كوجيكي
0

وصلت الكتب التراثيَّة القديمة لدى بعض الشعوب إلى مصافِّ القداسة، وباتَ أغلبها مرجعاً دينياً واجتماعيّاً وحياتيَّاً أيضاً، وتندرج أغلب تلك الكتب ضمن إطار ما يمكن تسميته: “أدب الحياة والنشوء”، هذا الأدب الذي يقدِّم تفسيراتٍ أسطوريَّة لتكوّن الشعوب وتكوّن البلاد، كما ويقدِّم فكرةً شاملةً عن عديد الاعتقادات والأمور الدنيويَّة والدينيَّة على حدٍّ سواء.

سنتحدّث في مقالتنا هذه عن كتابٍ يابانيّ يدعى الـ كوجيكي، والذي يُنظَر إليه على إنَّه مقدَّس حتَّى يومنا الرَّاهن، ونستعرض لكم أبرز ما ورد فيه.

اليابان على موعد مع عهد جديد: ماذا تعرف عن أقدم عائلة مالكة في هذا العصر؟

كوجيكي

تاريخ الكتاب

اعتُبِر الـ”كوجيكي” أو ما يتمّ ترجمته حرفياً عن اللغة اليابانيَّة القديمة بما يفيد معنى: “وقائع الأشياء القديمة” أو “الآثار القديمة”، الكتابَ المقدَّس لدى الشعب الياباني، وخاصَّةً لدى أتباع الديانة الشنتويَّة، ودوِّن وفقاً للمعلومات التاريخية خلال العام 680 قبل الميلاد، وهي ذات الفترة التي يعتقَد فيها ظهور النظام الإمبراطوري وتوحيد الأرخبيلات اليابانيَّة، حيث تمّ تقديم الكتاب إلى الإمبراطور الياباني آنذاك من قبل “أونو ياسومارو”.

يحتوي الكتاب على مجموعة ضخمة من الأساطير والشعر المحكيّ والمرويّ والحكايات العجيبة والسحريَّة وصراع الآلهة القديمة على الأرخبيلات اليابانيَّة بعد تكوّنها، إلى درجة الوصول إلى الاعتقاد السائد بأنّ كل الأرخبيلات اليابانيَّة عبارة عن آلهة تجلّت وتجسّدت في شكل جزرٍ وأرخبيلات، بالإضافة إلى سرد تاريخ النشوء والتكوّن الياباني، والتي تمتاز بمدلولات مختلفة. كما ويعتبر هذا الكتاب من إحدى المكوّنات الهامَّة في ثقافة الإنسان الياباني حتَّى يومنا هذا، وتتأتَّى هذه الأهميَّة من الاعتقاد بأنّ هذا الكتاب دوِّن من قبل الآلهة، وإنَّه ليس كتاباً بشريَّاً.

كوجيكي

كبعدٍ تاريخيّ، يعتبر الـ كوجيكي أثراً تاريخياً يسرُد من وجهة نظر مؤرّخيه حكاية تشكّل الإمبراطوريَّة اليابانيَّة، ومحاولة إخراج الشعب الياباني من نير الصراعات والوصول به إلى شكلٍ ثابت، وهو الشكل القديم الذي تطوَّر فيما بعد، أمَّا كبعدٍ أسطوريٍّ-ملحميّ، فالكتاب يضجُّ بالعديد من أسماء الآلهة التي تصارعت آنذاك، ولعلّ القصة الأسطوريَّة الأكثر تأثيراً ضمن هذا الكتاب هي الانبثاق من العدم، ومن ثمّ تطور الصراع بين الآلهة آنذاك. يقول المترجم الدكتور محمد عضيمة في مقدّمة ترجمته العربيَّة للـ الكوجيكي 2005:

“منذ عودة الإمبراطور سنة 1867 إلى العرش، بصفته إلهاً، وإلى ما بُعيد الحرب، كانت حكايات الـ كوجيكي ذات الدلالة الخاصَّة، داخل مناهج التدريس ما قبل الجامعي، ولا سيما الحكايات والقصص ذات الطابع التعليمي، حيث يكون الأمر متعلِّقاً بالإمبراطور، أو بإحدى الشخصيَّات القويَّة القريبة من الإمبراطور”.

يقسَم الكتاب إلى أجزاءٍ ثلاثة، حيث الجزءُ الأوَّل منه مُكرَسٌ للخلق وقصصه المتعددة وعلى اختلاف أساطيرها المُتداولة ومن ثمّ المُدوَّنة آنذاك، كما ويسرد طريقة ولادة الجُزُر التي شكّلت الأرخبيل اليابانيّ ونزول الآلهة الذين هم أجداد العائلة الإمبراطورية إلى الأرض، فيما يرتكز الجزء الثاني منه على سرد تاريخ الإمبراطور “جيم” امتداداً إلى عهد الإمبراطور: “أوجين”، الأخير الذي شهد عصره دخول الكونفوشيوسيَّة إلى الأرض اليابانيَّة، ومن ثمّ دخول اليابان إلى عمق مرحلة تطوّر وتغيير هامَّة على مختلف الصُعُد، أمّا الجزء الثالث فيشمل عصر المؤلِّف، أي العام الذي دوِّن فيه الكتاب.

