الكوزمولوجيا الحديثة تشهد الآن ثورة من الداخل.. فما الذي يحدث وما هي أزمة الكوزمولوجيا اليوم؟

أزمة علم الكونيات
0

حتى وقت قريب، كان النموذج المعياري في الكوزمولوجيا (علم الكون) والذي تم التوصل له عبر عدة عقود من التفاعل الخلّاق بين النظرية والنتائج الرصدية، يفسر تاريخ كوننا وبنيته بشكلٍ رائع ويتوافق مع جميع ما نرصده حولنا.

وفق هذا النموذج، بدأ الكون بالانفجار العظيم، وهو حدثٌ وُلد فيه كل من الزمان والمكان والمادة معاً، وبدأ الكون (المكون وفقاً لهذا النموذج من مادة عادية ومادة مظلمة وطاقة مظلمة) بالتوسع، حيث أن ما يتوسع هو نسيج الفضاء بحد ذاته.

وقد عانى الكون في مراحله المبكرة جداً من فترة قصيرة من التوسع الهائل الذي يدعى بالتضخم، والذي انتهى بدوره بعد فترة قصيرة، ليتابع الكون توسعه بشكلٍ أبطأ. ومع توسع الكون، كان يتبرد، وتتشكل فيه بنى أعقد وأعقد. حتى وصلنا ليومنا هذا.

إن الأدلة على صحة هذا النموذج هائلة. فمن إشعاع الخلفية الكونية ميكروي الموجة (وهو إشعاع صدر بعد حوالي 380000 عام من الانفجار العظيم عندما برد الكون بما يكفي لتتشكل الذرات الأولى وأصبح الكون شفافاً للإشعاع الكهرطيسي)، إلى وفرة العناصر الخفيفة (أي نسبها في الكون)، إلى رصدنا لتوسع الكون وفق ما ينص عليه قانون هابل، إلى تطور المجرات وتوزعها، إلى سحب الغاز البدئية وغير ذلك الكثير.

كل شيء عن نظرية الانفجار العظيم وكيف بدأ الكون – ملف شامل

اهتزاز الصورة الوردية

لكن، وعلى الرغم من النجاحات الباهرة سالفة الذكر، إلا أننا ومنذ فترة ليست بالقليلة، وجدنا أن هناك خللاً ما في تقديرنا لعمر الكون. فالطريقتان الرئيسيتان اللتان تستخدمان لقياس عمر الكون، تعطيان تقديرات مختلفة له.

ففي الطريقة الأولى، يتم قياس عمر الكون باستخدام ما يدعى الشموع العيارية، ويستخدم في هذه الطريقة غالباً نوع خاص من الانفجارات النجمية تدعى المستعرات الفائقة من النمط Ia كشموع عيارية، وهذه الطريقة تعطي عمراً للكون يقارب 13.7 مليار عام.

لا مشكلة لغاية الآن، ولكن تكمن المشكلة في أن الطريقة الأخرى والتي تعتمد على تحليل الإشعاع الكوني الميكروي الموجة لقياس عمر الكون، تعطي عمراً يقارب 14.5 مليار عام.

في البداية، ورغم التناقض المزعج بين الرقمين، إلا أن الأمر كان مقبولاً إلى حد ما بسبب أن أخطاء القياس لكلا الطريقتين كانت تتراكب مع بعضها (أي أن كلا الطريقتين كان من الممكن أن تتفقا على رقم يقع بينهما ويكون سبب الاختلاف هو دقة القياسات). ولكن، ومع مرور الزمن، تحسنت دقة القياسات في الطريقتين، مما جعل أخطاء القياس لا تتراكب بعدها، وهذا يعني أن هناك مشكلة حقيقية ظهرت هنا!

هذا ما دفع ثلاثة علماء كونيات هم فالانتينو وميلكيوري وسيلك، لإعادة تحليل بيانات إشعاع الخلفية الكونية الميكروي الموجة، ولكن بطريقة جديدة تماماً.

فدائماً ما كانت النماذج الكونية تعتمد على فرضية أن كوننا مسطح (أي إذا أرسلنا حزمتين ضوئيتين متوازيتين باتجاه ما في الفضاء، فستبقيان متوازيتين للأبد). إلا أن هؤلاء الكوزمولوجيين سمحوا بأن يكون الكون مغلقاً في نموذجهم (بمعنى أننا لو أرسلنا حزمتين ضوئيتين متوازيتين في اتجاه ما في الفضاء، فلن تبقيا متوازيتين بل ستلتقيان في النهاية) لوجود بعض الأدلة التي تؤيد ذلك، وقد تمكنوا فعلاً من حل بعض المشاكل العالقة في الكوزمولوجيا. ولكن الثمن كان باهظاً حقاً: فقد وجدوا أن نموذجهم يعطي عمراً للكون يقارب 18 مليار عام، مما جعل معضلة عمر الكون أكبر بكثير! فما الذي يحصل؟!

من الذرة إلى الانفجار العظيم… مصطلحات فيزيائية وكونية عليك معرفتها الآن!

ماذا يعني كل ما سبق؟

لدينا احتمالان هنا يفسران لنا ما يحصل: إما أن هناك أخطاء في القياسات أو في تحليل البيانات، وهو أمر وارد ولكنه ضعيف الاحتمال، أو أنّ ما سبق هو إشارة لفيزياء جديدة لا نعلم عنها شيئاً وهو أمر غاية في الإثارة. فما سبق قد يفتح لنا أبواباً جديدةً لفهم الكون توصلنا إلى حل ألغاز كبيرة لازالت عالقة لليوم في الفيزياء، من يدري؟

إن مجرد التفكير في الاحتمال الأخير يدفع الكثير من الفيزيائيين إلى التفاؤل والحماسة، فقد تكون هذه الأزمة الحالية عبارةً عن فرصة تاريخية لحصول ثورة في الفيزياء، بشكل مشابه لما حصل في بدايات القرن العشرين مع ثورتي النسبية والكم!

هل إنهارت نظرية الإنفجار العظيم؟.. بمساعدة عربية !

 خاتمة

إذاً، إننا نعيش في وقت غاية في الإثارة لمن يرغب في دراسة الكوزمولوجيا، فعلى ما يبدو نحن على أعتاب ثورة كبيرة تغير من فهمنا للكون. فإذا ما كنت شخصاً تبحث عن أمر مثير تفعله وتأمل في أن تترك بصمتك في العلم، سأقول لك إنه وقت مثالي للتوجه للكوزمولوجيا، فمن يدري… قد تكون أنت من يقوم بحل هذا اللغز!

0

شاركنا رأيك حول "الكوزمولوجيا الحديثة تشهد الآن ثورة من الداخل.. فما الذي يحدث وما هي أزمة الكوزمولوجيا اليوم؟"