مطرقة الأنبياء وحشود الأغبياء

غوستاف لوبون: سايكولوجيا الحشود
1

“انتقالٌ مِن الهمجية إلى الحضارة سعياً وراء خيال.. ثم هبوطٌ فموتٌ عند خسران هذا الخيال لسلطانه. ذلك هو دورُ حياة الأمُم” – غوستاف لوبون | خاتمة كتاب سايكولوجيا الحشود

يتنبّه بروفيسور علم الاجتماع «علي الوردي» لمدى أهمية فكرة النبوّة عن طريق إعادة صياغته لمصطلح النبي بأنه الفرد الذي يقوم بإحداث تغيير جذري في المجتمع مُخالفاً جميع ما يسود مِن ثوابت. إذ تراه دائماً يأتي بفكرة جديدة ليحطّم بها الطريقة التقليدية السائدة المتبعة، وكأنه يقول: ما هذا الذي أنتم عليه؟ دعنا نقوم بالتغيير!

ومن اللافت في جميع الأنبياء أنهم دائماً ما يكونون على خلاف شرس مع الوسط الاجتماعي المحيط، فلن تجد نبياً كان سعيداً مع عائلته وزوجته وأبنائه وأعمامه والمكان الذي يعيش فيه. على العكس تماماً، تقوم فكرة النبوّة على إشعال الحرب في هذا الجانب. إذ يكون على علاقة تضاد مع أبيه، أو تنافر مع عمه، أو خصام مع ابنه وزوجته العاق، ودائماً العلاقة الأكبر هي علاقة الصراع مع البيئة الاجتماعية المتمثلة بالقوم الذي يعيش معهم.

فالنبي دائماً يضرب مثالاً بارزاً عن مدى أهمية التغيير الذي يقوم به الفرد وحيداً في مواجهة جحافل الجماعات وما يعتريها مِن إرث قد اعتلاه الكثير من الصدأ والشوائب.

سايكولوجيا الحشود

هذه الفكرة تماماً، يحملها الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي «غوستاف لوبون» ليشرحها مُفصّلاً في كتابه «سايكولوجيا الحشود». الذي قام بالوقوف به على روح الجماعات وخصائصها وما تملك مِن مساوئ في غالبيتها وإيجابيات قليلة الوجود في معظمها. ولأجل أهمية ما يحمله هذا الكتاب من بنود وأفكار لا بد مِن الاطلاع عليها، سأقدّم مُلخصاً وجيزاً عن أبرز ما جاء به لوبون وما أراده أن يصل للجميع.

تعال لنلعب لعبة. ما رأيك أن نقوم بحذف بعض الشخصيات المهمة مِن التاريخ؟ سنقوم مثلاً بحذف ألكسندر فليمنغ، إسحاق نيوتن، وأينشتاين. كارل ماركس ولينين وآدم سميث، نابليون وجنكيز خان، جورج واشنطن ولينكولن. سنحذف أيضاً بعض الشخصيات الحديثة، مِن نمط مارك زوكربيرغ وإيلون ماسك وتيم بيرنرز لي. ما الذي يحدث؟

تقريباً نكون قد حذفنا كل التاريخ المهم، وكل مُحدثي الطفرات الحضارية فيه. لماذا؟ لأن التاريخ يصنع على أيدي الأفراد لا على أيدي الجماعات. الجماعات فقط تقوم بالتنفيذ. تنبّه لهذه النتيجة أيضاً المؤرخ الحاذق «أرنولد توينبي» ووضع مصطلح اسماه «الطفرة الحضارية» التي قال بها أن معظم الإصلاحات التاريخية جاءت نتيجة جهود أفراد أصحاب سلطة واسعة، أما الجماعات فما كان دورها سوى التطبيق والطاعة. فيرى المراقب الخارجي العادي أن الأمر كان عن نهضة أمة وقيام حضارة، إلا أنه في حقيقة جوهره وبادئة أمره جهود مُكثفة لأفكار وتصوّرات ومشاريع فرد ما، قامت بتطبيقها الجماعات كُرهاً -في غالبية الحالات- أو طوعاً حتى بسبب سلطته.

