عن الفيزياء النووية وفلسفة العلم.. أراجيك تحاور همام بيطار مؤسس ناسا بالعربي

ناسا بالعربي
0

في مبادرة لدعم المحتوى العربي القيّم، قررت القيام بسلسلة من المقابلات تهدف لاستضافة أشخاص أجدهم ذوي أثر إيجابي على المجتمع، بغض النظر عن نوع المحتوى الذي يقدمونه، سواء أكان علمياً أم ثقافياً أم اجتماعياً أو حتى فنياً. ببساطة شديدة وبعيداً عن الكثير من البهرجة، السؤال مني والجواب على الضيف.

منذ بداية العمل على هذه السلسلة جال في خاطري اسم ناسا بالعربي المبادرة التطوعية التي نشأت عام 2013 وعملت على ترجمة عدد كبير من المقالات العلمية التي تدور حول العلوم المختلفة كالطب والتكنولوجيا عامةً والفضاء والفيزياء الكونية بشكل خاص. في هذه الـ “Q&A” طرحت على مؤسس ناسا بالعربي همام بيطار مجموعة من الأسئلة المختلفة حول المبادرة وتأثير الديكتاتوريات على العلم والتعليم في بلادنا والمحتوى العربي على الإنترنت وتجاربه العلمية المختلفة.

أراجيك تحاور همام بيطار مؤسس ناسا بالعربي

كيف تفضل أن تعرف عن نفسك؟

اسمي همام بيطار، درست هندسة الطاقة النووية في جامعة حلب في سوريا، وأنا طالب دكتوراه حالياً في مجال فيزياء الاندماج النووي والبلازما في معهد جان لامور في فرنسا، وموضوع بحثي الآن هو دراسة بعض التأثيرات الميكروية على ظاهرة إعادة الاتصال المغناطيسي وآثارها في أجهزة الاندماج النووي (التوكاماك) وكذلك في بعض ظواهر الفيزياء الفلكية.

همام بيطار - مؤسس مبادرة ناسا بالعربي

كيف بدأت فكرة ناسا بالعربي؟ وهل تم التواصل بشكل مباشر مع وكالة الفضاء الأشهر؟

منذ فترة طويلة كنت من المدمنين على قراءة المقالات في موقع وكالة الفضاء الأمريكية ناسا، وبالطبع من المحبين جداً لعلم الفيزياء. اضطررت لمغادرة سوريا عام 2012 جراء بعض الأسباب، وأمضيت حوالي ثلاثة أعوام لاجئاً في لبنان قبل المجيء إلى فرنسا. قمت بإنشاء صفحة فيسبوك تحمل اسم ناسا بالعربي أثناء وجودي في لبنان لأنشر المقالات التي أقرؤها مترجمة على هذه الصفحة سعياً وراء نشر المعرفة والعلم في عالمنا العربي وأيضاً لملء وقتي ووقت الآخرين بشيء جميل ومفيد. بعد فترة قصيرة جداً ازداد عدد معجبي الصفحة بشكلٍ هائل، وانضم إلي كل من الصديقين طارق نصر من سوريا ومي الشاهد من مصر وبالتالي يُعتبران من المؤسسين القدماء لهذه المبادرة. بعد ذلك انضم الكثير من المتطوعين وازداد حجم العمل كثيراً. لذلك من المهم القول أن المبادرة هي في الحقيقة نتيجة لجهود العديد من المتطوعين على كل المستويات التأسيسية والعملية، وغيرها. والآن وبسبب الكثير من المشاغل المتعلقة بالبحث العلمي، اعتُبر أكثر الأعضاء كسلاً في هذه المبادرة.

كان هنالك تواصل مع بعض الأشخاص العاملين في الوكالة، ولم يكن التواصل سعياً وراء كسب اعتراف أو أي شيء، واسم المبادرة هو تجلي لمحبة هذه الوكالة لا أكثر، خصوصاً أنني لم أتوقع على الإطلاق انتشارها إلى هذا الحد أبداً. وعلى كل الأحوال تلقينا الشكر والتقدير من الكثير من المؤسسات المرموقة كـ AAAS، وKFAS.

