دليلك لتأليف أولى رواياتك.. تطوير الشخصيات والحبكات – الجزء الخامس

دليل كتابة الرواية
0

سنكمل رحلتنا في دليل كتابة الرواية في جزئنا الخامس هذا مبتدئين من حيث توقفنا عند الخطوة الخامسة. بعد أن قمت بسرد الموجز الموسّع لروايتك وأصبحت قاب قوسين أو أدنى من إكمال نسج حبكة الرواية الأساسية. في هذا الجزء ينصب تركيزنا في خطوات الخارطة التالية على تطوّر الشخصيات وأهدافها المختلفة ودور ذلك في تقدّم مجريات الرواية. كما سنتطرّق إلى كيفية صبغ الرواية بالحبكات الخاصّة والحبكات الفرعية التي ستضفي نكهة مميّزة على الرواية.

كيف تبدأ بكتابة رواية – الجزء الأول

دليل خارطة الرواية، الخطوة السادسة: وضع الأهداف والطموحات، حلقة القرارات

في هذه الخطوة ستبدو مهارتك واضحةً جليّةً في صياغة حبكة متوازنة ومنطقيّة. سنعتمد في هذه الخطوة على خدعةً جديدة ستجذب انتباه القرّاء لا محالة إن أنت أحسنت توظيفها. مشاهد الرأس والذيل (وجهي العملة)، هل سمعت بها مسبقًا؟ حسنًا إنها أسلوب بسيط يعتمد على منطق “الحوادث والنتائج” للكاتب دوايت سواين.

أسلوب الرأس والذيل في الواقع بسيط، تمثّل فيه مشاهد الوجه الأول من العُملة، وهو الرأس، تلك المشاهد حيث يلعب فيها البطل دورًا أساسيًّا ويكون فيها في ذروة نشاطه، ينجز أعمالًا معيّنة ويقع في المتاعب ويتصادم مع الشخصيات ومجريات الأحداث بشكلٍ مباشر. قد تكون الأحداث التي يدخل في خضمّها بطل الرواية أكثر الأحداث إثارةً ولكن لا يمكن لبطلنا أن يسيطر على ساحة أحداث الرواية كلّها، وإلا فإن كل من البطل والقارئ سوف يُنهك، ولن يُلاحظ القارئ التطوّر الذي يحدث لبطل قصّتك.

لذلك فإننا سنلجأ إلى وصف الجانب الآخر من الأحداث في وجه العملة الآخر وهو الذيل لسرد الأحداث التي يغيب فيها بطلنا عن الساحة. والجدير بالذكر أنه لا بُدّ من الموازنة بين هذين الشِقّين للخروج بحبكة ممتعة تُبقي القارئ على أهبة الاستعداد. فمثلًا إذا قمت بسرد 80% من أحداث القصّة بمشاهد الرأس (مشاهد البطل) سوف تميل روايتك لتكون سريعة التقدّم وحماسيّة أكثر ولكن يغيب فيها تعلّق الكاتب بالبطل بسبب الظهور الدائم له في مجريات الأحداث. في حين لو قمت بجعل 80% من الأحداث وفق مشاهد الذيل (المشاهد التي يغيب فيها البطل) فستكون الرواية أبطأ وتيرةً وذات أحداث عميقة وتتطلّب التفكير والتخمين من القارئ كثيرًا.

في الواقع كلا المَنحيين السابقين ليس سيئًا ويمكن أن يشكّل قالبًا لرواية جيّدة، إلا أن الموازنة بينهما ستكون هدفنا الأساسيّ لأنّها ستُضفي طابعًا سلسًا دون غلوّ أو ميل لأحد الأسلوبين في روايتك.

وكقاعدة عامّة يجب أن تكون مشاهد الرأس سريعة خاطفة تحدث بشكل آنيّ بتفاصيل دقيقة يعيش معها القارئ لحظته. في حين بإمكانك تجاوز عنصر الوقت في مشاهد الذيل فتتخطّى ربما أسابيع أو أشهر أو حتى سنين ببضع عبارات أو صفحات.

دليلك لتأليف أولى رواياتك.. التعريف بخريطة الرواية وبعض النصائح – الجزء الثاني

تفصيل مشاهد الرأس

يمكن تجزئة مشاهد الرأس إلى ثلاث عناصر أساسية:

  • الهدف.
  • الصراع.
  • الكارثة.

في بداية مشاهد الرأس يجب أن يضع بطلك نُصب عينه هدفًا ما يسعى لتحقيقه. وبعد تحديده يجب أن يصل بطلك إلى هذا الهدف صحيح؟ خطأ، في الواقع هذا سيكون مملًّا ورتيبًا، فبطلك يجب أن يسعى لتحقيق الهدف ثم… فجأة… مشاكل ومواجهات.