الفرد ينتصر

«الجماعات قليلة الاستعداد للتعقّل، كثيرة الاستعداد للعمل.» – غوستاف لوبون

الفكرة الأساسية المتناولة مِن قبل لوبون التي أراد إيضاحها، أن الجماعات في طبيعتها ذات سلوك همجي بربري غير واعي، وأن التغييرات الحقيقية المفيدة لا تقوم إلا على أيدي أفراد، ولا يكون للجماعات دور في صناعتها وخلق مبادئها، بل مجرّد القيام بالتطبيق والعمل. ويذهب أبعد مِن ذلك ليُشير أنّ الحضارة بأكملها نتيجة تحركات فردية نخبوية فيقول:

«إن الحضارة وليدة شرذمة ارستقراطية مِن ذوي المدارك، لا عمل للجماعات بها أبداً. الجماعات لا تملك إلا الهدم.»

نعود إلى مثال الشخصيات المهمة التي افترضتها منذ قليل، نحن الآن على كوكب الأرض بتعداد حوالي 7.7 مليار إنسان، مُعظمهم بلا فائدة حقيقية إلا على نطاق ضيق شخصي. بمعنى أن هذه المليارات لن تبني نمطاً فكرياً ولا حضرياً جديداً، بل فقط نمطاً «بقائياً» لاستمرارية الحياة بالنسبة لهم ولمن حولهم. أما مَن ذكرت مِن أسماء بارزة، فدعنا نتخيل العالم بدونهم لبرهة؟

أول اسم مارك زوكربيرغ مؤسس الفيسبوك والذي لولاه لما كنت تقرأ أنت هذا المقال أساساً. نعم عدد مستخدمي الفيسبوك قرابة 1.5 مليار، لكن هؤلاء جماعات مُستخدمة، مُجرد أناس يطبقون. أما الفكرة الحضرية إن صح التعبير هي وليدة مارك ومَن يمثلون مساره، فلو قمنا بإزالته مع فكرته لاختفى كل شيء. فالفرد هنا ينتصر.

ألكسندر فيلمنج، مُكتشف البنسلين والمضادات الحيوية التي لولاها لكان المعظم يموت في عمر الزهور. تخيل أن يُحذف فيلمنج -الذي لا يعرفه غالبية الناس- مِن التاريخ ما الذي سيحصل؟ كم مِن أطفال وبالغين يشربون المضادات الحيوية حول العالم؟ المليارات قطعاً، لكن المكتشف هو شخص واحد، مثل الفيسبوك أو تويتر. مُكتشف واحد، ومطبقين كثر. فرد واحد، وجماعات كثيرة. الفرد هنا ينتصر من جديد.

نفس الأمر لبقية الشخصيات التاريخية. احذف آينشتاين ونيوتن ونيلز بور وماكسويل وبوانكاريه وغاليليو وفاينمان وأديسون وتيسلا وواطسون، وستجد أن الناس قد عادت تستخدم الشموع مع أجواء القرون الوسطى علمياً. مع حذف 10 شخصيات فيزيائية فقط! الجهود العلمية المفيدة هي جهود فردية لا يطبقها العامة سوى عندما تكون نافعة لهم بشكل مباشر كالكهرباء والأجهزة الذكية مثلاً. الجماعات تستفيد مما يفعله الأفراد فقط، الجماعات كما قال لوبون لا تملك سوى الهدم.

يتابع لوبون كتابه ليضيف على خصائص الجماعات أنها تنزع الروح الأخلاقية من أفرادها وتنحط بمكوناتهم. ويذكر مُخالفته لنمط المفكّر «هربرت سبينسر» الذي يقول أنّ صفات الجماعة هي المتوسط لصفات الأفراد المكونين لها، إلا أن لوبون يخالف سبينسر بالقول أنّ الجماعات كالمركبات والتفاعلات الكيميائية، فعندما ندمج عناصر مُعينة مع أخرى، تظهر لدينا أمزجة جديدة بصفات مُخالفة لكل المدخولات، ويقول:

«الإنسان إذا ما غدا جزءاً مِن الجماعة هبطَ عدّة درجات في سلم الحضارة. فالإنسان مُنفرداً قد يكون شخصاً مثقفاً، لكن ما إن يصبح في جماعة حتى يرتد غريزياً.»

يمكننا بوضوح أن نرى هذا في حوادث القتل والاغتصاب والسرقة الجماعية. فهكذا فعل مُستهجن على نطاق كل فرد على حدا، لكن ما إن يتراص عدّة أفراد ليكونوا جماعة ويقوموا بفعله يصبح الأمر شيئاً عادياً ولا يحمل صفة غير أخلاقية بل قد يعتبرونه حميداً حتى. يمكنك أن ترى هذا الأمر بوضوح عندما تقوم الجماعات بسحل أحد من الناس لأسباب مختلفة على سبيل المثال لا الحصر.

