إلى شبابنا اليافع: هذه هي أسرار تحطيم الترولز و المتنمرين في العالم الافتراضي

غريتا تونبرغ
0

يُعرف التنمر عند أكثر الناس على أنه سلوك عدواني غير مرغوب فيه بين الأطفال في سن الدراسة، وينطوي على انعدام تكافؤ حقيقي أو مُتخيّل في القوة. السلوك نفسه قابل للتكرار مع مرور الوقت. وقد يعاني كل من يتعرض له من مشكلات نفسية خطيرة ودائمة قد تؤدي للاكتئاب أو الانتحار.

التنمر هو تجربة سيئة جدًا لأي شخص، وهي ليست حكرًا على صغار السن فقط أو تلاميذ المدرسة كما هو شائع بل قد تطال البالغين أيضًا بشكل يومي وعشوائي في الأماكن العمومية، وسط بيئة العمل السامة وأحيانًا حتى داخل الأسرة من طرف الإخوة أو حتى الوالدين، مشكلة التنمر أنه سلوك معقد جدًا لدرجة يمكن أن يتحول فيها ضحية التنمر إلى متنمر لاحقًا. 

التنمر في العالم الافتراضي

وتعرّف الجمعية الأمريكية لعلم النفس التنمر على أنه شكل من أشكال السلوك العدواني الذي يتسبب فيه شخص ما عن عمد وبصفة مكررة في إيذاء شخص آخر أو مضايقته. يمكن أن يتخذ التنمر شكل إساءة جسدية أو ذات طابع شفوي أو أفعال أخرى أكثر من ذلك.

هذه التجربة قد تكون أقسى في العالم الافتراضي الذي أصبحنا نعيش فيه أجزاء كبيرة من يومنا، لما قد يكون التنمر الافتراضي أكثر قساوة؟ مع العلم أن هذا النوع لا يعني أن التنمر في الواقع الفيزيائي لا يحمل ما يحمل من ألم وأذى نفسي للضحية!

لأن ما قد يحدث على مستوى عالم “الأفاتارات” يحدث على الملأ وأمام أعين الكل، وعادة ما يحدث أن يجد المتنمر لنفسه حلفاء لمساندته ودعم موقفه. 

لحسن الحظ أصبح لدينا الوسائل المختلفة وكذا الوسائط لتعلم الكثير عن التنمر، أنواعه وطرق محاربته، هذا المقال سيقدم نموذجًا حيّا، واقعيا ومرحا جدا في العالم ‘القرية’ الذي يعيش فيه أغلب الشباب اليافع وهم معرضون لأكثر من غيرهم لإمكانية التعرض لهذه التجربة.

غريتا تونبرج شابة صغيرة مثيرة للجدل

لابد أن اسم غريتا تورنبرج أصبح معروفًا، فهي أصغر ناشطة بيئية لحدود الساعة ساهم نضالها الذي يتجاوز حاليًا السنة وبِضْعة أشهر في خلق الشرارة الأولى لاحتجاجات المناخ من قِبل اليافعين والشباب الصغير من حول العالم، لمطالبة الحكومات والمسؤولين باتخاذ إجراءات صارمة لوقف تراكم الأضرار الناجمة عن مشاكل المناخ الذي يؤرق مضجع العلماء والباحثين منذ بداية الستينات من القرن الماضي.

وقد ظهر اسم هذه البطلة الصغيرة أكثر خلال المظاهرات الشهيرة المعروفة باسم FridaysForFuture في سبتمبر الماضي، مظاهرات مليونية في أكثر من 160 دولة وفي جميع القارات، شارك فيها مراهقون وبالغون على حد سواء، شدت انتباه وسائل الإعلام والرأي العام. تلتها بعد ذلك قمة الأمم المتحدة للمناخ في نيويورك حيث ألقت غريتا تونبرج خطابًا مؤثرًا جدًا انتشر كالنار في الهشيم على جميع وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإعلامية.  

غير أن استماتة غريتا في الدفاع عن قضية المناخ الشائكة أثار حفيظة البعض منذ البداية لأسباب عديدة، وزادت حدّة الانتقادات والخطابات التهجمية بعد خطابها الشهير في قمة المناخ أمام قادة العالم والذي وصفه البعض بأنه “عاطفي وطفولي”.

قادة متنمرون وأصحاب قرارات ينكرون حقيقة أزمة المُناخ

سُخْرِيَة ترامب المُعتادة على تويتر

بعد الخطاب الذي ألقته غريتا في قمة نيويورك تنتقد قادة العالم و تجاهلهم لمطالب الشباب اليافع، قرر دونالد ترامب كعادته دائمًا في “استفراغ” بعضًا من ازدرائه و احتقاره المريض لكل شخص مختلف عنه. 

فغرد على تويتر واصفًا غريتا بأنها تبدو كفتاة صغيرة سعيدة تتطلّع إلى مستقبل مشرق. طبعًا كمية التهكم و الاستهزاء في كلامه واضحة جدًا وهي موجهة لشابة لا يعيبها صغر سنها ولا حماسها من أجل تغيير العالم إلى مكان أفضل.

