صراع العلم والمال
0

ها نحن اليوم، عشرون عامًا كاملة مرت على بداية القرن الواحد والعشرين، بداية الثورة التكنولوجية والتطور التكنولوجي، بدايةً من انتشار الحاسب الآلي ودخول الانترنت في أواخر التسعينيات، إلى الدخول سريعًا في عصر الهواتف الذكية، إلى ثورة مواقع التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى التطورات الهائلة في جميع المجالات سواء الطبية او الهندسية او التعليمية التي لعبت دوراً هاماً في تغيير حياتنا للأفضل.

لكن .. هل جميع التقنيات الحالية تم ابتكارها واختراعها وإتاحتها للعامة في العشرين عامًا المنصرمة فقط!؟ أم هذه التقنيات متواجدة منذ زمن! والعشرون عامًا المنصرمة كانت فقط توقيتاً مناسباً للإعلان عنها وإتاحتها؟

ما هو دور رجال الأعمال في إقصاء تقنيات عديدة

ومن هذا التساؤل إلى تساؤلات أخرى، إن كان الأمر كذلك، لماذا لم يتم الإعلان عن هذه التقنيات وإتاحتها للعامة فور ابتكارها؟ ومن المتحكم في إتاحة هذه التقنيات من عدمها؟ والتساؤل الأهم، إن كانت التقنيات المتطورة الحالية هي تقنيات “قديمة” ومر عليها مايقرب من قرن من الزمان، فهل يعقل وجود تقنيات “مستقبلية” أخرى قد تفوق مخيلتنا ولا نعلم عنها شيئاً؟

هناك العديد من الابتكارات والاختراعات على مر التاريخ كانت كفيلة بتغيير العالم وقت ابتكارها، ولكن بسبب الحروب والسياسة وألعاب المال اندثرت هذه الابتكارات لسنوات وبعضها لقرون إلى أن ظهرت للحياة مرة أخرى وبدأت بتغيير العالم، حيث لعبت الحياة السياسية والاقتصادية دوراً هاماً في تأجيل ظهور هذه التقنيات.

يلعب رجال المال والأعمال بكافة صورهم على مر العصور الدور الأكبر في حجب بعض التقنيات المتقدمة عن العامة لعدة أغراض منها أغراض ربحية ومنها أغراض احتكارية، وأخرى سياسية، فمهمة الابتكارات في المقام الأول هي تسهيل حياة الناس وتحسين معيشتهم عن طريق توفير الجهد والمال..

وبالطبع يعيش رجال المال والأعمال على أموال المستخدمين، فيجب على بعض هؤلاء أن يتحكموا في مثل هذه التقنيات والتأكد من عدم إتاحتها للعامة أو الكشف عنها حتى يتسنى لهم اكتشاف طرق جديدة وأفضل للربح من ورائها وإلا ستصبح عديمة الجدوى.

اختراعات القرون الأولى حكراً على ذوي النفوذ

الابتكارات والاختراعات قديمة قدم الحياة البشرية، فقد ظهرت الاختراعات والابتكارات منذ خلق الله الأول وتحديداً منذ اكتشاف الإنسان الأول للنار وصولًا إلى يومنا هذا، لكن لطالما كانت هذه الاختراعات والابتكارات حكراً على ذوي السلطة والنفوذ فقط وذلك بسبب حالة الحرب الدائمة في جميع بقاع الأرض منذ عصر ما قبل الميلاد وحتى منتصف القرن العشرين، حتى في عصور الرخاء كان الملوك هم دائماً أصحاب النفوذ والقوة باستعباد عامة الشعب، فلم يكن لعامة الشعب أية حقوق للاستمتاع بمثل هذه الاختراعات والابتكارات.

سجلت مصر القديمة وحقبة الفراعنة على سبيل المثال العديد من الاختراعات والابتكارات سواء الحربية وغير الحربية، كالأطراف الصناعية وأدوات التجميل التي كانت من نصيب الملوك فقط وليس عامة الشعب، بالإضافة لاختراع التقويم والساعة الشمسية وكذلك الساعة التي تعتمد على تقطير الماء، وكان الهدف منها أو غرض استخدامها تنظيم مواعيد الضرائب وعمل نظام صارم على عامة الشعب.

كذلك الفراعنة هم أول من اخترعوا الكتابة والحبر الأسود، حيث كانت اللغة الهيروغليفية من أوائل لغات التاريخ، بالإضافة لاختراع ورق البردي، فكان الهدف من ذلك تسجيل جميع انتصاراتهم وإنجازاتهم، حيث لم يسجل الفراعنة أياً من هزائمهم أو إخفاقاتهم خاصة الحربية مطلقاً، وبالتالي هناك عديد من القرون والأحداث المفقودة في التاريخ الفرعوني.

