مستقبل أرضي بامتياز.. لماذا قد يصبح السفر إلى الفضاء أمراً مستحيلاً في المستقبل؟

السفر الفضائي
1

عام 1997 أطلقت الولايات المتحدة القمر الصناعي Iridium 33 التابع لشركة الاتصالات التي تحمل نفس الاسم، وطوال 11 عاماً ونصف استمر القمر الصناعي بالعمل كما هو مطلوب، لكن في عام 2009 توقف القمر الصناعي عن العمل فجأة دون إنذار. ما حصل حينها هو أن قمراً صناعياً روسياً خارجاً عن الخدمة باسم Kosmos 2251 اصطدم به مما دمره بشكلٍ كاملٍ ونثر شظاياه في الفضاء وعلى الأرض كذلك.

ما حصل عام 2009 كان حدثاً نادراً نسبياً وغير متوقع، فتصادم قمرين صناعيين ببعضهما البعض أمر صعب الحدوث للغاية نتيجة الحجم الصغير للأقمار الصناعية والمساحة الشاسعة التي تدور ضمنها. لكن يوماً بعد يوم يبدو أن هذه الحوادث ستتزايد، ومع الوقت من الممكن أن تجعل السفر إلى الفضاء أو حتى اعتماد التقنيات الفضائية أمراً من الماضي.

هل سنكون على متن الرحلة القادمة؟ SpaceX تنجح في إطلاق أكبر وأقوى صاروخ نحو الفضاء

قمامة فضائية

عام 1957 أطلق الاتحاد السوفييتي القمر الصناعي Sputnik 1 كأول قمر صناعي يطلقه البشر حقاً، وطوال 3 أسابيع تالية أتم القمر الصناعي بضعة مئات من الدورات حول الأرض قبل أن تفرغ بطارياته ويبدأ مسيرة استغرقت شهرين ريثما تجذبه الأرض كفاية ليصل إلى مسار تصادمي معها ويتحطم.

في حينها كان هذا القمر الصناعي بداية ما يعرف اليوم بـ “سباق الفضاء” حيث حاول السوفييت والأمريكيون كل منهما إثبات تفوقه على الطرف الآخر، ومع أن السوفييت أثبتوا جدارتهم في البداية مع أول قمر صناعي وأول إنسان يصل إلى الفضاء، فقد كانت النتيجة النهائية لصالح الأمريكيين عندما وصلوا إلى القمر عام 1969 وهبط البشر هناك لأول مرة.

بالنظر إلى السباق الفضائي وفترة الاستكشافات تلك يسهل التشتت بالإنجازات المهمة، لكن إن نظرنا بشكل أقرب سنلاحظ أن هذه المهمات الفضائية كانت الأولى في مسيرة طالت بعدها لتتضمن الكثير من رمي القمامة في الفضاء، وعلى عكس القمامة الأرضية التي عادةً ما تجمع في مكبات للتخلص منها، فجمع القمامة الفضائية أمر صعب للغاية ولا يبدو ممكناً حتى.

وداعًا كاسيني: مركبة الفضاء الشهيرة تنهي رحلتها بعد 13 عامًا من العمل

من يرمي القمامة؟

عند التفكير بالقمامة والنفايات، فأول ما يخطر بالبال هو القمامة التي نتعامل معها يومياً وطوال الوقت، سواء كانت عبوات بلاستيكية أو أوراقاً متطايرة أو حتى بقايا الطعام وسواها. لكن هذه القمامة ليست الوحيدة في الواقع، فالمنتجات القديمة الخارجة عن الخدمة تعد قمامة مثل معظم الهواتف التي صدرت مطلع الألفية أو حتى السيارات والقطارات القديمة التي تركت لتصدأ بدلاً من إعادة تدويرها.

