الصوابية السياسية
2

تُعرّف الصوابية السياسية وفقاً للموسوعة البريطانية للمعرفة، بأنّها مُصطلح يشير إلى استخدام لغة مُنمّقة في الكلام، بحيث يتم إبداء أقل قدر ممكن مِن الإهانة والتحيّز. خصوصاً عندما يتم وصف جماعات مِن الناس بناءً على عوامل خارجة عن إرادتهم كالعرق، الجنس، ثقافة المنشأ، والميول الجنسية.

تعرّض مفهوم الصوابية للنقاش والنقد، وتنازعت عليه مُختلف الأطياف السياسية على اختلاف توجهاتها، إذ غالباً ما يتم استخدام هذه المصطلح بنبرة ساخرة، خصوصاً فكرة أن استخدام لغة بديلة أو غير مؤذية، بإمكانها أن تغير قناعات العامة، واعتقاداتهم، أو أن تأثّر على النتائج.

تطوّر مفهوم الصوابية السياسية

أوّل ظهور للمصطلح كان كمرادفة ماركسية-لينينية عقب حدوث الثورة البلشفية عام 1917. إذ كان يشير إلى الالتزام بمبادئ الثورة الروسية وسياسات الحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي. في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، استُخدم المصطلح مِن قبل الساسة الليبراليين للإشارة إلى بعض المسائل المتشددة المُتبناة مِن قبل التيار اليساري، خصوصاً ما كان يُقال أنّه التركيز على الهيكل الخارجي بدلاً مِن المضمون الفعلي.

في بداية التسعينيات، تداول المصطلح من قبل المحافظين لمساءلة ومعارضة المناهج الدراسية في الجامعات ذات التوجه الليبرالي اليساري في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد أفلَ بعدها المصطلح تدريجياً حتى نهاية التسعينيات، إذ اقتصر استخدامه على العروض الكوميدية وبعض البرامج السياسية الساخرة من قبل الأطياف اليسارية، للسخرية من التوجهات العامة لدى الأحزاب المحافظة.

لغوياً، التطبيقات العملية لمصطلح الصوابية السياسية تعود في جذورها الأصلية إلى الرغبة في القضاء على إقصاء الجماعة والتحيز ضدها بناءً على استخدام اللغة؛ فوفقاً لفرضية النسبية اللغوية، فإنّ فهمنا للواقع يتحدد مِن خلال معالجتنا للأفكار التي تتأثر بواسطة اللغة التي نستخدمها. وضمن هذا الإطار، تكون اللغة هي ما يحدد واقعنا وما نفهمه منه وما نبديه من ردات فعل تجاهه أيضاً؛ فاللغة تكشف عن انحيازاتنا وتقوم بتعزيزها. لذلك وفقاً للفرضية السابقة، فإن استخدام لغة متحيزة جنسياً يساهم في زيادة التحيّز الجنسي، واستخدام لغة عنصرية يساعد في تحفيز العنصرية.

الصوابية السياسية

ويرى مناوئو استخدام مصطلح الصوابية السياسية على أنّه تقليص وحدّ من حرية التعبير في المناظرات والسجالات التي تحدث في الأوساط العامة، ويؤكدون على أنّ وضع مثل هكذا ضوابط على اللغة يساهم بشكلٍ واضح في تحقيق هاجس الرقابة الذاتية وتقيد السلوك وحصره، إذ أن مؤيدي مصطلح الصوابية هم في الحقيقية يتحدثون عن اهانات وتحيزات غير موجودة بالأصل.

بينما يتجه الآخرين للقول أنّ الصوابية السياسية مفهوم مُحق سياسياً، ويتم استخدامه للحد من شرعنة وتبرير خطابات الكراهية والإقصاء.

وعلى كل حال، يبدو أن النقاشات الحاصلة لفهم هذا المصطلح تدور جميعها في مجال اللغة والتسميات، وهو أمر مقبول في كلتا الحالتين.