وهنا يأتي دور العنصر الثاني وهو الصراع والمواجهات، فلا بد من وجود شخص أو جهة ما تقف في وجهه تحقيق بطلك لما يصبو إليه، هذا في الواقع سيثير حماس القارئ ويثير فضوله لمعرفة كيف سيتجاوز البطل هذه العقبات. وإذا ما قمت بحبك تلك العقبات بشكل جيّد فإن بطلك سينتهي به المطاف بـ ….كارثة!

الآن بطلنا ليس عاجزًا فقط عن تجاوز العقبات التي وقفت في طريقه وإنما آلت به الحال إلى وضعٍ أسوأ مما بدأ به طريقه. وبعد جرعة التشويق الكبيرة التي أعطيتها لقارئك يجب الآن أن تنتقل إلى مشهد ذيل تخفّف به تسارع وتيرة الأحداث.

تفاصيل مشاهد الذيل

يمكن تجزئة مشاهد الذيل إلى ثلاث عناصر أساسية:

  • رد الفعل.
  • المعضلة.
  • القرار.

أول خطوة الآن بعد مشهد رأس حماسي هي بناء رد فعل مناسب للشخصيات تجاه الكارثة التي وقعت. يجب أن تكون ردة الفعل عميقة وحقيقية ولا يجب أن تكون ظاهرية باردة. فهل الشخصيات الآن غاضبة؟ أم يائسة ربما؟

بعد أن رسمت مشاعر الشخصيات، يجب أن تنتقل بهذه الشخصيات إلى مرحلة العمل، فماذا عليهم القيام به بعد هذه الحادثة؟ يجب أن تصنع لهم خيارين على الأقل. ومثاليًّا يجب أن تكون الخيارات المُتاحة للشخصيات غير جيّدة أو غير يسيرة عمومًا؛ فوضعك لخيارات سهلة وواضحة ستضفي طابعًا مملًّا على الحبكة، وهذا حتمًا ما لا يريده القرّاء. فهم يريدون رؤية الشخصيات تنازع وتعاني، فالقرّاء يستمتعون بشعور القلق الذي يعتريهم تجاه شخصيّاتك مع تطوّر أحداث القصّة.

بعد جولة تقييم الخيارات يجب أن يستقر بطلك وأصدقاؤه على خيارٍ واحد، هو الأقل سوءًا ولكن يجب أن تطعّمه ببعض المخاطرة، حتى تجعل القارئ في حماسٍ مستمر.

والآن لدينا بعد هذه الخطّة هدف جديد، وهنا تعود مجدّدًا لحلقة القرارات مع إضفاء طابعٍ مميّز في كل حلقة حتى نهاية الرواية.

المشاهد التي لا تتضمن رؤوسًا أو ذيولًا

بالطبع قد تشعر في بعض مراحل كتابة الرواية أنّك بحاجة إلى رسم مشاهد لبطلك حيث يحتاج فيها إلى إنجاز مهمّة ما ترى من غير المناسب بناؤها وفق الأسس السابقة، لا عليك انطلق وضع ما تحتاجه من مشاهد وحوادث جانبيّة ولكن انتبه ولا تُكثر منها، وإلّا ستُلاحظ أنّك تفقد حبكة الرواية الأساسيّة التي وضعتها.

دليلك لتأليف أولى رواياتك.. فحوى وهيكلية الرواية – الجزء الثالث

خارطة دليل الرواية، الخطوة السابعة: تطوير الشخصيّة

دليل كتابة الرواية

عليك الآن بعد أن بنيت صُلب شخصيّاتك الرئيسية أن تغوص أكثر في تفاصيلها، وتستكشف دوافعها وبواطنها الخفيّة، ماذا يدفعها للمضي قدمًا في رحلة الرواية؟ وكيف يجب أن تغيّر هذه الشخصيّات أنفسها حتى تصل إلى هدفها الأخير؟ وهناك العديد والعديد من الصيغ والطرق التي يمكن من خلالها أن تترك أثرًا مميّزًا لشخصيّاتك في ذاكرة القارئ.

