قراءة في أدب دوستويفسكي الأديب الجَدَلي عاثر الحظ – الجزء الأول

دستويفسكي
1

رغم كل التكنولوجيا التي تتسابق على لفت انتباه الإنسان في القرن الواحد والعشرين، إلاّ أنّ القراءة ما زالت محافظة على مكانتها في قائمة “أسباب اللذة”، وذلك لأنّ الأدب شعلةٌ لا تخبو من المتعة، المشاعر، القصص، التجارب، والدروس.. هناك نصوص أدبية غير قابلة للاختزال في أيّ مشهد تمثيلي على الشاشة، ولهذا نقرأ.

واحتفاءً بالقراءة والأدب والأدباء، سنعرض في مقالاتِ هذه السلسلة قَبَسًا من حياة وأفكار واحدٍ من أهم أدباء القرن التاسع عشر الذين أشعلوا ثورةً في الرواية والفكر.

تعالوا لنحدّثكم قليلا عن “فيودور دوستويفسكي“.

سامي الدروبي

نشأة فيودور دستويفسكي

“فيودور دوستويفسكي-Fyodor Dostoyevsky” من عباقرة الأدب الروسي، وُلِد في موسكو يوم 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 1821م (أي في عهد روسيا القيصرية)؛ وهو الطفل الثاني للطبيب العسكري “ميخائيل دوستويفسكي” والسيدة “ماريا نيتشاييفا”.

رغم أنه من عائلة نبيلة، فقد تربّى دوستويفسكي في مستشفى الفقراء الذي كان يعمل به والده، فكبر بين جدرانٍ تسكنها مشاهد المرض والفقر القاسية، في بيئةٍ تُسَمِّمها الممارسات التعنيفية التي كانت تتربّص خصوصًا بِـ”عبيد الأرض-Serfs” (طبقة اجتماعية من الفلاحين الذين عَمِلوا في ظل النظام الإقطاعي، وضعهم قريب من العبودية المؤطّرة في المجال الزراعي مقابل تسديد ديونهم، لكن لم تكن الشروط والعلاقات واضحة بين الخدم وأسيادهم، وغالبًا ما كان يؤدّي هذا الغموض إلى التمادي في الاستغلال).

درس دوستويفسكي في مدارس داخلية وخاصة، ثم انتقل إلى “معهد الهندسة العسكرية- Nikolayev Military Engineering Institute” في سان بطرسبورغ.

سنة 1837م توفّيت والدته، ثم لحقها سنة 1839م والدُه الذي يُشاع أنّه قُتِل انتقامًا على يد عبيد الأرض الذين كانوا في خدمته لأنه كان غليظًا سيّء المعاملة معهم.

الرحلة الأدبية الشاقة لدستويفسكي

البداية

بدأت أولى خطوات دوستويفسكي في عالم الأدب سنة 1843م بترجمته لرواية “Eugénie Grandet” للعملاق الفرنسي “بلزاك – Honoré de Balzac”.

وسنة 1845م، نشر دوستويفسكي أولى رواياته: “المساكين-Poor folk” التي خرجت مباشرةً -حسب عدد من النقاد- مِن رواية “المعطف– The Overcoat” لعرّاب الأدب الروسي “نيقولاي غوغول– Nikolai Gogol”، وهذا ما كلّف دوستويفسكي العديد من الانتقادات اللاذعة والاتهامات بالانتحال الأدبي نظرًا للتشابه الرهيب في مُجرَيات القصتين.

ورغم هذا، فإنّ هذه الرواية تلقّت الكثير من التصفيق والترحيب من طرف كبار الأدباء والنقاد آنذاك، والشاهد أنّ الناقد الروسي الكبير “بلينسكي-Belinsky” وصف هذه الرواية بأنّها أوّل عمل أدبي اجتماعي روسي، وقال:” لقد ظهر غوغول جديد!”.

النجاحات التي حققتها مسيرته الأدبية في بدايتها شجعت دوستويفسكي على أن يستقيل من عمله في الهندسة العسكرية، متطلّعًا للتفرغ التام للكتابة والأدب. وبالفعل، نشر دوستويفسكي بين سنتي 1846م و 1848م العديد من الروايات القصيرة، لكنّها كلها باءت بالفشل، ممّا ضيّق الخناق على حالته المادية.