محاسن ومساوئ الصوابية السياسية

بالنسبة للجانب الإيجابي، فإن معظم المدافعين عنها يقولون أن تعاملنا مع الآخرين يتأثر بشكل كبير بنوعية اللغة المُستخدمة في وصفهم. لذلك وجب استخدام مُصطلحات أكثر عناية، فاللغة الضارة تساهم في تعزيز التحيزات المُسبقة السلبية للجماعات المختلفة. فضمن هذه الإطار، يمكّننا الاستخدام الصارم للغة المنمقة المحترمة في منع إقصاء أي جماعات بناءً على تفضيلات اجتماعية أو عرقية أو جنسية.

أما بالنسبة للمساوئ التي يذكرها المناهضون للصوابية، فيتربع في رأس قائمتها الحد مِن حرية التعبير وتقييد المناظرات والسجالات الهامة في قضايا على تماس مع الوسط الاجتماعي للكل. ويذهبون أبعد من ذلك باتهامهم للمدافعين عن هذا النمط اللين من الثقافات بأنهم باتوا يخلقون لغة أشد عدائيةً من اللغة التي يحاولون نقدها، بينما يرد على هذا الادعاء المؤيدون للفكرة بأن الاستخدام المفرط لهكذا مصطلحات ما هو إلا للتشديد على أهمية توقيف خطابات الكراهية والتمييز العنصري.

يُشير مناهضو الصوابية أيضاً إلى إحصاء معهد بيو الذي أُجري في عام 2016 والذي أظهر أنّ 59% من الشعب الأمريكي يرون أن الكثير من الناس باتوا يُهانون بسهولة بسبب استخدام اللغة السيئة. ووفقاً لبيو، فإن معظم الناس يتحاشون استخدام لغة مسيئة ومهينة للآخرين، بينما الحركات ذات التوجه الصوابي أصبحت تحمّل اللغة فوق طاقتها لخلق حالة إرباك ووهم إهانة قد لا يكون موجوداً.

أخيراً، يضيف المعارضين للصوابية أن إخبار الناس أنّه من الخاطئ التعبير اجتماعياً عن آراء ومعتقدات غير مقبولة، لن يساهم بذهاب هذه الآراء والمعتقدات في الأصل؛ بمعنى أنه عندما يُطلق لقب «لا يمتلك منزلاً، مؤقتاً» بدل مِن لقب «مشرد» لن يساهم في حل مشكلة الفقر وإيجاد فرص عمل ومسكن له، أي أن اللغة هنا لم تساعد بتغيير النتائج.

بمعنى أنه قد تنجح الصوابية في جعل بعض الناس يبلعون كلماتهم غير المنمقة بناءً على استجابات اجتماعية، لكن ذلك لن ينهي الدوافع والمعتقدات التي يملكونها والتي حثتهم على نطق ذلك، ولربما سيختزنون هذه المصطلحات في داخلهم حتى تختمر أكثر وتصبح أكثر سماً وفتكاً و”لا صوابيةً سياسيةً“.

دراسة علمية: أهمية اللاصوابية السياسية

وجد الباحثون في جامعة كاليفورنيا أن استبدال كلمة مُنمقة صائبة سياسياً مع كلمة أخرى قاسية غير صائبة، على سبيل المثال كلمة اللاجئين «غير الشرعيين» واللاجئين «غير الموثوقين» يجعل من الناس يرون في المتحدث شخصاً أكثر صدقاً وأقل عرضة لأن يتطفل على الآخرين.

إذ تقول الأستاذة الباحثة «جوليانا شرويدير» أنّ تكلفة استخدام مصطلحات غير مُنمقة سياسياً يجعل من المتكلم يبدو أقل دفئاً وتخطيطاً لكنه يكسب كونه حقيقياً صادقاً، وذلك بعد إجراء ما يقرب من 9 تجارب على 5000 متطوع، نشرت نتائجها في المجلة الشخصية للعلوم الاجتماعية وأضافت بالقول أنّ الناس عندها قد يترددون في تأييد القادة الأكثر صواباً سياسياً لأنهم يرون فيهم أكثر التصاقاً بالتوجهات التي يملكونها، والتي قد تظهرهم في بعض الأحيان غير حقيقين أو مُدّعين.

وعلى الرغم من أن الدفاع عن هذا المفهوم مرتبط بالليبراليين وأن نقده مرتبط بالمحافظين، فقد وجدت الباحثة أنه لا ارتباط بين حقيقية المفهوم وبين التوجه، وأن كلا الطرفين متساويين في مستوى الإهانة باللغة غير المنمقة. فهناك مرادفات غير صائبة تستخدم لإهانات المحافظين أيضاً من نمط «أنجيلي» أو «أبيض معتوه».