نخصُّ من جملة هذه النقاط ما يلي:

المفردات المفضلة

يجب أن تمنح شخصيّاتك بعض التميّز في مفرداتها، حاول أن تستعين بأجوبة الأسئلة التالية في ذلك: ما مدى تنوّع المفردات التي تستخدمها كل شخصيّة؟ هل لبعض الشخصيّات كلمات مفضلة تستخدمها بشكل متكرر؟ هل تستخدم شخصياتك الكلمات أو الجمل الطويلة أم القصيرة عمومًا؟ هل تميل شخصياتك إلى استخدام كلماتٍ أو تعابير معيّنة كنغمة أو لَكنةٍ مميّزة؟

الوضوح أم الالتفاف

هل الشخصيّة تميل إلى تحوير الموضوع والالتفاف حوله أم أنّها تخترق صلب الموضوع مباشرة وبشكل واضح؟ وهل أحد الخيارين السابقين ناجم عن عدم معرفة أو دراية بالأمر أم بعض الخجل أم أنّها عادةٌ سيّئة في تلك الشخصيّة؟

هل الحزم عنوان الشخصيات أم التبلّد والبرود

يجب عليك أن تختار صبغةً معيّنة لكل شخصيّة فيما يتعلّق بهذه النقطة فهي هامّة. فمثلًا عليك تحديد فيما إذا كانت شخصيّتك جامحة انفعالية، جسورةً في المواقف الصعبة والمواجهات، أم أنّها حذرة حريصة تميل إلى التردّد والتخطيط المتأنِّ.

حس الفكاهة

من المهم أيضًا منح كل شخصيّة درجة معيّنة من الفكاهة. فهل تتمتع الشخصية بروح فكاهة عالية وخفّة ظل واضحة؟ أم أنها حازمة وجدّية دائمًا؟ أم ربما مزيج من الاثنين؟

يمكنك أن تضيف إلى أيٍّ من شخصيّاتك الصفات والأفكار والمعتقدات وقد تتطرّق حتى إلى ماضي بعض شخصيّاتك في محاولة لترسيخ أفكارها وتبريرها كما تراه مناسبًا، كل ذلك سيسهم في ترك انطباع مميّز لكل شخصيّة في روايتك.

دليلك لتأليف أولى رواياتك.. الشخصيات والموجز – الجزء الرابع

خارطة دليل الرواية، الخطوة الثامنة: الأماكن

دليل كتابة الرواية

حان الآن وقت التركيز على الأماكن وإعطاء فُسحة جيّدة في وصفها وتفصيلها. يجب عليك أن تدرك أن الأماكن ليست مجرّد محيط جامد تتحرك فيه شخصيّاتك، بل يمثّل فرصة رائعة وسانحة لإضفاء بعض الأمور الهامّة مثل:

  • بناء سلوك معيّن أو توجّه جديد.
  • تطوير الشخصيّات.
  • بناء نقاط علّام لحبكات الرواية.

كيف لك أن تمنح الأماكن في روايتك بعض الحياة

حسنًا، مقدار التفاصيل التي يمكن لك أن تستفيض فيها في وصف الأماكن تعتمد بشكلٍ أساسي على وقتك وحتى القدرة الماديّة لك، كيف؟ حسنًا إذا ما أردت وصف مكان حقيقي موجود فينبغي لك التعمّق والبحث في تاريخه، إذا كانت روايتك تاريخيّة، وقد تضطر إلى السفر إلى ذلك المكان، إذا أردت نقل روايتك إلى مستوى رفيع، لتعاين بنفسك ذلك المكان وتذكر أدقّ تفاصيله بواقعيّة.

أما إذا ما كانت الأماكن في روايتك من نسج الخيال فهنا لمخيّلتك وفكرك الواسع الحظّ الأوفر والنصيب الأكبر في منح الحياة لتلك الأماكن. فعليك تخيّل أدقّ التفاصيل ابتداءً من الوقت واليوم والطقس ودرجات الحرارة وانتهاءً بالخرائط والتفاصيل الجغرافية للأمكنة بحدِّ ذاتها. كل ما قد يطرأ في مخيّلتك من صفات وتفاصيل مميّزة، حتى الغريبة منها والجديدة، فأطلق العنان لها في وصف تلك الأمكنة.

خارطة دليل الرواية، الخطوة التاسعة: صياغة حبكة عميقة

دليل كتابة الرواية

بعد أن وصلت روايتك إلى هذه المرحلة ستُلاحظ أنّك بدأت ترى بعض الثغرات في بعض مراحل الرواية لم تلحظها أثناء الصياغة الأولى، حان الآن وقت توظيف إبداعك المميّز في نسج بعض العناصر -دعنا نقل المختلفة- لروايتك وتفقّد مواطن الضعف في الحبكة وإضفاء بعض “الأوراق الفريدة” عليها. تعتمد هذه الخطوة بشكل أساسي على ابتكار حدثٍ ما ثم تجزئته وتوزيع عناصره في مختلف فصول الرواية، كلعبة تركيبية تمامًا.

