الطاقة المظلمة
0

تعد قصة الطاقة المعتمة إحدى أطرف القصص في تاريخ الفيزياء§. ومردّ ذلك إلى الطريقة التي تم إدخالها بها ضمن نماذجنا العلمية وكيف تم القبول بها في نهاية المطاف.

اقرأ أيضًا: المادة المعتمة: أحد أكبر الألغاز غير المحلولة في الفيزياء

ما الذي جعلنا نعتقد بوجود الطاقة المعتمة

كان اكتشاف أينشتاين للنسبية العامة في بدايات القرن العشرين هو حقاً أحد أعظم الاكتشافات في تاريخ الفيزياء، ولا يكمن ذلك فقط في أن النسبية العامة قامت بحل بعض المشاكل العالقة في الفيزياء النيوتونية، بل ولقد قامت بتغيير نظرتنا بشكل جذري للعديد من المفاهيم في الكون، كالزمان والمكان والكتلة والطاقة وعلاقة الأمور السابقة ببعضها. إلا أنه حصل أمر بعد اكتشاف النسبية العامة بقليل قضّ مضاجع أينشتاين بشدة! فالحكمة السائدة في عصره كانت أن الكون أزلي وغير متغير، مما جعل أينشتاين يحاول أن يعدّل على نظريته عندما علم أنها إما ستؤدي إلى كون يتوسع أو ينكمش.

وفي الواقع، ما فعله أينشتاين هو أنه قد وجد أن نفس المبادئ التي تؤدي إلى معادلات النسبية العامة تسمح بتعديل طفيف على هذه المعادلات من خلال إضافة حد يحتوي على ثابت، حيث سيمثل هذا الثابت (الذي يدعى بالثابت الكوزمولوجي أو الثابت الكوني) كثافةً ثابتةً لطاقة الفضاء (طاقة مرتبطة بالفضاء نفسه) وهي ما ندعوه بالطاقة المعتمة، ويمكن أن تتسبب بقوة تثاقل تجعل الكون مستقراً.

للأسف، فقد أدرك العلماء لاحقاً أن هذا الحل لن يجدي نفعاً؛ لأن أقل اضطراب سيجعل الكون ينكمش أو يتوسع. لكن على كل حال، عندما اكتشف إدوين هابل توسع الكون، ندم أينشتاين ندماً شديداً على إضافة هذا الحد لمعادلاته، ويقال بأنه دعاه بأكبر أخطائه.  وفي تسعينات القرن العشرين، حصل أمر جعلنا نحتاج من جديد لثابت أينشتاين الكوزمولوجي! فلو كان الكون يحتوي على مادة فقط (سواء مادة عادية أو مادة معتمة)؛ لتباطأ توسعه مع الزمن نتيجةً لجذب المادة لبعضها. وقد كان العلماء يقومون بقياسات لإيجاد معدل تباطؤ توسع الكون. إلا أن المفاجأة كانت أنهم وجدوا بأن توسع الكون كان يتسارع، فما الذي يحصل؟

إن هذا يشبه أن ترمي القلم إلى الأعلى وتجده بدلاً من أن يتباطأ في صعوده أصبح يتسارع نحو الأعلى. في الواقع، يمكن تفسير ذلك بشكل فائق البساطة باستخدام فكرة الثابت الكوزمولوجي. ولفهم ذلك، لنتخيل المثال التالي: لنفترض أنه لدينا صندوق يحتوي على كمية محددة تماماً من غاز ما. لو قمنا بمضاعفة حجم هذا الصندوق، فستنخفض كثافة هذا الغاز ضمن هذا الصندوق، لأن الحجم قد ازداد مع بقاء كمية الغاز ثابتة. وبما أن الكثافة تعبّر عن كمية الغاز في واحدة الحجم، فستتناقص بمقدار النصف في هذه الحالة.

وبشكل مشابه، عندما يتوسع الكون، ستقل كثافة المادة فيه مع الزمن. وبما أن الطاقة المعتمة ذات كثافة ثابتة، فحتى لو بدأ الكون بكثافة للمادة أكبر من كثافة الطاقة المعتمة بحيث كان توسعه متباطئاً، إلا أنه لو انتظرنا زمناً كافياً ستصبح كثافة الطاقة المعتمة أكبر من كثافة المادة، وسيأخذ توسع الكون بالتسارع. وبالتالي، فسر الثابت الكوزمولوجي بشكل جميل وأنيق للغاية تلك المشاهدات في التسعينات. وتقترح تلك المشاهدات أن الطاقة المعتمة تشكل حوالي 70% مما يوجد في الكون المرصود، في حين أن المادة المعتمة والمادة المرئية تتواجدان بنسب 25% و5% في الكون على الترتيب.

اقرأ أيضًا: عن المجموعة الشمسية الجديدة: 10 علامات مثيرة جعلتها مجموعة مميزة عن سابقاتها

هل هناك المزيد من الأدلة؟

في الواقع نعم، هناك العديد من الأدلة التي تشير إلى الطاقة المعتمة. ولكننا سنركز على واحد منها إضافةً إلى ما سبق، ألا وهو الدليل القادم من خرائط إشعاع الخلفية الكونية المايكروي الموجة CMB. حيث وُجد أن هذه الخرائط تدل على أن الكون ككل مسطح (أي أن هندسته المكانية إقليدية). إلا أن المادة العادية والمادة المعتمة لا تشكلان سوى 30% مما هو مطلوب لجعل هندسة الكون بهذا الشكل. إذاً، فيوجد حتماً شيء لا نراه ويشكل حوالي 70% من الكون حتى نستطيع تفسير هذه المشاهدات، وهذا ما يوافق بشكل رائع ما وجدناه عن الطاقة المعتمة!

قد يخطر في بالنا أن نسأل: مم تتكون هذه الطاقة المعتمة؟ وهنا ندخل في التخمينات، إذ لا يوجد اتفاق حتى اليوم حول ما الذي يكونها، ولذلك لن نخوض في هذا النقاش، واكتفينا بالحديث عن الثابت الكوزمولوجي لأنه هو الذي يدخل ضمن النموذج المعياري للكوزمولوجيا الذي يمثل أفضل النماذج لدينا لوصف الكون.

الطاقة المعتمة ومصير الكون

لنناقش الآن مصير الكون في إطار فرضية الثابت الكوزمولوجي. في الواقع، نتيجةً لتسارع توسع الكون، لن يكون بإمكاننا بعد بلايين السنين أن نرى أياً من المجرات خارج مجموعتنا المحلية وذلك لأن تلك المجرات جميعاً ستكون مبتعدةً عنا أسرع من الضوء بكثير (وهذا لا يناقض النظرية النسبية لأسباب لا يسعنا شرحها هنا). أما مجرات مجموعتنا المحلية، فستشكل استثناءً نتيجة تماسكها مع بعضها بقوى التثاقل. وبعد زمن طويل بما يكفي، سيكون المصير النهائي لهذه المجموعة هو الموت الحراري.

اقرأ أيضًا: نظريات وتساؤلات وتصوّرات مختلفة عن نشأة الكون

خاتمة

إنه لمن المثير حقاً أن يكون حوالي 95% من الكون (70% طاقة معتمة و25% مادة معتمة) مجهولاً تماماً بالنسبة لنا. فهذا يدل على أننا قد نكون على أعتاب ثورة كبيرة للغاية في الفيزياء، ثورة نحتاجها لفهم كل هذه الأسرار في الكون!

0

شاركنا رأيك حول "الطاقة المعتمة: إحدى أطرف وأغرب القصص في تاريخ الفيزياء"