لا شيء ليخسروه مهمتهم الفوز فقط.. الفايكنج بين التاريخ والحقائق

الفايكنج
1

يُطلَق اسم الفايكنج على الشعوب الاسكندنافية الوثنية التي عاشت في السويد والنرويج والدنمارك، وتدعى الفترة المتراوحة تقريباً بين عامي 800 و 1150 ميلادية بعصر الفايكنج بسبب سطوع نجمهم في ذلك الوقت. كانوا يبحرون بغرض الحصول على الثروات، سواء كان ذلك من خلال التجارة أو من خلال غزو المناطق الأخرى والعودة إلى أرضهم محمّلين بالغنائم. بحسب الأبحاث التاريخية يُعتَقَد بأنّهم وصلوا لأمريكا الشمالية غرباً وروسيا شرقاً، كما كان لهم تواصل مع دول البحر المتوسط وحتى العراق جنوباً.

ديانة شعوب الفايكنج

تعتبر التقاليد الشفوية المؤرخة في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين التي تدعى أشعار إيدا Poetic Edda ومجموعة الحكايات المنثورة التي تسمى بنفس الاسم إيدا Prose Edda حوالي عام 1220 ميلادية هي المصادر الأساسية لمعتقداتهم.

الفايكنج
أشعار إيدا Poetic Edda

آمن الفايكنج بالآلهة المتعددة، وأنّ الآلهة هي من قدمت للناس أنفاس الحياة وعلى كل انسان إثبات أحقيته بهذه الهدية. وبنظرهم أودين Odin وبقية الآلهة هم من خلقوا الكون بعد أن هزموا يمير Ymir (أكبر عمالقة الجليد) وخلقوا الكون من أجزاء جسمه.

الفايكنج
الإله أودين

يتألّف الكون حسب اعتقادهم من 9 منازل أو عوالم، أشهرها عالم الآلهة Asgard وعالم البشر Midgard وعالم الجن Alfheim وأخيراً Niflheim الموجود تحت عالم البشر والمخصص لمن كانت شريراً وسيئاً في حياته. وعلى الرغم من هزيمة عمالقة الجليد ووجودهم في عالمهم الخاص الذي يُسمى يوتنهايم Jotunheim، فإنّ تهديدهم لعالم الآلهة وعالم البشر يبقى قائماً. في النهاية سيأتي اليوم الذي تعمّ فيه الفوضى وينتشر القتل ويحل الدمار في العالم وهذا ما عُرِف باسم راكناروك Ragnarök.

بعد الموت تعيش النساء الصالحات خاصة اللواتي توفين في الولادات وفي ساحات المعارك الحياة الأبدية إلى جانب زوجة أودين فريغ Frigg في عالم الآلهة، في حين أن الرجال الأبطال يعيشون حياتهم الأبدية في Valhalla مع أودين Odin وهذا ما يقابل الجنة بمفهومنا الحالي.

الفايكنج
Frigg زوجة أودين

مجتمع الفايكنج

عاشت شعوب الفايكنج حياةً قبلية، وينقسم مجتمع الفايكنج بشكلٍ رئيسي إلى ثلاث طبقات: الارستقراطية the Jarls، والطبقة الدنيا Karls، والعبيد Thralls، ويمكن للفرد الترقي من الطبقة الدنيا إلى الارستقراطية تبعًا لقوته وتأثيره في القبيلة. يترأس القبيلة زعيمها الذي يكون على مستوى عالٍ من القوة والبأس، ويتجمع حوله أفراد القبيلة الأحرار الذين يكونون على استعداد دائم للحرب والغزوات، كما تتجلى مهمته بتنظيم الجماعات المحاربة لشن الهجمات على المناطق الأخرى.

يعمل شعب الفايكنج بشكل أساسي بالزراعة في أراضيهم، لكن كان بينهم حدادين وتجار ونساجين وصانعي طبول وآلات موسيقية وشعراء ونجارين وصنّاع السفن بالتأكيد، كما كانت معالجة الكهرمان الموجود بوفرة في مناطقهم والتجارة به خاصةً مع الإمبراطورية الرومانية والبيزنطية أحد أهم مصادر الدخل لهم، رغم ذلك كانوا غالباً ما يستغلّون فصل الصيف للإبحار والعودة بالغنائم، ليستقرّوا شتاءً في مناطقهم. في وقت فراغهم يستمعون بالمهرجانات وممارسة الرياضة والمصارعة ورمي الرمح والصيد وألعاب النرد والشطرنج.

