خطر الهجمات الوبائية في ازدياد ومنظمة الصحة العالميّة تتشاءم

الأوبئة
0

لابُدّ أنك سمعت عزيزي القارئ أو قرأت عن الهجمات الوبائية الهائلة التي خلّفها التاريخ في سنين ماضية، ذلك الكمّ الكبير من الضحايا الذي صدّع اقتصاد دولٍ بأكملها، ولكن هل وصلنا مع ما نحن عليه الآن من تقدّم علميّ و تطوّر حضاري وثقافي وطبيّ، هل وصلنا إلى برّ الأمان حقًّا؟ هل نحن بمأمنٍ من أيّ اجتياحٍ وبائي آخر لأيٍّ من الأمراض الوبائية؟ أو بالأحرى هل يمكننا التصدّي لإنقضاض مُحتملٍ لأيّ وباء مستقبلًا؟

هل تسببت إبادة السكان الأصليين في أمريكا حقاً بانخفاض مستويات الكربون؟

حسنًا إن الخبراء ليسوا متفائلين بذلك كثير “إن خطورة حدوث هجمة وبائية في تزايد، ونحن لسنا على استعداد كافٍ للتصدي لها” هذا ما قاله خبراء منظمة الصحة العالمية (WHO) في تقرير لهم نُشر يوم الأربعاء الماضي، ذاكرين “أننا ولفترة طويلة، سمحنا لحلقة الذعر و دوّامة الإهمال أن تسيطر على الأجواء المحيطة بالهجمات الوبائيّة، وعندما يداهمنا الوقت ويصبح الأمر خطيرًا وانتشار الوباء كارثيًّا نبدأ بالتحرّك، ثمّ لا نلبث أن نتراخى ونرخي دفاعاتنا سريعًا عند تراجع حدّة الوباء. لقد حان الوقت لكسر ذلك الروتين الرتيب والبدأ بالعمل الجاد”.

وأشارت لجنة خبراء الصحة والمسؤولون الدوليُّون إلى الكارثة الوبائية التي حصلت عام 1918 مع انتشار مرض الأنفلونزا كالنار في الهشيم في أنحاء العالم كلّه مخلّفًا ما يُقارب 50 مليون ضحيّة، أشارت إليه كمثال حيّ على التأثيرات المدمّرة للهجمات الوبائية، منوّهين بأنه في حال تكرّرت مثل تلك الهجمة الوبائية فإننا لسنا على استعدادٍ لها وأنها ستسفر عن ما يزيد على 80 مليون ضحيّة وستدمر أكثر من 5% من الاقتصاد العالمي”.

كيف تظهر الأمراض الوبائيّة

في الواقع الأمر ليس له علاقة مباشرة بسببٍ معيّن، فلا بُدّ من اجتماع طائفةٍ من المؤهّبات لاندلاع وباء ما. بالرغم من أن الأمراض والآفات الوبائية كانت تضرب باستمرار المجتمع البشري على مرّ العصور، إلا أنّ الأرقام الهائلة في السجل الإجرامي للأوبئة في القرنين الماضيين تتخطى وبفارقٍ شاسع تلك التي حدثت في العصور السابقة، على الرغم من البداءة الطبيّة في ذلك الزمن، ومردّ ذلك في الحقيقة هو الكثافة السكانيّة الكبيرة في يومنا هذا، بالإضافة إلى سهولة التنقّل والسفر في مختلفة بلدان العالم.

والجدير بالذكر أيضًا أن التغيرات المناخية المتسارعة والتي يشهدها مناخ كوكبنا اليوم، لاسيّما ظاهرة الاحتباس الحراري، قد ساهمت بشكل كبير في انبثاق أمراض وبائية جديدة ودعم طرق انتشارها، كالبعوض، الناقل الرئيسي لأمراض فتّاكة كفيروس الزيكا وحمى الضنك (أو ما يُعرف بالعاميّة أبو ركب).

فنزويلا على المحك: عندما دفع الاقتصاد فاتورة السياسة!

أكثر البلدان عرضةً للإصابة بالأمراض الوبائية

حسنًا، الجواب بديهي جدًا، وأكثرنا يعرف ذلك، في الواقع العالم كلّه يعلم هذه الحقيقة ولكنّه يتغافل عنها، نعم، المنبع الأساسي لمعظم الأمراض الوبائية هي الدول النامية المكتظّة والتي تمتلك نظامًا صحيًّا مُتهالكًا، أقصد بذلك على وجه التحديد الدول الافريقية.

مخطط توضيحي يُظهر نسب ضحايا الكوارث في بلدان العالم.
مخطط توضيحي يُظهر نسب ضحايا الكوارث في بلدان العالم.

معظم الدول الإفريقية تمتلك مقوّمات وبنية تحتيّة صحيّة شبه معدومة، وفي معظم الأوقات تكون أوّل من تنزل به الضربات القاصمة للأوبئة. ويرجع ذلك إلى الخلافات السياسية والنزاعات الداخليّة المستمرّة التي تقبع هذه الدول تحت وطأتها، مخلّفة بنيةٍ صحيّة تحتيّة متهدّمة تسهم باستمرار في تطوّر سلالات بكتيريّة ذات مقاومة كبيرة. وكمثال عن إحدى تلك الدول هي جمهورية الكونغو الديمقراطية والتي كانت المنبع الأساسي لفيروس الإيبولا في الآونة الأخيرة، والذي ما انفكت وسائل الإعلام تتحدث عن اجتياحه وتندد منظّمات الصحة بخطورته.

