في ظل عالم الأعمال الطاحن .. كيف ترتبط الأخلاق بالعمل؟

أخلاقيات العمل
0

إن الأدبيات الاقتصادية والإدارية قد بدأت تزخر بمجموعةٍ من المفاهيم الحديثة منذ ما يقارب العقدين من الزمن، وعكست في مجملها ما يعيشه العالم من تغيرات بنيوية عميقة، وتحول فكري أكثر اتساعًا، فلقد أصبحنا اليوم نردد مصطلحات جديدة كأخلاقيات المهنة، والأخلاق داخل المؤسسة، وأخلاقيات الإدارة، وهي مصطلحات ومفاهيم لم تكن متداولة بكثرة في السنوات السابقة، ولكننا اليوم نجدها تزداد أهميةً يومًا بعد يوم.

قد يبدو مصطلح الأخلاقيات مصطلحًا غريبًا في عالم الاقتصاد والإدارة والأعمال، غير أنه و باعتبار التنظيم هو وسط يلتقي فيه أشخاص (العمال)، ويتم التعامل من خلاله مع أشخاص (الجمهور أو العملاء)، فإنه بذلك سيكون وسطًا اجتماعيًا بامتياز، وهو الأمر الذي جعل علم اجتماع العمل يظهر بقوة، ويكون أحد أهم العلوم التي ترتبط بالمنظمات والأنشطة العمالية والمال والأعمال.

إن المؤسسات اليوم مجبرة على تسيير شؤونها وفقًا للرؤى الأخلاقية، وإعادة تشكيل ثقافتها وفق مفهوم الأخلاق التنظيمية، بناءً على واقع مؤسساتي يفرضه النمط المعاصر في الإدارة، وسأتطرق معكم في هذا الموضوع لعدة نقاط مرتبطة بموضوع الأخلاق داخل تنظيمات العمل وعلاقتها بريادة الأعمال، وهل حقًا هناك علاقة بين الأخلاق وبين ريادة الأعمال بمفهومها الواسع.

شباب عرب حققوا نجاحات ملهمة في مجال ريادة الأعمال

ضبط مفهوم أخلاقيات العمل

أخلاقيات العمل

من الناحية المفاهيمية والاصطلاحية فإن عبارة، أخلاقيات العمل هي اشتراك بين كلمتين، الأولى هي الأخلاق وهي إحدى حقول علم النفس وعلم الاجتماع، والكلمة الثانية وهي العمل وهي مجموعة الأنشطة التي يقوم بها الأفراد في سياقات محددة مقابل أجر محدد، ولكن ما نهدف إليه هو تحديد تعريف كامل وموحد للمصطلح، والذي يُعتبر اليوم أحد مصطلحات علم اجتماع العمل، وفي الحقيقة يعتبر تحديد هذا المفهوم غاية في الصعوبة لارتباطه بمعايير ومبادئ تحكم سلوك الأفراد في بيئات مختلفة.

فحسب برايد ويليام Pride William، فإن أخلاقيات العمل ما هي إلا تطبيق المعايير الأخلاقية الفردية في مواقف الأعمال المختلفة، ويتضمن هذا التعريف المبسط إشارة إلى أن المعايير الأخلاقية في مجال الأعمال ترتبط بما لدى الفرد من معايير أخلاقية.

وفي سياقٍ آخر يرى البعض الآخر أن أخلاقيات العمل هي مجموعة مبادئ وأسباب والتي تغطي سلوك تنظيمات الأعمال، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي. يشير هذا التعريف إلى أن أخلاقيات العمل هي مجموعة من المبادئ والأسس التي تحكم سلوك المؤسسات والتي يجب عليها مراعاتها عند اتخاذ القرارات.

تتعدد المفاهيم وخاصة تلك التي ترتبط بجانبين منفصلين، لذلك فإن مفهوم أخلاقيات العمل هو مفهوم يلقى تعريفات كثيرة بسبب ارتباطه بعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد.