ما رأيك بالسوشال الميديا مقارنة مع الميديا التقليدية؟ وهل أنت راضٍ عن المحتوى العربي -سواء المصور أو المقروء- على الإنترنت؟

هي وسيلة جيدة عندما يتعلق الأمر بجذب اهتمام الجمهور إلى شيء يفيده، لا كما هي الحال حالياً. برأيي الشخصي -ولست من المختصين أبداً- أن السوشيال ميديا أثرت على كل وسائل الميديا الأخرى، ولذا من الجيد استخدامها لزيادة توسع غيرها من الوسائل التقليدية كالمجلات ومواقع الإنترنت.

لسوء الحظ لا يزال المحتوى العربي ضعيف جداً. لكن خلال الأعوام القليلة الماضية بدأت الكثير من المؤسسات بإدراك أهمية ترجمة العلوم والمعرفة ملهمةً بتجارب العديد من المبادرات التطوعية، كمبادرتنا وغيرها. إلا أن النقطة السلبية الأساسية في هذا المجال هو غياب الأبحاث العلمية في عالمنا العربي وهذا مرتبط بكون دولنا مستهلكة وليست منتجة، والسبب كما هو واضح للجميع سياسي بامتياز: ديكتاتوريات هدفها البقاء بالسلطة، وبالتالي يجب تجهيل مجتمعاتها دوماً.

هل تتابع أي من المنصات العربية التي تقدم محتوى علمياً أو ثقافياً؟

كنت في السابق من المعجبين جداً بمشروع مترجم. الآن طبعاً اقرأ في الكثير من المنصات ومنها مجلة العلوم، وميدان، وأراجيك، وناسا بالعربي وغيرها.

هل تعتقد بوجوب جعل العلم مجانياً لكافة طالبيه؟ أم أن الجهد المبذول يستحق أن يقدر بثمن؟

أعتقد أنه من المهم جداً جعله مجانياً للجميع، لأن أفضل طرق تقدير الجهود هي جعل ثمارها متاحة للآخرين.

هل تعتقد أن فلسفة العلم ضرورة لفهمه؟

سؤال جميل جداً وأعتقد أنه بحاجة إلى مقال طويل جداً ولا يتسع الأمر هنا أبداً. إنّ فهم العلاقة بين العلم والفلسفة والأساطير مهم جداً لفهم العلم ووضعه في إطاره المعرفي السليم. يقول كارل بوبر: ” لا بد أن يبدأ العلم بالأسطورة، ونقدها”. إذاً العلم قديمٌ قدم الأسطورة، إذ يمكن اعتبار الأسطورة إحدى أولى المحاولات “العلمية” لفهم محيطنا، وهي فاشلة طبعاً وفقاً لتعريفنا الحالي للعلم. لكن وإن كانت هكذا وفقاً للتعريف القياسي للعلم حالياً، فإنها لم تكن كذلك وفقاً للمعنى الوضعي خلال المرحلة التاريخية لتلك الأسطورة. وهنا نحن بحاجة ماسة للفلسفة لإدراك وتوضيح تلك الاختلافات ومن ثمّ تأطير العلم بشكلٍ سليم ووضع حدوده، وهذا مجرد مثال بسيط على أهمية الفلسفة في تأطير العلوم وتعميق فهمها، لكنها قد لا تكون ضرورية لفهم العلوم التطبيقية والخدمية.

ماذا ينقص البنية التعليمية في المجتمعات العربية؟ وهل تعتقد بأن المشكلة تكمن في مجتمعاتنا أم يقع العاتق على من هم في مراكز السلطة؟

ينقصها كل شيء انطلاقاً من المدارس الابتدائية ووصولاً للجامعات. لا يتحمل المجتمع أي مسؤولية على الإطلاق. يمكنك تحميل المسؤولية للمجتمع الفرنسي إذا كان هو المقصود، لأنه يتمتع بجميع الحريات وهو مجتمع ديمقراطي، وإذا تقاعس عن تطوير العلوم ستلومه حينها. طبعاً لن يحصل ذلك أبداً لأن المجتمع الحر وبكل بساطة لديه نهم للمعرفة والعلوم.