كثيرون عابوا بما فيهم صحفيين ومنصات إعلامية معروفة على غريتا حماسها و عواطفها المتقدة ورغبتها القوية في نشر ثقافة توعوية حول العالم هادفة إلى جعل الكل يقوم بدوره للحؤول دون أن تتطور أزمة البيئة أكثر، فيصبح مستقبلها و مستقبل جيلها في خطر حقيقي، غير أن شخصًا مثل ترامب، ليس من حقه بتاتًا القيام بهكذا تصرف مسيء و عدائي، ليس مع المكانة الحساسة التي يشغلها وكل ما يتحمله أو من الأفضل أن أقول ما لا يتحمله من مسؤوليات والتزامات سياسية، إنسانية وبدون أدنى شك أخلاقية اتجاه العالم بأسره بما فيه مجموعات الشباب الذين يطالبون بتحسين فرص عيشهم على كوكب قد يكون بالفعل يلفظ أنفاسه الأخيرة بسبب أزمة المناخ.

فلاديمير بوتين و تذاكيه اللامنتهي

فلاديمير بوتين؛صديق ترامب وأخوه في الرضاعة 🤣 اعذروني كان لابد لي أن ألقي بعض النكات أنا أيضًا، ولكن بالفعل أشعر أحيانًا أن فلاديمير وترامب يمتلكان روحًا شريرة واحدة وجسدين مختلفين.

في منتدى أسبوع الطاقة في موسكو، قام الرئيس الروسي من خلال الخطاب الذي ألقاه بمهاجمة غريتا تونبرج ووصف مطالبها بكونها “غير واقعية” لأنها لا تدرك تعقيد وتنوع العالم الحديث وأنه تم تثقيفها على نحو فقير. كما أشار إلى أن نشطاء البيئة الشباب يجب أن يكونوا أقل حماسًا ويتحلون بالواقعية فيما يخص قضايا الطاقة المتجددة والاحتباس الحراري.

فلاديمير وترامب هما وجهان لعملة واحدة، رغم أن تنمر بوتين لم يكن في العالم الافتراضي كما فعل الرئيس الأمريكي، إلاّ أن المقاربة التي اعتمدها في التقليل من شأن “طفلة المناخ” كما أصبحت بعض المنصات الإعلامية تطلق على غريتا تونبرج، كانت أكثر ذكاءً بعض الشيء لأنه استغل بعض المزاعم المثيرة للجدل التي تم تداولها في الإعلام حول إمكانية وجود جهات معينة ذات أجندة خفية وراء غريتا و هي التي “تُجندها” وتقوم بتلقينها كل ما تقوله وتفعله.

فأعرب عن عدم دعمه لظاهرة استغلال المراهقين من قبل البالغين، فكان إشعال شرارة نظرية المؤامرة في عقول الجماهير وسيلة بوتين المُتذاكية لاستصغار والحَطّ مِن قَدْرِ غريتا ونشطاء البيئة عمومًا، وجعل جهودهم تبدو بلا فائدة وعديمة النفع.

كيف ردّت طفلة المُناخ على الترولز ترامب وفلاديمير!

بايو تويترغريتا تونبرغ

“غريتا تونبرج تقلب الطاولة على ترامب” كان هذا جزءًا من عنوان مقال على الجارديان في سبتمبر الماضي، فبعد تغريدة ترامب المتهكمة والساخرة قامت غريتا برد فعل غاية في القوة، الذكاء، والحكمة كما أنه يرقى بالفعل لمستوى القضية التي تمثلها، فغيرت بايو تويتر الخاص بها بحيث اقتبست كلام ترامب الساخر واستخدمت تهكمه الواضح لصالحها، فأصبح البايو على تويتر كالتالي:

“فتاة صغيرة سعيدة جدًا تتطلع إلى مستقبل مشرق و مدهش”

استخدمت فتاة المناخ نفس التكتيك مع الرئيس الروسي واحتفظت بكامل هدوئها، بحيت قال البعض أنها بدت أكثر نضجًا من بعض البالغين الذين هاجموها وانتقدوها بحدة وشراسة.  

فلاديمير الذي أعرب عن أسفه بطريقة غير مباشرة لأنه قد يخيب آمال البعض لأنه لا يشاركهم نفس حماسهم حول خطاب غريتا تونبرج في قمة المناخ، لم يَنجُ هو الآخر من ضربات غريتا القاضية التي أظهرت للعالم بأكمله بأنها أقوى بكثير من التهجمات والانتقادات الحادة والعنصرية التي وُجهت لها.

غيّرت غريتا للمرة الثانية البايو على تويتر مقتبسةً كلام بوتين المستهزئ فأصبح كالتالي:

“مراهقة لطيفة ولكن تم تثقيفها على نحو فقير”

بايو تويترغريتا تونبرغ

أسرار تجعلك مُستعدًا لهزيمة كل متنمّر محتمل في هذا العالم

آمن بصدق بنفسك، برسالتك أو قضيتك

آمن بنفسك بعمق أولًا لأنه لن يفعل لك ذلك أحد، وحتى إن وُجد من يؤمن بك لن يستطيع أن يرى من خلال روحك وماهي قادرة على تحقيقه، وجزء كبير من إيمانك بنفسك بصدق يتضمن تواصلك الحقيقي معها، فهي، -روحك- فقط القادرة على منحك القوة والمقدرة على المواصلة مهما كانت الظروف.

