عن أنّ عمل المرأة في هذه الفترة وهي عام 1962 حينما كتبت الرواية كان لازال شيئًا لافتًا للنظر، إلا أنّ هذه لم تكن المشكلة الكبرى التي ستواجهها سناء في العمل.

“الظاهر الرجالة دول عندهم لكل مبدأ دوسيه، الشرف في بيته غير الشرف في عمله، والحرام في الليل غير الحرام في النهار، والفضيلة ما تمنعش الرذيلة، كله موجود مع بعض في حالة تعايش سِلمي”

في رواية العيب، سنرى سناء الفتاة الملتزمة أخلاقيًا والتي تعرف ما هو “العيب”، وهي تتعرض لاختبارٍ حقيقي فيما يخص مبادئها التي تؤمن بها، وبالتالي سلوكها الذي يعكس ذلك. وهو ما يطرح سؤالًا هامًا، هل مبادئنا وأخلاقياتنا التي نؤمن بها في حاجة إلى اختبار حقيقي كي تُختبر حقيقة إيماننا بها من عدمه؟

وكما جعلنا نتسائل في رواية الحرام عن مفهوم الحرام، جعلنا يوسف إدريس نتسائل أيضًا عن مفهوم العيب، في رواية العيب،حيث يتضح لنا في النّهاية أنّ لكل واحدٍ منا مفهومه الخاص عن العيب.

“إنّ المذنب لا يحسد البرئ، إنّه يكرهه، ويحس به كأنّه ضميره، و كأنّ الضمير هو الجزء البرئ في قلب المذنب، وسناء، ذلك الركن الخامس في المكتب، كانت قد أصبحت كالضمير المقيم الذي لا يتحرك، و الذي لا تخفى عليه خافية، و الذي يُقابل كل ما يدور حوله بالصمت والسكون. ليتها كانت تتكلم أو تنصح أو حتى تشتم، ليتها تفعل شئ إلا أن تسكت. والكارثة أنها ضمير مؤنث، إنّ الرجل لا يُخجلهُ كثيرًا أن يرتكب الخطأ أو الحماقة أمام زميله الرجل، ولكنّه يخجل ببشاعة أمام الأنثى، أي أنثى”.

الرواية من أمتع الروايات التي يُمكنك أن تتابع ما بها من حوار بين الشخصيات المحورية بشغف حقيقي، وترى هل ستصمد سناء أمام الإغراءات المادية والأخلاقية التي ستتعرض لها أم لا. وكيف سينتهي ذلك الصراع المتواصل في أعماقها.

بيت من لحم

افضل كتب يوسف ادريس

مجموعة من إحدى أشهر المجموعات القصصية ليوسف إدريس، وكانت القصة الأبرز فيها هي قصة (بيت من لحم) والتي تعتبر جريئة كفكرة، وجريئة كما كتبها يوسف إدريس بقلمه البارع في وصف التفاصيل.

القصة باختصار شديد تحكي عن زوجة في منتصف العمر، يموت زوجها ولديها ثلاث فتيات شابّات، تتزوج من مُقريء قرآن ضرير، ونتيجةً لأنّ منزل المرأة عبارة عن غرفة واحدة ليس إلا، تتفتح أعين البنات على ما يجري ليلًا بين أمّهن وزوجها الشاب، ممّا يقودهنّ بعد فترة إلى أن تتظاهر كل واحدة منهنّ بأنّها الأم، وذلك عن طريق ارتداء خاتم زواجها، حتى تقضي ليلتها مع زوج الأم.

“الخاتم بجوار المصباح.. الصمت يحل فتعمَى الآذان.. في الصمت يتسلل الأصبع، يضع الخاتم.

في صمتٍ أيضًا يُطفأ المصباح، الظلام يعم.

في الظلام أيضًا تعمَى العيون..

الأم وبناتها الثلاث. والبيت حُجرة. والبداية صمت”.

القصة تبدو للوهلة الأولى وكأنّها قصة إباحية، ولكنّها تحتاج إلى قراءة جيدة، لفهم الدوافع لما فعلته الفتيات الثلاث، وسر مُباركة الأم لأفعالهنّ المُشينة، وصمت زوج الأم الضرير والمتواطيء. وهي الدوافع التي شرحها يوسف إدريس في الرواية بدقة.

يضم الكتاب أيضًا قصصًا قصيرة أخرى مثل (على ورق سوليفان)، و(سنوبزم)، و(سورة البقرة)، و(الرحلة) و (أكان لابد أن تضيئي النور يا لي لي؟).

لغات أخرى في جزر معزولة لا نعرف عنها سوى القليل

أرخص ليالي

افضل كتب يوسف ادريس

أرخص الليالي برغم أنّها أول مجموعة قصصية ينشرها يوسف إدريس في حياته، إلّا أنّها تعتبر من أفضل أعماله، وقد كتب فيها 21 قصة قصيرة متنوعة، والتي وضّح فيها بشدة تأثره بحياة القرية، وببسطاء الحال في الريف والمدينة، وأيضًا لكونه طبيب، فتحدث عن الأطباء والمرضى داخل المستشفيات المتهالكة في أكثر من قصة.