في الواقع ليس هنالك خطوات ثابتة في مرحلة صياغة حبكة متطوّرة، فها هنا تلعب مخيّلتك دورها، وإليك بعض النصائح التي بإمكانك أن تأخذ بها وتوظّفها لنسج حبكة عميقة تشغل تفكير القارئ وتُعمل عقله بها:

الأدوات

تلعب الأدوات المتنوّعة دورًا هامًّا في مراحل لرواية المختلفة، إلّا أن تخصيص أدوات مميّزة كقلادة ما أو كتاب سحري أو حتى كنز عجيب ثم توزيع ظهورها في نقاط معيّنة ضمن الحبكة الروائية الخاصّة بك، وتلميح القارئ إلى بعض المعلومات في كل مرّة، كلُّ ذلك سيساعد في تأجيج فضول القارئ لمعرفة أكثر عن تلك الأدوات الغامضة.

الدلائل

تُعتبر الدلائل من الأمور الحسّاسة لا سيّما إذا ما عزمت على تأليف رواية بوليسية أو رواية غامضة، عندها لا بُدّ من دراسة الأدّلة التي ستستعرضها لقرّائك بشكل جيّد وتحرص على ترتيبها بشكل منطقي دون أن تفوّت أو تترك ثغرةً في قضيّتك تلك. بإمكانك تجميع أدّلتك في خندق واحد ثم تقوم بتوزيعها في فصول روايتك كعُقدٍ متباعدة في خيط قضيّة الرواية، بحيث تجعل القارئ على أهبة الاستعداد دائمًا لتتبع تلك العقد ليصل إلى نهاية خيط القضيّة.

الحوادث الجانبية

إذا أردّت وقعًا مشوّقًا لروايتك، عليك بذكر بعض الحوادث الفرعية التي تبدو للقارئ من الوهلة الأولى غير ذات أهميّة، لتظهر بعد ذلك شيئًا فشيئًا خلال مراحل الرواية أنّها مفتاح الحل ورأس الأمر كلّه. يُعتبر هذا أسلوبًا جيّدًا لقذف بعض الحماس والتشويق لدى القرّاء.

خارطة دليل الرواية، الخطوة العاشرة: وجهات نظر الشخصيّة

دليل كتابة الرواية

تعتبر هذه الخطوة ممتعة ومسليّة في آنٍ معًا، في هذه الخطوة ستغوص عميقًا في فكر كل شخصيّة من شخصيّاتك وتصنع موجزًا بسيطًا يواكب تلك الأفكار. بمعنى آخر عليك بحبك بعض الأحداث التي تنبع من وجهة نظر الشخصيّة/الشخصيّات الرئيسية بحد ذاتها. وهذا الخطوة تتطّلب منك إطلاق مخيّلتك والتفكير من منطلق الشخصيّات التي قمت بابتكارها.

إذا ما كانت الرواية بحدّ ذاتها مبنيّةً على أساس وجهة نظر بطل الرواية فلا داعي للتفكير بهذه الخطوة، فسرد أحداث الرواية سيطبع هذه الخطوة بشكل طبيعي.

عليك التعمّق جيّدًا في شخصيّاتك وكتابة المحادثات وكأنّهم يتكلمون حقًّا، التفكير كما يفكرون حقًّا وملاحظة الأشياء التي قد يلاحظونها، عليك العيش تمامًا مع نتاج مخيّلتك.

ومن التقنيات التي قد تساعدك على ذلك، هي تخيّل شخصيّتك وهي جالسة في منتصف غرفة استجواب حيث يتم سؤالها عن وصف ما حدث. وهناك جانب هام لا يجب أن تغفل عنه وهو ما يُعرف باستمرارية حياة الشخصيّة، بمعنى أنّه في خضمّ الأحداث التي لا تلعب شخصيّة معيّنة دورًا فيها فإن هذه الشخصيّة بحد ذاتها لا يجب أن تقف دون حراك وكأن الزمن توقف عندها وتنتظر وصول سلسلة الأحداث إليها، بل يجب عليك أن تصرفها إلى عملٍ ما بحيث يترك هذا العمل أثرًا او انطباعًا قد يغيّر مجرى القصّة.

مثلًا عند توجّه بطلك إلى منزل أحد الأصدقاء، من المفيد أن تضع في الحسبان الأمر الذي كان يشغل هذا الصديق قبل وصول البطل إليه، كأن يكون في شجار مع زوجته أو عائلته مثلًا أو أنه تلقّى خبرًا سارًا، كيف ستؤثّر هذه المستجدّات غير الآنية للشخصيّة على رد فعلها تجاه قدوم بطلك؟ أترى كيف ساعدنا ذلك على الخروج بأحداث وتفاصيل جديدة؟

دليلك لتأليف أولى رواياتك.. قالب الرواية والمسودة الأولى والنهائية – الجزء السادس

0

شاركنا رأيك حول "دليلك لتأليف أولى رواياتك.. تطوير الشخصيات والحبكات – الجزء الخامس"