في الفضاء لا أحد يرمي أكياس الشيبس الفارغة أو المناديل الورقية المستعملة، لكن بالمقابل هناك الكثير والكثير من القمامة التقنية المصنوعة من الأشياء التي أرسلناها نحن إلى الفضاء، وعلى عكس الأرض حيث تدفن القمامة في الأرض أو أنها على الأقل تبقى ثابتة إن لم يحركها أحد، فالقمامة الفضائية قصة مختلفة تماماً، وكل نثرة صغيرة من المعدن أشبه برصاصة تدور حول الأرض.

لا يمكن تقدير كمية القمامة الفضائية التي قمنا بإرسالها إلى الفضاء حقاً، لكننا نعرف أنها موجودة وبكثرة، فمن بين أكثر من ثمانية آلاف قمر صناعي تم إطلاقه في التاريخ، فقط 5 آلاف لا تزال تعمل، بينما البقية تتوزع بين أقمار صناعية أنهت خدمتها وأُعيدت إلى الأرض لتتدمر أثناء عودتها، والأخطر ربما: أقمار صناعية محطمة أو خارج الخدمة إما تدور بنفسها دون غاية أو قابلية للتحكم، أو أنها قد تحطمت ونشرت مئات الكيلوغرامات من الشظايا في كل ناحية.

بالطبع فالأقمار الصناعية ليست الوحيدة الملامة هنا، بل أن هناك الكثير والكثير من بقايا محطات الفضاء القديمة المهجورة، أو أجزاء من صواريخ قادت مركبات فضائية مأهولة أو غير مأهولة، أو حتى بقايا أسلحة تمت تجربتها كنظام مضاد للأقمار الصناعية.

قصص وحكايات خيالية تبدو حقيقية.. عن الفضاء !

لماذا القمامة الفضائية مشكلة؟

الجواب هنا سهل لكنه قد يغيب عن أذهان الكثيرين، فنحن معتادون على القمامة بالشكل التقليدي، وبالنسبة لنا يبدو شيء صغير بحجم ثمرة تفاح مثلاً غير مهدد لشيء بحجم دراجة نارية أو سيارة ربما. لكن مقاييسنا المعتادة لا تفي بالغرض هنا، فنحن معتادون على القمامة الثابتة، لكن في الفضاء لا يوجد قمامة ثابتة، بل كل شيء متحرك وبسرعات تفوق تصورنا حتى.

في المثال الذي تناولناه في بداية المقال، تصادم القمران الصناعيان ببعضهما البعض بسرعة 42 ألف كيلومتر في الساعة، وبالطبع فقد كان تحطمهما مؤكداً، لكن إن كنت تريد تدمير الأشياء في الفضاء فأنت لا تحتاج قمراً صناعياً يزن قرابة طن كما Kosmos 2251، بل أن كتلة صغيرة فقط لا تتجاوز كيلوغراماً واحداً قادرة على تحطيم أو على الأقل الإضرار بشكلٍ كبير بأي شيء نفكر بإرساله إلى الفضاء.

لتقريب الأمر للفهم، فشيء صغير مثل حصاة تزن بضعة غرامات لا تحدث أي ضرر فعلي إن رميتها بيدك نحو جدار، لكن بالمقابل يمكن لرصاصة من نفس الوزن أن تحدث ضرراً كبيراً بالجدار أو حتى أن تخترقه، والفرق هنا هو السرعة، فكلما كان الشيء أسرع كلما استطاع إحداث ضرر أكبر عند صدمه.

في الواقع المقارنة برصاصة تعد غير عادلة حتى، فبينما يزن مقذوف بندقية كلاشينكوف الشهيرة 8 غرامات فقط ويسير بسرعة 2,570 كيلومتراً في الساعة، فالنفايات الفضائية من الممكن أن تزن بضعة كيلوغرامات أو حتى عشرات الكيلوغرامات، كما أنها تسير بسرعات أكبر بعشرات الأضعاف من رصاصة رشاش، وبالنظر إلى الضرر الذي تحدثه رصاصة كلاشينكوف بهيكل سيارة، تخيل مقدار الضرر الذي من الممكن أن ينتج عن مقذوف أثقل بمئة مرة وأسرع بعشرة مرات.