إذن ينطوي الكوجيكي على قصص وحكايات، يمكن النظر إليها في مجملها على أنَّها حكمٌ ومواعظ، لكن في شكلٍ سرديّ وضاجّ بالتواريخ والأحداث وأسماء الآلهة والصراعات القائمة بينها، كما ويمكن النظر إليه على إنّه سفر التكوين بالنسبة للإمبراطوريَّة اليابانيَّة وللشعب الياباني على وجه التحديد.

الحاجة إلى تدوين الكتاب

يشير المُترجِم والباحث محمد عضيمة في مقدمة نسخته العربيَّة للـ كوجيكي إلى أن أسباب الحاجة لظهور هذا الكتاب كانت متمحورة حول محاولة:

“تثبيت الأصل الإلهي الممجَّد للعائلة الإمبراطوريَّة”.

الأمر الذي دفع بالعديد من الأباطرة اليابانيين الذين أتوا تباعاً إلى تغيير بعض القصص تماشياً مع روح عصر أولئك الأباطرة الذين يتوالون تباعاً، ما أدّى إلى ظهور كتب أخرى غير الـ كوجيكي، والتي يُشاع عنها أنّها دوِّنت بناءً على أوامر الأباطرة اللاحقين واتهامهم الـ كوجيكي بنقص تأريخ بعض الأحداث، ومن تلك الكتب على سبيل المثال: “نيهون شوكي” الذي يتألف من 30 جزءاً، ويعتبر تاريخيَّاً مكملاً لما ورد في نصوص الـ كوجيكي، كما يدوّن المترجم استناداً لأبحاثٍ تاريخيَّة حول الـ كوجيكي.

يُذكر أنّ الكتاب توجد له عشرات الشروحات التي قام بها مؤلِّفون ومؤرِّخون يابانيَّون، بغية فكّ ألغاز الأساطير ومطابقتها مع الواقع الاجتماعي والديني، ولعلّ أبرز الشرّاح لهذا الكتاب هو “أرائي هكسيكي” 1725 الذي تعامل مع نصوص الـ كوجيكي على إنّها نصوص حقيقيَّة منكراً أيَّ فنتازيَّة أو خيال ينطوي في عقول البدائيين الذين دوَّنوا الكتاب، مفسِّراً كل ما وردَ بطريقةٍ أكثر عقلانيَّة وأقرب للواقع.

 في اليابان: كيت كات ليست مجرد شوكولاته!

كوجيكي

أهميَّة الكوجيكي التاريخيَّة

اعتُبِر الـ كوجيكي أرشفةً كاملة لسنواتٍ من الصراعات، لكن بطريقةٍ أقربَ إلى الأدب منها إلى لغة التاريخ الصَّلبة والمعقَّدة، على الرغم من أنّ صفحات الكتاب تحوي أسماء عدَّة للآلهة، كما أنّه يضجّ بالعديد من الميزات التي تجعل منه مدخلاً إلى فهم العالَم الياباني الغامض وشخصيَّة الإنسان اليابانيّ الأشدّ غموضاً، أو على الأقلّ غير المفهوم بالنسبة للشعوب المختلفة، ففي الـ كوجيكي سنرى لأول مرة بحثاً تاريخيَّاً يتناول اليابان من الناحية التأريخيَّة التي لم يسبق إليها أيّ كتابٍ آخر أو سردٍ تاريخيِ مدوَّن، كما وأنّنا سنعثر على قصصٍ ومواعظ وحِكَمٍ تمتلك مدلولاتٍ اجتماعيَّة قيميَّة ودينيَّة واقتصاديَّة وسلطويَّة، ناهيكَ عن أنّ الأساطير أو الميثولوجيا الواردة في مجمل الكتاب تكشف عن الشخصيَّة اليابانيَّة وتكوِّنها، وإيمانها الدائم بأهميَّة الخصوبة والتوالد كمعنىً لاستمرار الحياة، بالإضافة إلى أنَّ الكتاب يساهم في فهم التاريخ الياباني برمّته، ورغبة الياباني الدائمة في أن يكون المتفوِّق الوحيد في العالم.

لعلّ الاقتباس المُدرَج أدناه من الكتاب يلخّص الأهميَّة القصوى للـ كوجيكي في التاريخ الياباني:

“الـ كوجيكي كتاب خصب جدَّاً وبلا حدود على الصعيد الميثولوجي. يرى الميثولوجي “ماتسوموتو نوبوهيرو” أنّ المشهد الذي تخرج أثناءه الإلهة الكبيرة المهيبة “أماتيراس” من الكهف السّماوي، يكشف لنا عن التقاليد المتنوّعة التي تتبعها قبيلة ما اعتادت إقامة طقوس أمام الإلهة الشمس لإعادة الضوء، ومن جديد لإعادة نبع الحياة والخصب خلال أيام الخريف حيث تكون قوة الشمس متدنيَّة، وتكون الخضرة قد اختفت من على الأرض كذلك، فإن المشهد الذي يقوم أثناءه جلالة الذكر القوي السريع العنيف “هاياسُسانو” بقتل الإلهة أميرة القوت، ثمّ ومن جميع أجزاء جثة هذه الإلهة تولد دودة القزّ والحبوب، يكشف لنا عن الطقوس الزراعيَّة البدائيَّة التي كانت ترتكز على الصلاة من أجل خصوبة النباتات وذلك بإهراق دمٍ إنسانيّ أو حيوانيّ”.

0

شاركنا رأيك حول "كوجيكي.. كتاب اليابان المقدس"