ويضيف «بيركلي هاس» أحد الباحثين المساهمين في الدراسة أنّ «عدم الصوابية السياسية» يمارس مع الجماعات التي يشعر تجاهها الليبراليون بالشفقة، كالميولات الجنسية المختلفة، والمهاجرين. فينظرون إلى تلك التعاملات بسلبية، بينما المحافظين يرونها بصدق كما هي.

ويقول أيضاً أنهم قد وجدوا أنّ العكس صحيح أيضاً، فعندما تُمارس لغة مسيئة ضد جماعات يرى المحافظين تعاطفاً معها، يكون الليبراليون هنا هم الصادقون الحقيقيون.

سأل الباحثون المشاركون مِن مختلف التوجهات العقائدية للحديث عن مفهومهم وكيف يعرّفون الصوابية السياسية، التعريف الذي ظهر كان أنها استخدام لغة أو سلوك يكون حساساً لمشاعر الآخرين. خصوصاً الآخرين الذين قد يكونون أدنى في شيء ما. ومن أجل دراسة الظاهرة على مختلف الطيف السياسي، تم التركيز على عناوين معينة، مثلاً المهاجرين غير الشرعيين، ولافتات من نمط المهاجرين يدمرون أمريكا وما إلى هنالك.

الأمر الذي سمح بقياس ردة فعل المشاركين عند تغير كلمات معينة أو عبارة لها علاقة بتحديد الهوية وما شابه، وقد وجدوا أن معظم الناس سواءً كانوا ليبراليين أو محافظين، يرون البيانات والأوصاف غير الأنيقة سياسياً على أنها أكثر دقة ومصداقية. وقيل أنّه بالإمكان أيضاً توقّع بقية آراء ومعتقدات القادة غير المنمقين سياسياً.

الصوابية السياسية

ومن خلال التجربة في نفس البحث، وجد الباحثون أن استخدام لغة لينة سياسياً يُعطي وهماً بأن المتكلم يمكن أن يتم خداعه وأن يتأثر بسهولة. إذ تم سؤال 500 زوج من الناس قبل التجربة عن بعض المواضيع والمناظرات التي خاضوها أونلاين واختلفوا بشأنها: كتمويل بناء الكنائس للناس الأفارقة (تم اختيار هذا الموضوع تحديداً لأنه له نسبة 50 / 50 من المؤيدين والمعارضين، فالانقسام فيه حاد. كما أنه لا يوجد اختلافات كبرى لدى كل من معارضيه ومؤيديه، ولكونه قد شاركت فيه أقليات من عدة أديان ومعتقدات). وقبل بداية المناظرات في هذه الموضوع، تم توجيه كل فرد من الأزواج الـ 500 لاستخدام لغة صائبة أو غير صائبة سياسية في إيضاح وجهة نظره للآخر.

بعد هذا، اعتقد الناس أنهم قاموا بإقناع أكثر دقة وأفضل للأفراد الذين كانوا يستخدمون لغة منمقة سياسياً في حين غير الصائبين كانوا أصعب للإقناع والتأثر. بينما المشاركين أنفسهم كانوا يرون أن فرصة الإقناع كانت متساوية في كلا الطرفين، سواء بصوابية أو بدونها. وقال أحد الباحثين أن هناك تصور مسبق في أن من يتكلمون بصوابية هم أكثر قدرة على الإقناع، لكن النتيجة لم تكن بصالح ذلك.

خلاصة الأمر، أن القادة العنيفين في كلامهم يجعلهم ذلك أكثر شعبيةً في بعض المواقف، خصوصاً فيما يتعلق بموضوع الصراحة والأصالة. كما وجدت الدراسة أن اللغة غير المنمقة سياسياً تعطي انطباعاً بارداً عن صاحبها، وأنه غير متحمس للحوار أو الجدل أو تغيير قناعات أحد، مما يعطيه مظهر المقتنع بأفكاره، عكس ما يفعل المتحمسون للطرف الآخر.

2

شاركنا رأيك حول "ما هي الصوابية السياسية؟ أشياء لم يعد من الكياسة قولها"