مرحباً بك في عالم الكبار

4

بالنسبة للطفل الصغير، تكون أقصى الأمنيات أن يُترك في دكان الحلوى ليُقفل عليه ويُنسى كأنه لم يكن. أما الكبر والنضوج، فهي فترة مهيبة جداً، شيء يتحدث عنه الواعون فقط، لطالما كان أمراً بعيد المنال، مرحلة يمارسها الأب من حوله، والأم أيضاً، وبنسبة ما الأخ الكبير. والجار كثّ الشارب. الجميع يقع ضمن هذه المرحلة إلا هو يُوعد بها في يوم ما.

متى ستتزوج؟ عندما تكبر. متى ستدخل الجامعة؟ عندما تصبح كبيراً. متى ستصبح إنسانًا محترماً يُحلف باسمه؟ عندما تكبر.

لا تقلق لا تقلق. عندما تكبر سيحدث كل شيء. لدرجة أن «خط الكبر» أصبح هاجساً يداعب خيال أي طفل صغير ويُلقي بعد هذا الخط بكل أحلامه وطموحاته ورغباته المستقبلية. لكن لو أردنا حصرَ السؤال أكثر وتكثيف معناه. حقاً، كيف يكبر الإنسان؟

نموذج الأب والبطيخة

الطريقة التقليدية في الكبر هي نموذج الأب الذي نراه جميعاً، الذي يعود إلى المنزل حاملاً بطيخة على كتفه، متعباً، لا يلبث أن يبدل ملابسه، ليشاهد التلفاز على نشرة أخبار غير مهمة. ينام. يشخر كثيراً. ثم ينام ويتنهم بنومه أكثر. ثم يشخر أكثر. ويستيقظ صباحاً ليعاود الكرة ثانية.

نموذج الكبر هذا يتجسد بمفهوم المسؤولية. مسؤولية الحماية، مسؤولية العمل، مسؤولية العائلة، أن يكون لديك أبناء، أن تسعى لتبني مستقبلاً لهم وآفاق من أجلهم. على الرغم من أنهم لا يرون سوى البطيخة وهي تدخل. وقرقعة المفاتيح عند الخروج، إلا أن المفهوم أكبر من ذلك بكثير. فهو أن يكون تحت رعايتك أناس آخرين لا ينبغي التغافل عنهم.

فهذا هو الخط الأول من نماذج الكبر وأشهرها، أن يصبح في عهدتك أناس آخرين ينبغي أن تحميهم. ويمكننا أن نسميه اختصاراً نموذج الأب.

متى نكبر

لكن لنفرض مثلاً أن أحدًا ما لن يصبح أباً ولم يدخل في دائرة مسؤوليات العائلة والزواج والأبناء والأم.. وإلخ. هل من الممكن حينها ألا يكبر؟ حتماً لا، لأنه في جميع الأحوال ستكون خلاياه قد نضجت وكبرت. أي أنه – بيولوجياً – دائماً سيكبر، لكن هنا أعتقد أن الكِبر سيكون على مقياس آخر غير المسؤولية، وغالباً سنكون أمام نموذج الكبر الفكري.

نموذج المفكّر

لن نندهش كثيراً عندما نعرف أن معظم الفلاسفة والمفكرين المؤثرين كانوا إما عزاباً أو أزواجاً فاشلين. فعلى سبيل المثال، شخصيات من نمط: فريدريك نيتشه، إيمانويل كانط، رينيه ديكارت، جون لوك، آرثر شوبينهاور، إسحاق نيوتن، تيسلا، باروخ سبينوزا.. الخ جميعهم لم يتزوجوا. وقرروا أن يوجّهوا مسار حياتهم في نطاق آخر غير نطاق المسؤولية العائلية وحفاضات الأطفال، وتبنوا مبدأ المسؤولية الفكرية. فالكبر هنا كبر فكري، هو ليسَ أفضل مِن النموذج الأول بل مختلف بالمقياس. أي اختلاف بالنوع وليس الدرجة، كيلا يعتقد البعض أن نموذج أفضل من آخر. يمكن القول أنّ الكبر هنا هو كبر معرفي. بينما الكبر في نموذج الأب هو كبر أخلاقي.