وتوالت الابتكارات والاختراعات على مر التاريخ، كأول اختراع للمحرك البخاري في القرن الأول الميلادي عن طريق المهندس اليوناني هيرو السكندري حيث كان نموذجاً بدائياً للمحرك، وظل في طي النسيان لخمسة عشر قرن كاملة بسبب الانشغال الدائم في الحروب.

حتى جاء العالم والمهندس العربي تقي الدين الشامي عام 1577 وأعاد إحياء الفكرة مرة أخرى ولكن ظلت الفكرة في نموذجها الأول لقرنين آخرين، حتى نهاية القرن السابع عشر واختراع توماس سافيري لأول محرك بخاري لتحريك السفن في بريطانيا، وبذلك كانت الانطلاقة الاولى للمحرك البخاري بعد سبعة عشر قرناً من ابتكاره!

صراع العلم والمال

ومن هنا بدأت الثورة الصناعية الأولى وهي ثورة الآلات البخارية في أوائل القرن الثامن عشر، والتي نستطيع القول أنها الشرارة الأولى لازدهار وتقدم شعوب العالم وبدء ظهور التقنيات الحديثة، وكذلك بدء تشكيل الاقتصاد العالمي. ومن هنا بدأت ألعاب السياسة والمال التي تحكمت في جميع التقنيات الحديثة في الفترات المقبلة، حيث كانت الثورة الصناعية الأولى بداية لعصر فائق السرعة من التغييرات والتقدم التكنولوجي الهائل مقارنة بالعصور السابقة.

سيطرة الساسة ورجال المال على تقنيات القرن العشرين

بعد الثورة الصناعية الأولى والثانية والدخول في عصر المحركات والتجارة والنقل، انشغل العالم أجمع بالحربين العالميتين الأولى والثانية في الفترة من عام 1915 وحتى 1945، كانت هذه الفترة بمثابة معقل ابتكار جميع التقنيات الحديثة التي تشكل عالمنا اليوم، والتي كان أغلبها حكرًا على الصناعات العسكرية لاستخدامها في تطوير الأسلحة، بداية من الكهرباء ومصادر الطاقة المختلفة، مروراً بالاتصالات السلكية واللاسلكية، وصولًا للانترنت واكتشاف عالم الفضاء.

سلكت جميع التقنيات التي نمتلكها اليوم طريقاً سرياً في بدايتها، فهي لم تصل إلينا بمجرد اختراعها أو اكتشافها، للسياسة والحكومات دور في إخفاء هذه التقنيات، ولرجال المال والأعمال أيضاً دور في إخفائها .. في السطور القادمة قصص مفاجئة لبعض التقنيات التي تشكل أغلبها حياتنا اليوم، وقصص أيضاً لتقنيات متواجدة منذ منتصف القرن الماضي كفيلة بتغيير عالمنا للأفضل ولكن .. ما زالت مخفية.

السيارات الكهربائية

صراع العلم والمال

تم اختراع المحرك الكهربائي منذ بدايات القرن التاسع عشر، وكان مستخدماً في تسيير الآلات والمصانع والعديد من الصناعات الثقيلة في القرن العشرين، أما عن السيارات فلم نرَ أو نسمع عن السيارات الكهربائية إلا مؤخراً وتحديداً بعد إطلاق شركة تسلا منذ سنوات وبدء ثورة السيارات الكهربائية، فلماذا وعلى مدار قرن من الزمن استمر تطوير سيارات الجازولين مع وجود بديل أفضل في شتى النواحي؟

بدأ تطوير السيارات وإتاحتها للعامة في بدايات القرن العشرين عن طريق بعض المهندسين والمخترعين أمثال توماس

اديسون وهنري فورد. كان مشروع تطوير السيارات قائماً على محركات الجازولين بسبب ازدهار تجارة النفط في هذه الفترة، حيث كان يسيطر رجال الأعمال الممولين لمشروع محركات الجازولين على حقول النفط، فعمل هنري فورد في شركة أديسون لسنوات لتطوير محركات الجازولين، حتى أنشأ شركته الخاصة وهي شركة فورد العريقة والتي كانت بمثابة الانطلاقة الاولى للسيارات تجاريًا.

استمر رجال الأعمال في ذلك الوقت في قتل ومهاجمة أية محاولات لتطوير السيارات الكهربائية وعلى رأس هذه المحاولات محاولات نيكولا تيسلا، وذلك لاستمرار تدفق الأرباح من تصنيع وبيع سيارات البنزين، ومنها إلى عام 1973 ومع حدوث أزمة البنزين العالمية، انطلقت نحو النور فكرة تطوير السيارات الكهربائية مرة أخرى واستمرت في المعاناة حتى انطلاق شركة تسلا عام 2003.