جدير بالذكر أنّ قصة (نظرة) التي هي من أبرز قصص المجموعة، مدرجة ضمن المنهج الدراسي للثانوية العامة، والتي يروي فيها قصة الطفلة التي تعمل كخادمة في أحد المنازل، وتحمل حملًا ثقيًلا من الطعام على رأسها الصغير مُتجهة إلى المنزل، بينما تُلقى نظرة طويلة على الصبية وهم يلعبون في الشارع بكرة مطاطية. هذه كانت القصة فقط، بلا أحداث تقريبًا، ولكنّ المعنى سيصلك قويًا جدًا، وهو  ما كان بارعًا يوسف إدريس في فعله.

أدعوك لقراءة هذا الجزء من قصة (في الليل) لتعرف كم كان أسلوب يوسف إدريس مميزًا في الوصف، وكم كان واعيًا بما يعتمل بداخل قلوب البشر وعقولهم ،والبسطاء خاصةً، والذين قام بتشريحهم في هذه القصة، وهم الذين لا همّ لهم في الحياة سوى توفير لقمة العيش لأطفالهم ليلة بليلة، وإذا ما فعل الرجل منهم ذلك، شعر وكأنّه البطل المغوار الذي لا يُهزم، ونام هانئًا راضيًا، ولكن لا يخلو نومه من قلق، فماذا سيحمل له الغد يا تُرى؟

“وبدأوا يضحكون ضحكًا حقيقيًا ..
وما كان يأتيهم الضحك إلا بشق الأنفس ..
كانوا يضحكون أول الامر وهم فقط يُقلّدون من يضحكون ..
ثم يحسّون أنّ ما هم فيه يستحق الضحك فعلًا فيضحكون ..
ثم يرون أنّ ما أمامهم فرصة ينعمون فيها بضحكٍ لا ثمن له، وهم ما اعتادوا أمثال تلك الفرص، فيضحكون لحاضرهم ويختزنون ضحكاتٍ اخرى للمستقبل ..
ثم كانوا يتذكرون ما قاسوه فى النهار، وما سوف يبذلونه فى الغد المقبل، فيتشبثون بما هم فيه من ساعة أُنس، فيضحكون ويغصبون على أنفسهم ويضحكون أكثر وأكثر..
ولا يدوم هذا إلى الأبد ..
فسرعان ما يمسح عجوز منهم الدمعة الضاحكة عن عينه، ويقول بصوت فيه رنّة ندم وكأنه اقترف إثمًا: اللهمّ إجعله خير يا ولاد.”

الجنس الثالث

افضل كتب يوسف إدريس

رغم أنّها ليست أفضل مسرحياته على المستوى النّقدي، والتي أجمعت الآراء على أنّ أفضلها هي المسرحية الفلسفية السياسية (الفرافير)، إلا أنّني أحببت أن أُلقي الضوء على مسرحية (الجنس الثالث) التي في رأيي لم تأخذ حقها من الشهرة والنجاح. فكما تحدثنا عن يوسف إدريس الذي برع في وصف الواقع المصري بواقعيته الشديدة الذي يغلب عليه الفقر والكبت والألم، ففي الجنس الثالث كان هناك نمطًا مُختلفًا تمامًا، وهو الخيال، الخيال الجامح الذي لا حدود له، والذي ستشعر وأنت تقرأ هذه المسرحية أنّ عقلك سيتحرر من مكانه ليذهب حيثما ذهب أبطالها.

تدور أحداث المسرحية حول آدم، العالِم المُخترع، الذي يسمع صوتًا غامضًا يدعوه للذهاب إلى “العتبة”، وفي رحلة آدم الغريبة والمليئة بأحداثٍ لا معقولة، مثل الشجر الذي يتكلم مع آدم، بل ويقع في حبه أيضًا، يُقابل آدم “هي” وهي أجمل كائن على كوكب الأرض، وآخر امرأة من سلالة “هابيل”، والتي يجب أن تتزوج من آدم الذي يكتشف أنّه أرقى إنسان من سلالة الأخ القاتل “هابيل”، كي يُنتجا لكوكب الأرض جنسًا ثالثًا لا يعرف الشرّ أو الظلم.

“تعالى خليني أدوَّقك أنوثة عمرك ما دقتها ولا داقها بشر. الأنوثة البْكر. الأنوثة أول ما بدأت الأنوثة. تعالى أعيِّشك في الزمن النادر اللي فكَّرت فيه الطبيعة لأول مرة إنها لازم تبتدي تقسمنا لجنسين”.

كَتب يوسف إدريس هذه المسرحية باللغّة العامّية المصرية من خلال حوار ذكي، مُغرق في الخيال، وساخر بشكل هستيري أيضًا.

وفي النهاية، إن لم تكن قد قرأت شيئًا بعد ليوسف إدريس، فأنت لست متأخرًا جدًا للقيام بذلك.

0

شاركنا رأيك حول "الجنس الثالث والحرام وأفضل كتب يوسف إدريس تشيخوف العرب وأديب الواقعية المصرية"