إذاً، تتحمل السلطة والحكومات الديكتاتورية في عالمنا العربي المسؤولية كاملةً عن الفشل العلمي. وكما ذكرت مسبقاً هي مشغولة بتحطيم أي جهد معرفي في مجتمعاتنا كي تستمر في السلطة. عموماً قد يقول قائل هنالك بعض الاستثناءات، إذ نرى بعض الحكومات ترعى مؤسسات علمية ومبادرات. هذا لا يعدو كونه “بريستيجاً” وإذا ما اقتربت إحدى تلك المؤسسات من راعيها، سيصبح وحشاً حينها.

كيف تصف لنا قصة ترك بلدك سوريا ورحلة الهجرة إلى أوروبا؟

رحلة الهجرة إلى أوروبا مليئة بالعلم والمعرفة في جميع المجالات، كما أنها أتاحت لي الفرصة لرؤية الوضع من الخارج، وإدراك هول الفشل الذي يعاني منه مجتمعنا السوري جراء الاستبداد والفساد، وعدم وجود أي إحساس بالمسؤولية تجاه مواطني هذه الدولة. الإقامة في فرنسا مليئة بالفيزياء والرياضيات، والأجبان اللذيذة 😋.

ماذا تمثل لك الأم؟

البساطة والجمال والعمق.

هل تهتم بالتكنولوجيا؟

لا أبداً، إلا إذا كان قصدك المعالجات وكروت الشاشة فهي مهمة جداً في مجالي، مثلاً لتنفيذ المحاكاة التي صممناها لحل بعض المعادلات نستخدم 12288 معالجاً، أي أحتاج 3072 حاسوباً محمولاً من نفس نوع حاسوبي المحمول لإجراء المحاكاة. وكل محاكاة تستمر لأسبوعين باستخدام هذا العدد الهائل من المعالجات، حيث نجريها على حواسيب فائقة في فرنسا.

نهايةً، أخبرنا عن تجاربك العلمية، وهل توصلت للعمل مع المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية “سيرن”؟

ليس لدي أي تجربة في العمل معها أبداً. أنا طالب دكتوراه في معهد جان لامور وتمويل مشروع بحثي هو من منظمة الاتحاد الأوروبي لأبحاث الاندماج النووي، أي أن مجال بحثي لا يتصل كثيراً بسيرن إلا على صعيد الحلول العددية والتشابهات القائمة بين البلازما التي ندرسها والبلازما التي يدرسونها هنالك من حيث الجسم الرياضي للمعادلات وليس المركبات الفيزيائية لها. برنامج الماستر الذي اتبعناه تضمن دراسة العديد من المواضيع المتقدمة جداً في موقع بناء “إيتر” في فرنسا وهو جهاز اندماج نووي دولي قيد البناء حالياً، وربما من هنا جاء السؤال عن “سيرن” فعادة ما يعتقد الأشخاص أن إيتر جزء من سيرن. تجاربي العلمية هي مع مشروع إيتر، ولدي الآن تجربتان مستمرتان ضمن فرق علمية في مركز كولهام في جامعة أكسفورد في إطار حمل جهاز الاندماج JET، وبالطبع لدي تجربة أخرى مستمرة ضمن فرق علمية تدرس ظواهر الاضطراب داخل البلازما الشمسية، وهذا العمل مركزه مرصد “ارشيتري-غاليليو” في فلورنسا بإيطاليا. لا زلت طالب دكتوراه في مجال فيزياء الاندماج والبلازما، وأحتاج بعد للعديد من السنوات لتعميق معرفتي في هذا المجال الواسع جداً.

0

شاركنا رأيك حول "عن الفيزياء النووية وفلسفة العلم.. أراجيك تحاور همام بيطار مؤسس ناسا بالعربي"