السيارات الكهربائية حاليًا هي مستقبل عالم السيارات في العشر سنوات المقبلة، خاصة بعد اتجاه جميع مصنعي السيارات نحو السيارات الكهربائية وبدء ازدهار البنية التحتية اللازمة لدعم هذه السيارات في جميع دول العالم، فالطاقة الكهربائية طاقة متجددة ونظيفة للبيئة وتعطي أداءً أقوى من سيارات البنزين، فهذه اللحظة التي نعيشها الآن كان من المفترض حدوثها منذ قرن كامل.

الطائرات بدون طيار – Drones

صراع العلم والمال

بدأ عصر تطوير الطائرات بدون طيار منذ بدايات القرن العشرين وتحديدًا في بريطانيا العظمي بعد 16 عاماً من اول رحلة جوية للأخوين رايت عام 1900، حيث تم تطوير طائرات تعمل بدون طيار بناءً على تصميمات واختراعات العالم نيكولا تيسلا حيث كان يتم التحكم بها عن طريق موجات الراديو التي تتيح التحكم بالآلات عن بعد، وهي نفس المستخدمة في أجهزة الريموت كنترول حالياً.

تم تطوير الطائرات بدون طيار خلال الحرب العالمية الأولى وكان هدفها إلقاء القنابل على الجانب الألماني، واستمرت في التطور إلى أن وصلت إلى مؤسسات الولايات المتحدة العسكرية واستمر استخدامها لسنوات طويلة داخل المؤسسات العسكرية لأغراض المراقبة وإلقاء القنابل، إلى أن دخلت الطائرات بدون طيار النطاق التجاري عام 2006 بعد سماح المخابرات الأمريكية بتداولها تجارياً، حيث بدأ استخدامها في البداية لتلقيح المزارع على نطاق واسع، إلى أن تعددت استخداماتها بعد ذلك لتدخل في عملية تصوير الأفلام والمناسبات الخاصة، إلّا أنها مازالت ممنوعة تجارياً في العديد من دول العالم.

الطباعة ثلاثية الأبعاد

صراع العلم والمال

الطباعة ثلاثية الأبعاد تقنية جديدة أليس كذلك؟ للأسف تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد او الـ 3D Printing متوفرة بكامل طاقتها منذ حوالي 40 عام! تم تطوير التقنية منذ عام 1981، ولكن استخدام التقنية كان منحصرًا فقط بالمؤسسات العسكرية الأمريكية وغير مسموح تداولها للعامة..

وعلى الرغم من كونها تقنية غير أساسية، لكنها سهلت العديد من الأمور مع توفير الوقت والجهد والمال، فبعض الجسور والمنازل والهياكل المعمارية بشكل عام يتم بناؤها بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، بل وأتاحت التقنية اختبار المجسمات سواء المعمارية أو الهندسية قبل تنفيذها وإيجاد نقاط الضعف بسهولة.

الكهرباء اللاسلكية

صراع العلم والمال

يعد نيكولا تسلا العقل المدبر للتقنيات الحديثة التي تشكل عالمنا اليوم، كالمحركات الكهربائية، الاتصالات اللاسلكية والعديد من التقنيات الأخرى. جاء نيكولا تيسلا من صربيا مسقط رأسه إلى نيويورك لتطوير اختراعاته وتقنياته، فعمل مع توماس أديسون ولكن سرعان ما استقل بذاته بدعم من رجل الأعمال الضخم في ذلك الوقت “جي بي مورغان” الذي يتواجد باسمه حاليًا أكبر مؤسسة مالية في الولايات المتحدة وسادس أكبر بنك في العالم وهو بنك JP Morgan Chase & CO.

بدأ مورغان بتمويل نيكولا تسلا لتطوير تقنية الاتصال اللاسلكي، ولكن تسلا كان يعمل على تقنية جديدة ستغير وجه العالم وهي الكهرباء اللاسلكية، حيث اكتشف تسلا أن الكرة الأرضية محاطة بهالة عملاقة مليئة بالطاقة، ومع استخدام الأرض كموصل قوي للكهرباء كان يستطيع توفير كهرباء لا سلكية مجانية لجميع أنحاء العالم.

عندما علم جي بي مورغان بنوايا نيكولا تسلا سحب تمويله بالكامل وهدد تسلا بتشويه اسمه وهو ما حدث، والسبب في ذلك أن مورغان كان يمتلك محطات توليد الكهرباء للولايات المتحدة كاملة، وتوفير كهرباء لاسلكية مجانية هي ثورة ستغير مجرى العالم وبالتالي خسارة فادحة لمورغان، ومات حلم نيكولا تيسلا بموته ولم تدخل الكهرباء اللاسلكية حيز التجربة حتى الآن بسبب الأرباح.