القوة على الرد  على التهكم والانتقاد اللاذع بهدوء وثقة عالية بالنفس كالتي تتحلى بها شابة يافعة مثل غريتا، لا تأتي من فراغ أو عنفوان شباب كما يراه البعض، إنما من إيمانها بالقضية التي تتحدث باسمها ومن اعتقادها الراسخ بأن صوتها يحمل من الشرعية ما يحمل ويجب أن يُسمع، كل إنجاز وكل قضية دافع عنها بنو البشر في شتى العصور وجميع المجالات كان الإيمان هو المحرك الأول والعامل المُبقي للشرارة التي تحركها.

ابدأ لوحدك ولكن لاتبق مُنعزلا: ابنِ عشيرتك

قد تشاء ظروف أكبر منك أن تكون وحيدًا يومًا ما في مسعاك سواء كان شخصيًّا أو له طابع آخر…ولكن اعلم أنه يمكنك دائمًا أن تستعين برفقاء يسيرون في نفس دربك، اجعل من هؤلاء عشيرتك التي تتآلف وتنتمي لها، إحساسك بالانتماء لهم وإحساسهم بالانتماء لك سيجعلكم سندًا لبعض.

انتشرت قبل بضعة أشهر من السنة الماضية على جميع منصات التواصل أول صورة لغريتا تونبرج وهي جالسة بمفردها أمام البرلمان السويدي تحمل لافتة كتبت عليها بخط يدها: “إضراب مدرسي من أجل المناخ” وصورة أخرى بعد مرور سنة واحدة فقط لملايين الشباب في سنها ومعهم جموع من البالغين في أنحاء العالم مساندين غريتا في نضالها البيئي.

إضافة إلى الإيمان بالقضية والرغبة المتجذرة في إحداث التغيير، قدرتها القوية جدًا على السيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي جعلتها تحشد دعم الملايين الذين شعروا بأنهم يتشاركون وإياها نفس الهموم تجاه كوكب الأرض، وهؤلاء هم من وفروا لها كل الدعم حين تعرضت لمواقف عدائية وساخرة. 

لا تخش التعبير عن مشاعرك

أكثر ما عِيب على طفلة المناخ هو عواطفها المتقدة في خطاباتها عن أزمة المناخ ومشاكل البيئة، وكان انفعالها الحاد وتأثرها بعواطف الغضب الغامرة خلال خطاب قمة المناخ بنيويورك العام الماضي مثار سخرية الكثيرين وعلى رأسهم دونالد ترامب، وهي ليست المرة الأولى التي يظهر فيها هذا النوع من “اللا أنسنة” لشخصيات معروفة أظهرت بعض المشاعر علنًا.

فقد تعرّضت رئيسة وزراء بريطانيا السابقة تريزا ماي تقريبًا “للسحل” إعلاميًا بسبب دموعها الوشيكة والصَدْع الواضح في صوتها أثناء إعلان تنحيها من منصبها كزعيمة لحزب المحافظين، لتمهد الطريق أمام التنافس على منصب رئيس الحكومة البريطانية خلال بيان وُصف بأنه مفعم بالعواطف. 

التعبير عن المشاعر في سياقات معينة كالسياسة وبيئة العمل هو أمر مذموم عمومًا وغير مقبول بتاتًا، لأنه قد يؤثر على القرارات فتفتقر إلى العقلانية والمنطقية. ولكن بعض الدراسات أثبتت أن التعبير عن القلق والخوف من شيء مثلًا هو بالضبط ما يجعلنا منطقيين لأنه يجعلنا نبحث عن معلومات أكثر وحلول للمشكلات.

لا أحد يحق له إملاء متى وكيف تعبّر عن أية مشاعر ترغب في تحريرها، وأي شعور بالخزي أو الندم لأنك عبرت عن رأيك ووجهة نظرك في قالب من المشاعر مهما كان نوعها سوف يكون نتاج انعدام الثقة والإيمان بالنفس.

قلق غريتا الشديد على مستقبل جيلها هو عامل آخر من العوامل التي أكسبت قضيتها شرعية وصبغة إنسانية محضة، وجعل الجميع يقف بجانبها ويدعمها رغم تعرضها للتنمر بشكلٍ مستمر بسبب عواطفها، شكلها، طريقة لبسها، إصابتها بالتوحد وتكريسها للوقت والجهد في سبيل قضية ملحة جدًا في تاريخ كوكب الأرض و جميع الكائنات الحية التي تسكنه.

0

شاركنا رأيك حول "إلى شبابنا اليافع: هذه هي أسرار تحطيم الترولز و المتنمرين في العالم الافتراضي"