ما هي مصادر أخلاقيات العمل؟

إن الأخلاقيات الموجودة داخل تنظيم العمل تتشكل بناءً على مجموعة من المصادر المختلفة والتي تجتمع مع بعضها البعض مشكّلة بذلك نمطًا أخلاقيًا اجتماعيًا داخل أسوار التنظيم، ويجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن المورد البشري داخل المنظمة والمجتمعات المحيطة بها، هو السبب في ظهور الأخلاق داخل التنظيم لأننا لو غيّبنا العنصر البشري فلن تكون هناك أخلاق بين الجدران أو الآلات، وفي الواقع فإن هذه الأخلاقيات يمكن أن نحصر مصادرها في هذه النقاط:

  • الفرد (الأخلاق الشخصية): يعتبر الفرد سواء كان مديرًا أو موظفًا أساسًا للسلوك الأخلاقي داخل المنظمة، وهذا الفرد حتمًا سيتأثر بمجموعة من العوامل، يرتبط بعضها بتكوينه الشخصي أو بنظامه القيمي، والبعض الآخر يرتبط بعوامل أخرى كالدين والعائلة.
  • مؤسسة العمل: إن مؤسسة العمل هي المؤثر والمتأثر الرئيسي بالسلوك الأخلاقي أو اللا أخلاقي الذي يمارسه الأفراد فيها، فهي تشير إلى مجموعة المبادئ والأخلاقيات ونظم المكافآت التي تعمل على صياغة أخلاقيات العمل، والتي من شأنها توجيه السلوك في اتجاه معين، فلكل نظام من أنظمة المؤسسات تأثير خاص يتحكم في الاتجاه الذي يعزز أو يضعف العمل بأخلاقيات العمل.
  • البيئة الخارجية: باعتبار المؤسسة مجتمعًا يضم أفرادًا وجماعات تتواصل فيما بينها وفق سياق محدد، فإن هذا التكتل الاجتماعي كما له علاقات داخلية فإن له أيضًا علاقات خارجية تتحكم بنسبة معينة في صياغة أخلاقيات العمل، كما أن هناك مجموعة من العوامل الخارجية المؤثرة والتي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بثلاث نقاط رئيسية:
  1. التشريعات والقوانين الحكومية: لا تخرج أي مؤسسة عن الضوابط والشروط والسياسات القانونية الحكومية حتى يكون نشاطها مشروعًا محترمًا للسلطة الحكومية، وهذا يدخل في السياق الأخلاقي الخارجي لأن أي تنظيم ينشط خارج إطار التنظيمات الحكومية، هو مباشرة سيكون تنظيمًا غير قانوني وغير شرعي.
  2. الأعراف والتقاليد الاجتماعية: هي مزيج من العادات والتقاليد الاجتماعية والأعراف التي تداخلت فيما بينها واكتسبت التأييد القانوني، فأصبحت مصدرًا ثابتًا في ضبط أخلاقيات العمل لدى الأفراد، وصارت نموذجًا اجتماعيًا في صناعة السلوك داخل التنظيم.
  3. اللوبيات وجماعات الضغط: إن التكتلات واللوبيات المحيطة بالتنظيم قد تكون في كثير من المناسبات مؤثرًا خارجيًا مباشرًا في صياغة أخلاقيات العمل، فالنقابات العمالية ومنظمات حماية المستهلك… هي تكتلات تفرض على التنظيم ضبط السلوكيات، لذلك فهي على علاقة مباشرة بصياغة هذه الأخلاقيات.

مع قرب دخول الحرب السورية عامها السابع… نظرة علي واقع ريادة الأعمال هناك

ما هو الارتباط بين الأخلاق وتنظيمات العمل؟

أخلاقيات العمل

إن السبب وراء وجود أي تنظيم هو إنتاج سلعة أو خدمة، ونقصد بالسلعة تلك المخرجات المادية، فيما يقصد بالخدمة تلك المخرجات المعنوية، هذه المنتجات ستقدم في كل الحالات إلى المتلقين والذين يطلق عليهم علميًا مصطلح العملاء؛ وبالنسبة للمؤسسة فإن هناك ما يعرف بالمرتكزات الأخلاقية ويمكننا أن نوجزها كما يلي:

  • مجال تصميم المنتج أو الخدمة:

ويقضي بذلك وضع المنتج في شكل يمكّن من الوفاء باحتياجات العملاء، المؤسسة في صناعتها لهذا المنتج مجبرة على التركيز على المواد المشكلة له والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة، كمعالجة المواد الأولية، والاهتمام بالنوعية، والأكثر من ذلك الاهتمام بسلامة العملاء ورضاهم.