واحدة أيضًا من مهام جي بي مورغان هي تتبع المخترعين والمبتكرين الصغار وشراء براءات الاختراع الخاصة بهم للتحكم بها.

الكهرباء اللاسلكية هي مصدر طاقة متجدد ومستمر، تتمكن من تشغيل جميع الأجهزة، الآلات، المصانع، وكذلك السيارات، حيث تذهب معظم تكاليف الإنتاج في توفير الطاقة اللازمة لتشغيل المصانع والآلات، ومع وجود كهرباء لاسلكية ومجانية سينتهي عصر النفط للأبد، بالإضافة لتقليل تكاليف الإنتاج وازدهار الاقتصاد، ولكن للمال والأعمال حسابات أخرى.

شركات الأدوية ونظرية المؤامرة

برغم التطور الهائل الذي شهده المجال الطبي في السنوات الماضية، لكن هناك “نظرية مؤامرة” مستمرة ومتهم بها جميع شركات ومنظمات الأدوية العالمية. بدأت نظرية المؤامرة في عام 2005، عندما ادعى بعض الصحفيين مع تقديم بعض الدلائل المسربة والتي تكشف وجود علاج مضاد للسرطان وقادر على إنهاء المرض من جذوره، ولكن ترفض شركات الأدوية تطوير هذا الدواء والعقار بسبب نسب المبيعات العالية التي تحققها من وراء بيع العقاقير والمسكنات لمرضى السرطان، فوفقًا للتقرير 27% من أرباح شركات الأدوية تأتي فقط من أدوية السرطان.

إن كان الأمر صحيحاً فكم من الوقت علينا الانتظار إذن للإعلان عن عقار يقضي نهائياً على مرض السرطان؟

عندما يمتلك رجال المال مبادئ وأحلام

صراع العلم والمال

عندما تصبح النقود غاية فيتحول المحظور الى مباح من أجل المزيد من الأموال، ولكن عندما تصبح النقود مجرد وسيلة، يتحول الحلم إلى حقيقة. وعلى الرغم من وجود الكثير من رجال الأعمال وأصحاب المال أمثال جي بي مورغان، إلا أن هناك بعض رجال الأعمال الحالمين الذين يسعون دائماً إلى إفادة البشرية بتمويل العديد من المشروعات التي من شأنها افادة البشرية بغض النظر عن الأرباح.

إيلون ماسك على سبيل المثال، فبدون إيلون ماسك لم نكن لنرى ثورة السيارات الكهربائية اليوم، حيث أنشأ ماسك شركة تسلا منذ سنوات وأتاح جميع براءات الاختراع الخاصة بالسيارة الكهربائية للعامة وبدون أي احتكار، لكي تتمكن جميع شركات السيارات من تطوير سياراتها الكهربائية.

وبدونه أيضًا لم نكن لنرى شركة فضاء خاصة مثل سبيس إكس مع جميع التقنيات المتطورة حيث صرح إيلون ماسك أن حلمه هو الوصول للمريخ وبناء مستعمرات هناك، بالإضافة إلى مساهماته ومشاريعه الأخرى كمشروع ستارلينك والذي يهدف إلى توفير انترنت مجاني لجميع الكرة الارضية بحلول عام 2030 عن طريق إطلاق آلاف الأقمار الصناعية التي تحيط بالكرة الارضية.

هنري فورد واحد من أبرز رجال الأعمال في القرن العشرين، يعد هنري فورد المسؤول عن توفير السيارات تجارياً للعامة، حيث عمل هنري فورد كمهندس في شركة توماس أديسون الخاصة لتطوير محركات الجازولين، حيث كان لدى فورد حلم توفير السيارات تجارياً للعامة بأسعار مناسبة في فترة كان المسيطر بها هي العربات.

ولكن لم يجد فورد نفسه سبيلًا لتنفيذ حلمه داخل شركة أديسون، وسرعان ما ترك الشركة لتنفيذ وتمويل مشروعاته الخاصة إلى أن قام بتأسيس شركة فورد، وقام بتطوير أول سيارة تجارية تعمل بمحركات الجازولين. وبعد اختبارات فاشلة، نجح فورد في حلمه وأصبحت فورد هي أول شركة تجارية لصناعة وبيع السيارات للعامة.

في النهاية، عالم المال والأعمال لم يعمل أبداً لصالح البشرية، يعمل فقط من أجل مصالحه الشخصية، فرجال الأعمال ينتظرون فقط التأكد من تحقيقهم للأرباح والمكاسب اللازمة قبل الإعلان عن تقنية جديدة.

0

شاركنا رأيك حول "صراع العلم والمال: كيف يلعب الساسة ورجال الأعمال الدور الأقذر في إعاقة التطور التكنولوجي"