علي عزت بيجوفيتش في ذكرى وفاته.. قراءة في حياة الرئيس البوسني والمفكر الراحل – الجزء الأول

علي عزت بيجوفتش
0

توسّعت الدّولة العثمانية بشكلٍ خيالي خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر ميلادي، فضمّت أغلبَ دولِ شمال إفريقيا والحجاز والشام والقوقاز والبلقان، وكان لها دور بالغ في نشر الدّين الإسلامي في شرق أوروبا، ويرجع لها الفضل في وجود الكثير من العائلات المسلمة في تلك المناطق إلى اليوم، نذكر من بين تلك العائلات: أسرة الفيلسوف الرئيس والمفكّر الإسلامي الراحل علي عزت بيجوفيتش.

تعالوا لنحدّثكم قليلًا عن هذه الشّخصية الفذّة..

بالفيديو: “سلوبودان برالياك” مجرم حرب البوسنة ينتحر بالسم داخل قاعة المحكمة

الميلاد والنّشأة

جذور عائلة علي عزت بيجوفيتش

ينتمي الرئيس البوسني السابق علي عزّت بيجوفيتش إلى عائلة مسلمة عريقة، تعود أصولها إلى بلغراد (العاصمة الحالية لصربيا) فقد وُلد فيها جدّه لأبيه الذي كان يخدم في الجيش العثماني.

رُحِّلت عائلته من موطنها في بلغراد كغيرها من العائلات المسلمة إثر سقوط الدّولة العثمانية وانسحاب قوّات الجيش العثماني من صربيا، واتّجهت لتسكن بلدة صغيرة في البوسنة تسمّى “شاماتس”، صار وَالدُه عمدتَها لاحقًا.

النّشأة والتّعليم

وُلِد علي عزّت بيجوفيتش في الثامن أغسطس سنة 1925 في بلدة شاماتس البوسنية لأبوين مسلمين، وكان له أَخَوَان غير شقيقان وأربعة إخوة أشقّاء (ثلاثة بنات وولد).

أعلن والدُه الإفلاس في شاماتس، فانتقل إلى سراييفو (العاصمة الحالية للبوسنة والهرسك) ليبدأ حياة جديدة.

تعلّم علي قراءة القرآن الكريم وأتقن تلاوته وهو في السادسة، ونشأ على التّمسك بالتعاليم الدينية والالتزام بالشريعة الإسلامية.

زاول دراسته في سراييفو، وحصل على الشهادة العليا في القانون من جامعتها سنة 1950، ثم نال شهادة الدكتوراه سنة 1962 والشهادة العليا للاقتصاد سنة 1964.

عُرِف عنه الشغف بالقراءة والعلم، فقد بدأ قراءة كلّ ما يقع في يده من كتب وعمره 15 سنة، وتسرّب إليه الشّك واهتزّ فيه اليقين الدّيني في خضمّ الصراعات السياسية والفكرية التي كان يعيشها العالم آنذاك، فاتّخذ علي عزّت بيجوفيتش الفِكرَ والمعرفةَ ملاذًا مِن شبح الشكّ في الدّين والعقيدة، ولم يكن يعتنق فكرة إلّا بعد الاقتناع بها عن طريق الحجّة الدّامغة والدليل القاطع، فتمكّن من بناء صرحٍ فكري وفلسفي ونظرة دينية ورؤية سياسية ومنهج قيادي ميّزوه عن غيره من المفكّرين والفلاسفة والرّؤساء.

تربعوا على عرش الدكتاتورية.. لكنهم لم ينالوا حظهم من الشهرة

بداية نضال علي عزت بيجوفيتش

قبل سقوط يوغوسلافيا بعدّة أشهر، تعرّف علي عزت بيجوفيتش على جماعة “الشبان المسلمين” تحمل أفكارًا تتوافق تمامًا مع ما خَلُص إليه بعد سنوات اعتكافه في القراءة والتفكير، يقول علي في مذكّراته متحدِّثًا عمّا وجده في فِكر هذه المجموعة:

لقد كان طرحًا مختلفًا عمّا تعلّمناه في الكتاتيب، إنّها من وجهة نظري قضية العلاقة بين الشّكل والمضمون أو الجوهر، حيث كنّا نرى أنّ رجال الدين يهتمّون فقط بالطقوس أو الشكل الخارجي ويهملون مضمون الإسلام وجوهره.