خدعوك فقالوا.. أنا مثقف ! – كيف تحكم على ثقافة أحدهم؟

السجن والنفي إلى سيبيريا

في تلك الفترة، وبالتوازي مع تبلوُر اهتماماته الأدبية، انخرط دوستويفسكي في مجموعة “الاشتراكي الخيالي–Utopian Socialist”، لكن هذه المجموعة انحلّت بعد مدة وجيزة، فانضم إلى “رابطة بيتراشيفسكي-Petrashevsky Circle” وهي حلقة أدبية كان معظم أعضائها معارضين لاستبداد النظام القيصري ولنظام “استعباد الأرض الروسي-Russian Serfdom”.

سنة 1849م، أُلقِي القبض على المنخرطين في رابطة بيتراشيفسكي، وحُكِم عليهم بالإعدام. وفي يوم تنفيذ العقوبة، أُخِذ المتهمون إلى ساحة الإعدام، وشهدوا المراسيم التي تسبق التنفيذ، وفي آخر لحظة تم إعلامهم بإلغاء هذا الحكم. في الحقيقة كانت عقوبة الإعدام منذ البداية مجرّد مسرحية قاسية، وكانت هذه المسرحية جزءًا من خطة التعذيب.

بعدها، حُكِم على دوستويفسكي بالسجن لأربع سنوات في سيبيريا، مُلحَقة بستة سنوات في الخدمة العسكرية كجندي هناك.

يقول المؤرّخ الفرنسي “بيير باسكال-Pierre Pascal”:

السجن هو الذي منحنا دوستويفسكي

مُلمّحًا إلى أنّ عبقرية هذا العملاق لم تظهر في الحقيقة إلا بعد إعتاقه من جحيم سيبيريا، فرواياته العظيمة تتالت تِباعًا بدءً بكتابه “ذكريات من منزل الأموات- Notes from the Dead House” الذي يصف تجربته في السجن، ويعدّ من أعظم ما كُتِب في أدب السجون على الإطلاق.

الحكم على دستويفسكي بالاعدام
مشهد إعدام أعضاء رابطة بيترافيشيسكي

بعد مرحلة سيبيريا، كتب دوستويفسكي بغزارة لسببين: الأوّل هو حبّه للأدب، والثاني هو حالتُه المادية المُنهَكة من ديون القمار.

الزواج، النجاح والاعتراف الدولي

تزوّج دوستويفسكي مرّتين، فبعد زواج أوّل تعيس (1857م-1864م) من “ماريا ديميترييفنا إيساييفا Maria Dmitrievna Isaeva” انتهى بموتها، تزوّج سنة 1867م بمساعدته ” آنا سنيتكينا-Anna Grigoryevna Snitkina” التي كانت تجيد “الكتابة الإختزالية -Stenography” (أي الكتابة بسرعة باستعمال الرموز) وكان يستأجرها دوستويفسكي سعيًا لإتمام أعماله الأدبية على عجَل بسبب غرقه الدائم في الديون.

كان الزاوج الثاني سعيدًا (1867م-1881م)، وقد أضافت السيدة “آنا” الكثير من الانضباط والنظام لحياة دوستويفسكي، وأنجبا أربعة أطفال.

لاحقًا، أسّس الزوجان “دار دوستويفسكي للنشر” أملاً في أن يكون المال الذي تدرّه كافيًا للخروج من الأزمة المالية، وقد كان هذا العمل ناجحًا بالفعل.

في سنواته الأخيرة، عرف دوستويفسكي شهرةً وإقبالًا كبيرين، وتلقّى تكريمات عديدة، مثل العضوية الشرفية والشهادة الفخرية من “الأكاديمة الروسية للعلوم”. كما انتُخِب ضمن الهيئة الشرفية في “الجمعية الأدبية والفنية العالمية” التي أنشأها الأديب الفرنسي العظيم “فيكتور هوغو -Victor Hugo” في باريس سنة 1878م، والتي كانت تضم عمالقة الأدب في تلك الفترة.

في التاسع من شهر فبراير/شباط من عام 1881م، توفّي فيودور دوستويفسكي في فراش المرض.