  • مجال الاهتمام بمقر الإنتاج:

هناك العديد من القرارات في هذا السياق التي يجب أن تستند استنادًا كبيرًا على الأخلاق، لأن ضبط مقر الإنتاج، له خصائص أخلاقية يجب أن يرتكز عليها وهي:

  • التوفر الكلي لوسائل الحماية والأمور المتعلقة بسلامة العمال والموظفين، لأنه من الواجب أن ينشط العامل في وسط مساعد على النشاط المهني.
  •  التخلص من مخلفات العمل والفضلات الناتجة عن الإنتاج، فبالنسبة للمصانع ستكون هناك مخلفات كيميائية، فيما ستكون المخلفات في الإدارات عبارة عن أوراق ومستندات منتهية الصلاحية، وهذا مثال على الفضلات المتشكلة داخل وسط العمل، و من الأخلاقيات المهنية صياغة آليات للتحكم في تصريفها، لأن المعادلة تقول أينما يوجد عمل فإن هناك مخلفات.
  •  من الأخلاق المهنية، ومن أهمها موضوع ضبط الوقت والحجم الساعي للعمل، بالإضافة إلى توزيع الأدوار بالنظر إلى الجهد و التكوين، كما أن موضوع الإجازات له أهمية بالغة في تسيير التنظيم وهو من ضمن الأخلاقيات التي إن لم تتواجد في التنظيم، يصبح العمل معقدًا.

هل للأخلاقيات المهنية قوانين تحكمها؟

لقد اهتم الناس بأخلاقيات العمل مع تطور العمل في حد ذاته، فمع تطور الفكر العمالي وظهور النقابات المهنية والعمالية، أصبح موضوع الأخلاق في تنظيمات العمل أكثر أهمية وأكثر حضورًا داخل هذه المؤسسات، وباعتبار ريادة الأعمال أحد الأنشطة التنظيمية التي تخضع بدورها لسلطة القانون الحكومي والدولي، فإنها بذلك معنية بهذا الموضوع.

ومع أن هناك اختلافات في هذه القوانين من دولة إلى أخرى، فإنها جميعها تصب في نفس الموضوع في نهاية المطاف، ومنذ أن تم إدراج النظام الثماني ساعات للعمل تحت شعار “ثمان ساعات عمل، ثمان ساعات راحة واستمتاع، وثمان ساعات نوم” سنة 1886، أصبح موضوع الأخلاق في العمل يتبلور بشكلٍ أسرع حتى تم تناوله من قبل علماء الاجتماع من جهة ومن قبل المنظمات الحقوقية داخل الدول أو تلك الدولية منها، فصار بذلك موضوعًا عالميًا.

إن موضوع أخلاقيات العمل هو من أهم المواضيع التي سال حولها حبر كثير، وتضاربت حولها الآراء النقدية للمنظرين الاجتماعيين، وعلماء النفس الاجتماعي، فنشاط تنظيم العمل سيكون مغلفًا بالمبادئ الأخلاقية، وسيسير بالارتكاز عليها، لأنه لا يمكن كما أشرنا أن نهمش الأخلاق من المنظمات أو المؤسسات، وحتى من دون قصد ستجد نفسك كرائد أعمال مجبرًا على الصدق والأمانة والتعامل الطيب مع العملاء، كما أنك ستعمل على مراعاة ظروف عمالك وستكون صاحب نشاط ريادي في إطار القانون، وهذه أمور كلها ترتكز على الأخلاق، بل هي في حد ذاتها الأخلاق المهنية التي لا يمكن تهميشها.

30 مصطلح تسمعه باستمرار في عالم ريادة الأعمال

0

شاركنا رأيك حول "في ظل عالم الأعمال الطاحن .. كيف ترتبط الأخلاق بالعمل؟"