كانت هذه الجماعة ترى أنّ الأئمّة والشيوخ يجب أن يطرحوا قضايا العصر وأن يتوقّفوا عن التعاطي مع النّصوص الدّينية بجمود وسطحية، وأن يتماشوا مع متطلّبات الوقت.

كما كانت تطمح هذه المجموعة إلى الحفاظ على الإسلام في أراضي البوسنة والهرسك، والدّفاع عنه ضدّ الهجومات الشّرسة التي كان يشنّها الفكر الشيوعي على الله والأديان لاعتقاده بأنّ “الدّين أفيون الشّعوب” حسب قول كارل ماركس.

سنة 1941، انضمّ “الشّباب المسلمون” إلى أفضل مجموعة من الأئمّة في بلادهم آنذاك والتي كانت مُؤطَّرة ضمن جمعية العلماء “الهداية”، وتوسّع نشاطهم ليشمل العديد من المؤسّسات التّعليمية في كلّ أنحاء البلد، وكان لهم المئات من الطلاب المؤيّدين.

أنهى علي عزّت بيجوفيتش تعليمه الثانوي في ذروة الحرب العالمية الثانية، وتهرّب من التّجنيد الإجباري لأنّه لم يكن يؤمن بأفكار أيٍّ من الطّرفين، فلجأ إلى شاماتس، ولم يرجع إلى سراييفو إلاّ بعد انتهاء الحرب.

وسرعان ما عاد إلى النّضال مع جمعية “الشباب المسلمين” ضدّ الأفكار الشيوعية، فتمّت ملاحقته واعتقاله من طرف شرطة أمن الدّولة اليوغوسلافية، وحُكِم عليه بالسّجن لمدّة ثلاث سنوات.

في سنة الإفراج عنه، استأنف عمله النّضالي مع رفاقه القدامى، وتزوّج من حبيبته “خالدة”، وسافر إلى الجبل الأسود حيث عمل لمدّة عشر سنوات، وكبرت أسرته الصغيرة لتضمّ ثلاثة أطفال.

كتب واقتباسات من حياة عزت بيغوفيتش.. أول رئيس لمجلس الرئاسة البوسني

البيان الإسلامي

بعد عَقدٍ من الغياب، عاد علي عزّت بيجوفيتش وعائلته إلى سراييفو، فحصل على عمل كمستشار قانوني، ونشأت صداقة بينه وبين “حسين جوزو” -الذي كان رئيس جمعية العلماء آنذاك- فتمكّن علي بمساعدة صديقه من نشر مجموعة من المقالات الجامِعة لخلاصة أفكاره وتحليلاته تحت عنوان “عوائق النّهضة الإسلامية” في إحدى مجلّدات المفكّرة الإسلامية “التقويم” آنذاك، وكان ينشرها تحت اسم مستعار مرفوق بالحروف الأولى من أسماء أبنائه.

كان علي عزت بيجوفيتش مُصِرًّا على خدمة الأقلية المسلمة في البوسنة من خلال تقديم طروحات تحقّق النّهضة والتقدّم من خلال حلول تتوافق مع المبادئ العقائدية الإسلامية ومع متطلّبات الزّمن الذي كانوا يعيشونه. كما كان علي حريصًا جدًّا على لقاء المسلمين البوسنيين المثقّفين، المفكّرين، والفنّانين للحوار والنّقاش حول مواضيع تهمّهم كأقلية مسلمة في بلد تعصف به الشيوعية.

سنة 1970، نشر علي عزّت بيجوفيتش كتابًا سمّاه “البيان الإسلامي” بالتوازي مع “البيان الشيوعي” الذي كان شبه مقدّس آنذاك.