رحل دوستويفسكي تاركًا خلفه حياةً ملأها الكثير من الألم، ومخزونًا أدبيًا مذهلاً كُتِب بِوَحي هذا الألم بالذات.. ومن أعظم أعماله:

في قبوي … حكاية دوستويفسكي عن البائسين في القرن التاسع عشر

دوستويفسكي الأديب الجَدَلي

فيودور دوستويفسكي-FyodorDostoyevsky” ظاهرةٌ أدبيةٌ يمكن تلخيصها ربّما في شهادة الكاتب الأمريكي “أرنست همنغواي-“Ernest Hemingway”:

كيف يستطيع رجلٌ أن يكتب بهذه الرداءة، برداءة لا تُصدّق كهذه، وأن يجعلك تشعر بهذا العمق؟

النقاد عادةً ما يعيبون على دوستويفسكي أسلوبَه الذي لا يُقارن بفخامة ما يكتبه مُعاصِرهُ الروسي “تولستوي-Tolstoy” مثلاً، فكتابةُ دوستويفسكي السرديةُ تبدو أحيانًا وكأنها تسجيلٌ آنيٌ لخواطرَ عذراءَ تَرتصُّ على الورق دون تهذيبٍ لاحق.

وقد اعترف دوستويفسكي نفسُه بِفَقرِ أسلوبه في العديد من المواقف، وأرجَعَ هذا إلى وضعيته المالية القاسية التي كانت غالبًا ما تُرغِمه على إنهاء رواياته على عَجَل، مُتعَبًا من الديون، لاهِثًا خلف المال، لا يملك من ترف الوقت ما يكفي ليعيد النظر في أيّ شيء، قال:

لو كنتُ أتقاضى من المال مثلما يتقاضى تورغينيف Turgenev -كاتب روسي عظيم معاصر له- لكنتُ بلا شك أكتبُ بنفس الجودة.

الأمر الثاني الذي كان يثير النقد ضد دوستويفسكي هو طبيعة الشخصيات الروائية التي كان يخلقها، والتي غالبًا ما تكون معتوهة، مختلّة ومليئة بالعيوب. وقد أثار هذا الأمر استهجان عدد مهم من الأدباء أيضًا، منهم الكاتب الروسي الشهير “مكسيم غوركي– Maxime Gorki” الذي قال:

دوستويفسكي عبقري طبعًا، ولكنه عبقري شرير. لقد شعَر، فهم ووصَف بلذّةٍ مَرضَيْ الرجل الروسي الذين غدَّاهُما تاريخنا البشع.. العنف السادي للإنسان العدمي الذي فقد الإيمان بكل شيء، ومازوخية المسحوقين.. ولكن هذا ليس كل ما نملك، يوجد بداخلنا أشياء أخرى غير الوحوش واللصوص، ودوستويفسكي لم يَرَ غيرهما.

وبالرغم من أسلوبه الأدبي الذي أثار حفيظة الكثيرين، فإنّ دوستويفسكي اكتسح طريقه نحو المجد وفرض نفسه كواحدٍ من أهم أعمدة الصرح الأدبي الروسي والعالمي على الإطلاق، وذلك بفضل ميزةٍ تميّز بها عن غيره من الكتّاب، وهي: عبقريته في الغوص في أعماق النفس البشرية والتوغل في طبائعها بتمكُّنٍ فائق، وعرض تفاصيل دواخِل البشر ببراعة مذهلة، وفكّ عُقَدِها بسلاسةٍ تامّة.. حتّى أنّ العمق والإجادة الذين بَلَغَهُما دوستويفسكي في التعاطي مع النفس البشرية لم يبلغهما غيرُه بشهادة أعظم الكتاب والنقاد، ممّا جعل دوستويفسكي مدرسةً قائمة بذاتها في علم النفس، “الوجودية-Existentialism”، وأدب السجون، وعَددٍ من الاتّجاهات الأدبية والنفسية المعاصرة.

٥ روائع يجب عليك قراءتها لفيودور دوستويفسكي

هل قرأتم من قبل لدوستويفسكي؟ شاركونا آراءكم عن أدبه في التعليقات.

1

شاركنا رأيك حول "قراءة في أدب دوستويفسكي الأديب الجَدَلي عاثر الحظ – الجزء الأول"