في الواقع حتى ولو كانت القمامة الفضائية أشبه برصاص طائش فقط، فهي تبقى خطرة للغاية نظراً لطبيعة الأشياء التي نرسلها إلى الفضاء أصلاً، فنحن لا نرسل سيارات مصفحة أو قطارات، بل نرسل أدوات حساسة للغاية يمكن أن تتخرب بفعل تأثيرات بسيطة، وحتى في حال لم تتدمر (وتصنع المزيد من القمامة الفضائية) قد يتم إخراجها من مسارها أو حتى تدويرها لبضعة درجات فقط، ومع أن هذا لا يبدو خطيراً بمعايير الأرض، فمعايير السماء مختلفة وبضعة درجات قد تعني تفويت الهدف ببضعة ملايين من الكيلومترات.

كتب شيقة لا غنى عنها لكل متخصص وغير متخصص فى علوم الفيزياء والفضاء

ربما سيصبح استكشاف الفضاء مستحيلاً

قبل بضعة أسابيع، أطلقت شركة SpaceX المعروفة مهمة جديدة تحمل معها 60 قمراً صناعياً دفعة واحدة، وإن كنت تعتقد أن هذا عدد كبير، فمن المخطط أن تطلق الشركة ما مجموعه قرابة 12 ألف قمر صناعي يدور حول الأرض بهدف تقديم تغطية شاملة وعالمية للإنترنت.

حالياً المجال حول الأرض مزدحم قليلاً فقط مع عدد الأقمار الصناعية الموجودة أصلاً، لكن هذا الازدحام يزداد كل شهر وكل عام، ومع الوقت سيجعل هذا الازدحام المدارات حول الأرض مناطق كارثية، حيث أن شظية كبيرة كفاية تستطيع تدمير قمر صناعي وتحويله إلى شظايا، وهذه الشظايا بدورها ستصدم أقماراً صناعيةً أخرى وتدمرها وهكذا بشكل متسلسل.

نظرياً على الأقل، من الممكن لحالة التشظي الشديد هذه أن تصل إلى مستوى متقدم يدمر أي شيء يخطر ببالنا إرساله إلى الفضاء أو يهدد بتدميره على الأقل. والمشكلة هنا لا تتوقف على الرحلات المأهولة إلى الكواكب الأخرى أو حتى الرحلات الاستكشافية، بل أن مشكلة القمامة الفضائية من الممكن أن تجعل الأقمار الصناعية نفسها أمراً غير ممكن، ومن دون أقمار صناعية سيكون للحياة شكل آخر تماماً.

اليوم بتنا نتعامل مع الأقمار الصناعية وكأنها أمر مسلم به، فالكثيرون يشاهدون التلفاز عبر أجهزة استقبال لإشارة من أقمار صناعية، كما أن خدمات تحديد الموقع وأنظمة التوجيه والملاحة الحديثة قائمة بالكامل على الأقمار الصناعية، وحتى أننا نعتمد هذه الأقمار الصناعية لأغراض تمتد حتى مراقبة تغيرات الطقس والتنبؤ به.

اليوم يواجه العالم تحديات كبرى تتعلق بالتغير المناخي ومشاكل القمامة على الكوكب، وبينما يحلم البعض بمستقبل يتضمن ترك البشر للأرض واستيطان كواكب أخرى بديلة، ففي حال لم نجد حلاً لقمامتنا الفضائية، لن نتمكن من الهروب من قمامتنا الأرضية.

لماذا تبدو ميكانيكا الكم غريبة 🤷‍♀️

1

شاركنا رأيك حول "مستقبل أرضي بامتياز.. لماذا قد يصبح السفر إلى الفضاء أمراً مستحيلاً في المستقبل؟"