دارون
0

إلهام محمد

ما إن يذكر اسم دارون حتى يبدأ الجدال حول نظرية دارون عن التطور، البعض يؤيدها ويرفضها البعض الآخر، من يرفضها لا يعرف مضمونها، كل ما يعرفه هو تصنيفه للإنسان على أن أصله قرد رغم أن هذه الفكرة طرحها على استحياء دون التوغل فيها، فلا يوجد أي دعوى في كتاب أصل الأنواع لدارون باليقين المطلق على أننا نحن البشر نتشارك مع القردة في أحد الأسلاف! وحتى الكثير ممن يؤيدون نظرية دارون عن التطور يرفضون استيعاب التداعيات الكاملة لما كتبه، فأكبر أفكار دارون هي ما يطلق عليها الانتخاب الطبيعي والتي عدّها الآلية الرئيسية للتغير التطوري ومعيار التقييم الوحيدان لها هما النجاح في البقاء والنجاح في التكاثر.

لكن ليس حديثنا هنا علمي فحسب بل أدبي-علمي، يدور حول تشارلز دارون الإنسان والابن والأب والزوج والعالم أيضًا، وكشف ما مرّ به لتشكيل عقليته والتوصل لنظريته من تجارب وأبحاث و قراءات وتأملات وملاحظات، فقد كشف ديفيد كوامن وهو صحفي علمي في كتابه “دارون مترددًا” عن كل جوانب حياة دارون، والذي كتبه بعد بحثٍ دام طويلًا لينتج هذا الكتاب بمثابة سيرة ذاتية لدارون، والتي يقول عنها “كيفين باديان” أستاذ البيولوجيا التكاملية وأمين متحف علم الحفريات بجامعة كاليفورنيا:

“ليست هذه السيرة تكرارًا لما هو معروف، بل هي نظرة جديدة أصلية لأحد أعظم علماء التاريخ كتبها أحد أفضل الكتاب العلميين، ينبغي أن يبدأ دارسو التطور والعلوم إجمالًا بهذه الدراسة عن دارون”

دارون

سؤال وجواب: ردًا على أبرز تعليقاتكم عن نظرية التطور

دارون مصدر عار لنفسه ولعائلته

وُلد دارون عام 1809 وخلال فترة شبابه كان شابًا خجول مهتمًا بتربية الحمام وزهور الربيع ومولع بصيد الطيور، مما دفع والده ذات يوم بنعته بأنه “مصدر عار لنفسه وعائلته”.

لكن رحلته على السفينة بيجل غيرته تغييرًا جذريًّا، فقد قضى خمس سنوات على متنها، وهي سفينة تابعة للأسطول البريطاني أُرسلت لرسم خرائط امتدادات معينة لخط ساحل أمريكا الجنوبية. كان دور دارون كأحد البيولوجيين الميدانيين هو جمع عينات بحرية بشبكة عوالق تُجر وراء المركب، ويقوم بنزهة على الشاطئ لمزيد من أعمال الجمع والملاحظة ليتحول من شخص بلا خبرة إلى عالم منهجي ثاقب الفطنة.

عند عودته الى بريطانيا عكف على قراءة الأبحاث ومراسلات العلماء وإجراء تجارب وعمليات التشريح وملاحظة الغابات التي لا تبعد عن المنزل ثم التفكير، التفكير في كل ما رآه أو قرأه أو قام بتجربته، فكان يفضل الانعزال والبقاء بين الجدران لحدٍّ بعيد.

بحلول عام 1842 أصبح دارون مؤلفًا مشهورًا بفضل مؤلفه “يوميات السفينة بيجل” الذي نُشر عام 1839، كما انتُخب زميلًا للجمعية الملكية، المنتدى العلمي الأول في بريطانيا، فأصبح والده يفخر به ويقول عنه لإخوته “عجبًا لقد تغير شكل رأسه تمامًا” يقصد تغير شكل تفكيره، ومع ذلك كتب دارون في مذكراته أنه لم ينسَ أبدًا ما نعته به والده في شبابه بأنه مصدر عار لنفسه وعائلته ومع ذلك أيضًا أقر بأن والده أطيب رجل عرفه على الإطلاق!.

كل شيء عن نظرية الانفجار العظيم وكيف بدأ الكون – ملف شامل

دور “إيما” في حياة دارون

بعد حسابات كثيرة عن فوائد الزواج وعيوبه ومتطلباته أقر دارون في النهاية بأهمية الزواج وأن يكون هناك من تشارك روحه في الحياة، تزوج إيما ابنة خاله في يناير 1839 وكانت في الثلاثين من عمرها تكبره قليلًا في العمر، لكن كان بينهما فارق كبير؛ هي ورعةٌ مسيحية متدينة وهو لديه شكوك لاهوتية!

أنجب منها عشرة أبناء توفي منهم ثلاثة وهم صغار، ولم تهتم إيما بأولادها فحسب بل كانت أيضًا ممرضة لزوجها الذي كانت صحته معتلة في أغلب الأوقات ولم يعرف أحد تشخيصًا حالته، لكن لم يكن لديها الوقت لتلعب دور المحاور الفكري مع زوجها أو تدوين وتحرير أفكاره، كان هناك دائمًا فجوة كبيرة بين معتقداتها وتفكيره واختلافهم حول الآلهة والكتاب المقدس والخلق والحياة الأخرى، لذلك كانا يتجنبان الحديث في مثل هذه الموضوعات، لكنها كانت دائمًا قلقةً على روحه وكتبت له خطاب تشرح فيه مخاوفها واضطرابها حول اختلافهما وختمت الخطاب:

 “ان كل ما يخصك يخصني أيضًا وسأكون أشد تعاسة لو ظننت أننا لا ننتمي لبعضنا إلى الأبد”.