الجماعات لا شأن لها بالضعفاء. هي لا تحب إلا القياصرة!

مما يقوله لوبون أيضاً أن الجماعة لا تميل للناس ذوي الحلم والهدوء، بل للمتحكمين الذين يهيمنون عليها بشدّة. فوقفاً لما ساقه في كتابه، فإن الجماعات لا تقوم بدوس أحد المستبدين والانقلاب عليه إلا لأنه فقد قوته وسلطته وقدرته على سحق الآخرين، فأصبح ضمن زمرة الضعفاء الذين لم يُعد يُخشى منهم. ويأطّر الكلام في صيغته التالية:

«ومثال البطل العزيز على الجماعات هو مَن يكون على شكل قيصر. إذ يبهرهم بسطوع تاجه. ويخضعهم بسلطانه. ويرهبهم بسيفه!»

فالجماعات لا شأن لها بالضعفاء. هي لا تحب إلا القياصرة!

وعلى سيرة القياصرة، لنطرح التساؤل التالي: ما هو النمط المستخدم عند القياصرة لقيادة الجماعات؟ لا بد مِن وجود نمط مُوحّد لطالما رأيناه وسمعنا به. فما هي مواصفات نمط قيادة الحشود؟

يدقق لوبون أيضاً على أهمية استخدام عناصر المبالغة والتوكيد والتكرار والنبرة العالية في سَوق الحشود، وكأنّك تخاطب مجموعة مِن الأطفال. ويشدد في الوقت ذاته على مدى أهمية عدم استخدام أساليب المحاجّة العقلية أو الإقناع المنطقي فمِن غير المجدي أن يقوم الإنسان بمحاولات إقناع منطقية، لجماعات ليس مِن سماتها أبداً استخدام نظام المنطق مِن أصله. بل هي في طبعها تميل أكثر للغريزية والبربرية، فلا يتم التأثير بها إلا بالنبرات العالية والتكرار والمبالغات وإثبات السلطة والمقدرة.

الجماعات في طبعها ساعية نحو الأوهام لا نحو الحقائق

وإن تحدثنا عن التأثير في الجماعات فلا بد مِن ذكر أحد أهم العوامل وأكثرها استغلالاً لسَوقها وقيادتها بشكل أعمى دون مساءلة، وهو الدين. إذ يلخّص لوبون الفكرة ناقلاً الكلام عن القائد العسكري نابليون بونابرت:

«لقد أنهيت حرب فاندا بادعائي الكثلكة. واستوليت على مصر بادعائي الإسلام. واستلمت قساوسة إيطاليا بانتحالي مبادئ البابوية، ولو ملكت شعباً يهودياً لأعدت لهم هيكل سليمان.»

ويعقّب غوستاف لوبون على ذلك: الجماعات في طبعها ساعية نحو الأوهام لا نحو الحقائق. إذ ليس مِن صفاتها التعطّش للحقائق والسعي نحوها، بل تولي إليها ظهرها. إنما يغويها الوهم اللذيذ ومَن يستطيع إتقانه، ومَن يعرف أن يُلقيه يستطيع أن يكون سيدها بسهولة. ومَن يحاول تبديد هذا الوهم يذهب ضحية رعونتها على الدوام.

إلا أن أجمل ما في هذا الكتاب الحاذق، هو أن صاحبه لوبون كان قد كتبه عام 1895 أي قبل أن يرى الجماعات الحقيقية وأمثلتها الواضحة كالشمس، كالنازية والستالينية والفاشية ومَن حذا حذوها من قيء القرن العشرين المنصرم؛ فاقتصرَ جُل ما طرحه مِن أمثلة على جماعات الثورة الفرنسية، وحشود الحملات الفرنجية تجاه الشرق. ولعلَ مصداقية أفكار كتابه ومدى حذاقتها قد تجلّت بصدق توقعاته فيما حدث مِن كوارث في أوروبا بعد وفاته بوقت ضئيل.

فتلك إذاً هي، كانت ولا تزال وستبقى، دورة حياة الأمُم!

1

شاركنا رأيك حول "مطرقة الأنبياء وحشود الأغبياء"