وقد رسم علي عزت بيجوفيتش في كتابه القواعد الأساسية لبناء مجتمع إسلامي معاصر، وبيّن خلاله كيفية بناء نُظم اقتصادية وسياسية تحترم التعاليم الإسلامية وتحقّق صحوة حقيقية للدولة والمجتمع من حيث تحقيق متطلّبات الحياة واللحاق بركب التطور الغربي، كما ركّز فيه على أهمية التربية والتعليم والعلم والصناعة والبحث العلمي لبلوغ الأهداف المسطّرة، فكان هذا الكتاب يشكّل عاملًا مهمًا من عوامل الصحوة بالنسبة لأي مجتمع إسلامي راكد، وكان يحمل أفكارًا ثورية ضدّ الأفكار الشيوعية.. يتحدّث عنه علي في مذكّراته قائلًا:

تدور الفكرة الأساسية في الكتيّب حول المبدأ القائل بأنّ الإسلام هو وحده الذي يستطيع إحياء القدرة الخلاّقة للشعوب المسلمة بحيث يمكّنهم من لعب دور فعّال إيجابي في صنع تاريخهم.. لقد طالب البيان بالعودة إلى الأصول والمنابع، وندّد بأنظمة الحكم القمعية، ودعا إلى المزيد من الإنفاق على التعليم.. وقد تلقّى الغرب “البيان” بشيء من التحفّظ، وأعتقد أنّهم لم يحتملوا وجود الإسلام في صميم الحل وصلب الموضوع.

في ثمانينات القرن الماضي، كانت الحكومة اليوغوسلافية قد عادت إلى إجراءاتها القمعية ضدّ أعداء الشيوعية، فاغتنمت فرصة نشر “البيان الإسلامي” للتنكيل بعلي عزّت بيجوفيتش ورفاقه، وأقامت ضدّهم محاكمة ستالينية تاريخية سنة 1983 في سراييفو، فكانت الكثير من التّهم والادّعاءات ملفّقة، والعقوبات أضخم من الانتهاكات، ووصلت مهزلة القضية إلى حدّ محاسبة المتّهمين على أسماء أبنائهم المرتبطة بالثقافة الإسلامية، وبذلك فقد أُدِين 13 من أحسن المثقّفين الإسلاميين في البوسنة بتهم التمرد والقيام بأعمال مضادّة، وانفرد علي عزت بيجوفيتش بتهمة “الدّعوة إلى نظام ديمقراطي” بدليل نشره لكتاب “البيان الإسلامي”، وحُكِم على الجميع بالسجن لفترات تتجاوز عشر سنوات، وبلغت فترة سجن علي 14 سنة، خُفِّفت إلى 12 سنة بعد التّظلّم، لكنّه لم يقضِ منها سوى ستّ سنوات فقد أُلغِيت العقوبة بعد تعثّر الحكم الشوعي في البوسنة والهرسك سنة 1988.

10 كُـتّـاب مُعاصرين يجب عليك متابعـة أعمـالهم

الرّئاسة

عندما خرج علي عزّت بيجوفيتش من السجن، كان قد انهار الاتحاد السوفييتي وأُدخِل نظام التعددية الحزبية في يوغوسلافيا، فأسّس علي سنة 1990 “حزب العمل الديمقراطي” الذي كان يمثّل البوشناق (أي مُسلمِي البوسنة والهرسك وباقي يوغوسلافيا)، فكان الحزب ذا صبغة إسلامية لكنّه لم يكن عدوًّا للمعتقدات الأخرى.

خاض علي عزّب بيجوفيتش الانتخابات في إطار هذا الحزب، وفاز بأكبر عدد من الأصوات، وسقط بذلك الحكم الشيوعي في جمهورية البوسنة والهرسك التي عُيِّن علي عزت فيجوفيتش رئيسًا لها في شهر نوفمبر من عام 1990.

ما زالت قصّة هذا الرّجل الفذّ مستمرّة، فتابعونا..

0

شاركنا رأيك حول "علي عزت بيجوفيتش في ذكرى وفاته.. قراءة في حياة الرئيس البوسني والمفكر الراحل – الجزء الأول"