لم ينسَ خطابها أبدًا بل احتفظ به مع أوراقه الخاصة وكان يعيد قراءته من وقتٍ لآخر.

دارون

كل شيء عن نظرية كل شيء

دارون يعمل في صمت

كان دارون يدرس علم الأحياء في عزلة، ويرتكب الأخطاء أحيانًا ويغير رأيه أحيانًا أخرى، ولا ريب أن معظم كتاباته المنشورة تتقاسم موضوعًا واحدًا في أساسها وهو وحدة الحياة وتعكس عمليات التطور.

ورغم وصوله لبعض نتائج تفكيره وتحليله إلا أنه يفزع للفكرة فيكتب “إياك والتسرع يا تشارلز.. كن حذرًا”.

كان في بداية فكرته عن التطور حذرًا ومشككًا في ملاحظاته، ومع الوقت في التفكير والتحليل زادت ثقته بنفسه وأصبح يطلق على فكرته نظرية أثناء تدوينها في دفتر ملاحظاته، وبدأ البنيان يتهاوى؛ فبعد أن استثنى الإنسان من نظريته وجد أن الإنسان ليس بإله وأن لديه بعض الغرائز والمشاعر المماثلة للحيوان، ليستنتج أن الإنسان ليس استثناءً ولم يتراجع عن ذلك.

كما أدرك أن نظريته ستكون أكبر من قدرة الآخرين على الاستيعاب، فكان لا يبوح بها إلا لدفاتر ملاحظاته وظل يعمل عليها حوالي عشرين سنة قبل أن يعلن عنها.

لم يكن أول من طرح فكرة التطور

لم يكن دارون أول من فكر في نظرية التطور أو توصل لفكرة أن الأنواع ليست ثابتة، ففي نهاية القرن 18 اشتُهر العالم الفرنسي لامارك بفكرته حول توارث الصفات المكتسبة، ويرى لامارك بأن هناك عاملان يفسران التطور أحدهما كما ذكر دارون هو النزعة الفطرية في الكائنات الحية لأن تتقدم تدريجيًا من الأشكال البسيطة إلى المعقدة، أما العامل الثاني فينقسم لأربع عناصر:

  1. أن الحيوانات تواجه ضغوطًا معينة من الظروف الخارجية في البيئة.
  2. عندما تتغير الظروف الخارجية يصبح للحيوانات احتياجات جديدة، وتستجيب لهذه الاحتياجات إما بزيادة استخدام أعضاء معينة أو قدرات معينة أو بإهمال استخدام تلك التي كانت تستخدمها.
  3. زيادة الاستخدام تنتج أن يزيد العضو أو القدرة حجمًا أو قوة لكن عدم استخدامها يجعلها تضمر أو تضعف.
  4. هذه الصفات المكتسبة قابلة للتوارث.

ويذكر لامارك أمثلة على ذلك أن الزرافة الصغيرة تولد برقبة طويلة لأن أمها وأباها مدا رقبتيهما للوصول الى الأوراق العالية، وطيور الكيوي لها جنيحات صغيرة عديمة الفائدة لأن أسلاف الكيوي أهملت الطيران.

وأيضا إرازموس دارون جد دارون يعد من رواد التطور؛ فقد طرح فكرة التطور قبل أربعين عامًا من فكرة دارون في كتابه فسيولوجيا الحيوان والذي يعتبر بحث طبي طرح فكرته دون توضيح أو توغل، فقال “الحيوانات حارة الدماء نشأت كلها من خيط حي واحد، وإن خط السلالة المشتركة يملك القدرة على مواصلة التحسن بواسطة نشاطه الخاص المتأصل فيه، وهذه التحسينات قابلة لأن تُنقل من الوالدين للذرية”.

دراسة البرنقيل أو ما يطلق عليها “فترة تأخر دارون”

ما بين عامي 1846 و 1854 لم يفعل دارون شيئًا آخر سوى دراسة البرنقيل، وهي كائنات بالغة الصغر تختبئ في أصداف من نوع معين من القواقع البحرية، كان توصيف البرنقيل انعطافًا غير مخطط له أبعده لفترة عن التطور، لكنه أعاده إليه مجددًا، فخلال دراسته له وجد نتائج تدعم نظريته. كان دارون يرى أن التصنيف ينبغي أن يعكس درجة القرابة، بمعنى أن انحدار السلالات من أسلاف مشتركة ليس أمر مسألة غيبية بل هو متعلق بعلم الأنساب.

كانت فكرة التطور بالانتخاب الطبيعي واضحة في عقله ودفاتر ملاحظاته منذ عام 1838، لكنه لم يخبر بها أحد، سوى أنه ذكرها في أحد خطاباته لعالم النباتات جوزيف هوكر بعبارة متحفظة ومتخوفة “الأنواع ليست ثابتة”!

وبينما كان دارون مشغولًا ببرنقولاته غادر شاب يدعي “ألفرد راسل والاس” ليفربول فوق سفينة متجهة للبرازيل عام 1848، يعرف والاس من التاريخ الطبيعي ما يكفي لأن يكون غير راضٍ عن التفسيرات القديمة عن تنوع الأنواع وتوزيعها وأصولها، وها هو يتجه إلى المناطق المدارية سعيًا وراء المغامرات ووراء فرصة للإسهام بحقائق جديدة، لكن ما سيتوصل له والاس سيدفع دارون للتوقف عن تردده والإسراع في الإعلان عن نظريته وحقه في الأسبقية، وهذا ما سنعرفه في الجزء الثاني من المقال.

 اشرحها وكأني في الخامسة: الحلقة الأولى – ما هو التطور وكيف يعمل؟

0

شاركنا رأيك حول "ديفيد كوامن يكشف الوجه الآخر لدارون.."