ما مدى استعدادنا لهجمة وبائية مستقبليّة

“بالرغم من الخطوات الواسعة التي قطعتها أسرة المجتمع الدولي والمنظمات الصحية العالمية في سبيل الاستعداد للطوارئ الصحيّة المستقبليّة، بالرغم من ذلك فإن هذه الجهود لا تزال قاصرة بشكل كبير” هذا ما جاء ذكره في تقرير منظمة الصحة العالمية الأخير.

ويذكر التقرير أيضًا العقبات الأساسية للخطوات الفعّالة منها “العزيمة السياسيّة الحقيقية والمستمرّة” بمعنى أن رؤساء الدول الكبرى لا يسخّرون ما يكفي من الموارد والطاقات في سبيل بناء هيكلية قويّة للتصدّي للكوارث الوبائيّة المستقبليّة.

أنظمةُ النوم والإنتاجية في حياتنا… هل من مشكلة في كونك “بومة ليل”؟!

الأوبئة

وقد سعت منظمة الصحة العالمية جاهدةً في اقناع الحكومات الكبرى حول العالم بتأسيس برنامج صحي متكامل لدرء أي خطر مُحتمل لمرض وبائيّ، ويشمل وضع  خطط سنويّة لكبح لمنع انتشار الأمراض الوبائية و تعزيز تنسيق الأمم المتحدة بالإضافة إلى بناء وحدات صحيّة وتدعيمها ماديًّا في مختلف المناطق ذات الخطورة المرضيّة الكبيرة.

بعض الأمثلة الكارثيّة عن هجمات وبائيّة في تاريخنا القريب

وباء مرض الإيدز ( في ذروته 2005- 2012)

حصيلة الضحايا: 36 مليون إنسان.

السبب: فيروس الإيدز.

من أخطر الفيروسات التي عرفتها البشرية والتي لم يتم اكتشاف علاج كامل لها حتى وقتنا الحاضر. أول ما تم اكتشافه كان في جمهورية الكونغو الديموقراطية منذ عام 1981. وفي وقتنا الراهن هنالك ما يزيد عن 31 مليون شخص حامل لفيروس الإيدز حول العالم. لحسن الحظ وبفضل الوعي المتزايد تناقصت أعداد الإصابات السنوية في السنوات القليلة الماضية من 2.2 مليون إلى 1.6 مليون إصابة.

وباء الإنفلونزا عام 1968

حصيلة الضحايا: 1 مليون إنسان.

السبب: فيروس الإنفلونزا.

الوباء الذي سببه النمط الثاني من فيروس الإنفلونزا، والذي يُعرف أحيانًا باسم “إنفلونزا هونغ كونغ” وأول ما تم اكتشافه كان في صيف عام 1968 في هونغ كونغ في الصين، وفي غضون 17 يومًا فقط تحوّلت الإصابات المتعدّدة إلى وباء منتشر في الصين كلّها، وخلال أشهر معدودة توسّعت رقعة الوباء لتشمل كل من الهند والفيليبين وأستراليا وأوروبا، وحتى الولايات المتّحدة لم تسلم من هذا الوباء. بالرغم من أن نسبة الوفيات المترافقة مع هذا الوباء كانت متدنّية (5% فقط من المصابين)، إلّا أنّها كانت كافية لتقتل أكثر من 500 ألف نسمة في مدينة هونغ كونغ فقط، أي ما يزيد على 15% من كثافتها السكانيّة آنذاك.

وباء الإنفلونزا عام 1918

عدد الضحايا 20-50 مليون إنسان.

السبب: فيروس الإنفلونزا.

من أكثر الهجمات الوبائية فتكًا عبر التاريخ، وقد اندلعت بين عامي 1918 و 1920 وخلّفت خلال هذه الفترة القصير ما يقارب 50 مليون حالة وفاة، وأصاب الوباء ما يزيد على ثلث تعداد السكّان في العالم آنذاك! وخلّف خلال 25 أسبوعًا فقط 25 مليون ضحيّة. والنهج الذي سلكه وباء الإنفلونزا آنذاك كان مختلفًا، فعلى خلاف الإصابات الانفلونزا التقليدية والتي تصيب أكثر ما تصيب الأطفال والطاعنين في السنّ، إلّا أنّها في وباء عام 1918 أصابت المراهقين الأصحّاء وبقوّة مخلّفًا إحدى أكبر الكوارث الوبائية على الإطلاق.

بالرغم من التشاؤم الواضح في تقرير منظّمة الصحة الأخير، إلّا أننا من جانبنا نتفاءل، مع ازدياد الوعي العالميّ، بظهور بوادر مستقبليّة تُساهم بشكل فعّال في كبح خطر أي وباء مُحتمل وتعزيز الوعي الثقافي والصحيّ في أرجاء المعمورة.

عندما تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى منصة شر!

0

شاركنا رأيك حول "خطر الهجمات الوبائية في ازدياد ومنظمة الصحة العالميّة تتشاءم"