الزواج ووضع المرأة في ثقافة الفايكنج

تمتعت المرأة لدى الفايكنج بدرجة عالية من الحريات مقارنة بالثقافات الأخرى، فكان لها الحق بالإرث وأن تمثل نفسها في القضايا القانونية، حتى في حال كونها غير متزوجة لها الحق في اختيار مكان وكيفية العيش وامتلاك عملها الخاص؛ كالتجارة والزراعة وامتلاك الحانات ومصانع الجعة وغيرها. من الناحية الدينية تمتع المرأة بمزايا خاصة، إذ كان رسل الإله أودين Odin والآلهة فريجيا Freyja والمسؤول عن تفسير رسائل الآلهة للشعب من النساء فقط.

الفايكنج

سفن الفايكنج

من أهم ما يميز الفايكنج اهتمامهم بصناعة السفن، من قوارب الصيد الصغيرة وحتى السفن الكبيرة المجهّزة للإغارة والحروب، وبحسب المنحوتات الاسكندنافية يعود بناء السفن إلى ما يقارب 2300-4000 قبل الميلاد. تميزت سفنهم بكونها ضيقة والمسافة العمودية بين الخط المائي وقاع السفينة كانت قصيرة، ما منحها قدرة عالية على التكيف والانسيابية للاستخدام في المحيط والأنهار.

كانت النقلة النوعية في بناء سفنهم خلال القرن السابع عندما اخترعوا العارضة التي ساهمت في زيادة سرعة واستقرار السفينة، لاحقاً قاموا بإضافة صاري كبير ما سهّل قيامهم برحلات طويلة في شمال الأطلسي. تعتمد حركة السفينة على سلسلة من المجاديف على طولها، وشراع كبير غالباً ما يُصنع من الصوف، بالإضافة إلى لوح التوجيه على الجانب الأيمن من مؤخرة السفينة يعمل عمل الدفة.

الفايكنج

اهتم الفايكنج بالحرف اليدوية وفنونها، خاصة في تزيين سفنهم بمنحوتات رؤوس التنانين وتمييزها عن سفن المناطق الأخرى. ولطالما وُضعت رؤوس التنانين المنحوتة في مقدمة السفينة لإبعاد الأرواح الشريرة عنهم إضافة إلى علم الفايكنج، عاملين أثارا الرعب والخوف في قلوب الأوروبيين لقرونٍ عدة.

نظرة العالم لشعوب الفايكنج

بسبب الغارات التي قام بها الفايكنج على السواحل الأوروبية، بما فيها من كنائس وأديرة، والكره الكبير بين المسيحيين الكاثوليك وشعوب الفايكنج باعتبارهم وثنيين غزاة، عمل الأوربيون حينها على إظهارهم بمظهر الهمج القتلى واستمر الوضع كما هو حتى حكم الملكة فيكتوريا لبريطانيا. إلى أن بدأت هذه النظرة بالتغيّر خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. وفقاً للتسجيلات التاريخية تم إثبات خطأ بعض وجهات النظر حول الفايكنج ومنها:

  • أنّهم كانوا يلبسون خوذ للرأس مع قرون: بل كانت خوذهم غالباً من الجلد وجزء معدني لحماية الوجه. خوذ الفايكنج
  • كانوا قذرين وغير مرتبين: تبعاً للآثار التي وجدها العلماء تم استنتاج بطلان هذا الادعاء، إذ تمّ العثور على أمشاط للشعر وملاعق وأواني وأدوات تستخدم للنظافة الشخصية ما يدل على اهتمامهم بالترتيب، فالنظافة لم تكن دليلاً على المكانة الاجتماعية والثروة وحسب بل كانت ذات أهمية دينية.

أثرت ثقافة الفايكنج بشكل أو بآخر على ثقافة كل أمّة كانوا على اتصالٍ معها، سواء في الهندسة المعمارية أو الحرف اليدوية والغذاء والملابس وبالطبع في مجالات الحرب وبناء السفن. من الجدير بالذكر أنّ الإرث المكتوب لشعوب الفايكنج قليل جداً، لذلك فإنّ غالب معرفتنا عنهم وصلت إلينا من خلال علم الآثار والمذكرات والمعاهدات للأوربيين أو الشعوب الأخرى التي التقتهم.

ونتيجةً للأبحاث والآثار المكتشفة حديثاً، فقد وجدنا أنّهم محاربين أذكياء ذوي بأس ومثقفين استطاعوا رغم بيئتهم القاسية تطوير حياتهم، وغالب الحروب والغارات التي قاموا بها كانت لرؤيتهم بأنّ لديهم كل شيء ليفوزوا به ولا شيء ليخسروه.

1

شاركنا رأيك حول "لا شيء ليخسروه مهمتهم الفوز فقط.. الفايكنج بين التاريخ والحقائق"