مثلما يتحمّل الأب مسؤولية أبنائه ويتولى حمايتهم، يكون للمفكر مسؤولية تتجلى في الإخلاص ونقل ما يصل إليه سواءً في خطّ كتاب أو طرح مقال أو حتى التلقين الشفهي لمن هم حوله كما كان يفعل سقراط.

صراحةً مِن سخافة هذا العصر الذي نعيش به أن يتم اختزال شخصيات مُهمة بأنهم مجرد مشردين مُهملي الشعر يضعون البيريه الروسية ويدخنون باستمرار ويتحذلقون بالكلام، لذلك ستجد أن الكثير من المفكرين يتبنون نمطاً نيتشوياً كردة فعل على هذه الرؤية السطيحة. لأن نيتشه كان هجومياً في هذا المجال، فمثلاً كان يقول أن المفكرين لا يجلسون في أبراج عاجية، بل العوام هم مَن يتمتع بتفكير الحشرات لذلك يرون كل ما يقولونه عاجياً! بمعنى أنهم هم ليسوا مُملين ولا منفصلين عن الواقع بل العوام مجموعة حشرات همومها لا تتعدَ هموم أي قنفذ يمشي بالشارع. نفس الشيء بالنسبة للحذلقة اللغوية وما يشبهها. ففي الحقيقة لا يوجد مصطلح يسمى حذلقة، الحذلقة لفظة اخترعها العقيمون لغوياً ليبرروا فشلهم. الصحيح أن يقال أنّ العوام ليس لديهم مخزون لغوي وفقراء معرفياً وليس أولئك متحذلقين!

فها هو نموذج الكبر الثاني يتجلى في النضوج الفكري. والذي غالباً سيكون على حساب تراجع النضوج العائلي المتجسد في النموذج الأول، ونادراً سنجد أن أحداً ما استطاع أن يجمعهما معاً. ونحن هنا لا نسنّ قاعدة أبداً، بل نعكس وجهة نظر استقرائية للغالبية ليس إلا.

لكن من ناحية أخرى، قد لا يكون للأب ولا المفكر أي دور، ويكون الطفل هو سيد اللعبة.

نموذج الطفل (الإيمان بالمحدودية)

وفقاً للطبيب النفسي جوردان بيترسون فإن النضج يترافق مع الإيمان بالمحدودية؛ فالطفل في صغره، يكون بنكاً من الأحلام المتنقلة، ليس لطموحاته سقف. ليس لأمنياته مُحددات، خياله يسبح دائماً نحو اللانهايات. لسان حاله يقول، يجب أن أكبر وأصبح كل ما أريد وأسافر إلى أي مكان أنوي، وأن لا شيء سيستطيع إيقاف جموحي.

تأتي «صدمة الكبر» عندما يرى الصغيرُ نفسه غير قادر على تحقيق كل ذلك. فجأة، ينظر الضابط في المطار إلى جوازه ليقول مرفوض. ماذا؟ لماذا؟ يكتشف الطفل حينها أنه لا ذنب له إلا أنه ولد في منطقة جغرافية مُعينة، حفرت كعلم مرسوم على جوازه، غالباً بحَّ صوته وهو يقول في المدرسة أنه «فخوووووور» بها، لكن يبدو ذلك الفخر لم ينفعه في المطار. اذهب إلى مكان فخرك يا عزيزي. طالما أنك فخور، ماذا تفعل عندنا؟

يكبر الطفل أكثر ليجد أنه ليس المحور. فغالباً البيئة الاجتماعية وتوابعها، تفرض على الطفل نمطاً نرجسياً من محبة الذات والوسط وتفضيلهم في كل النواحي، فنحن بنظره دائماً الأفضل والأكثر أخلاقيةً. والأكثر تعرّضاً للظلم والأقل إعطاءً للفرص. نحن دائماً المعيار، نحن دائماً القاعدة، نحن دائماً مستهدفون وما إلى هنالك.

يكبر الطفل ليرى الآخر ويدرك أنه ليس محوراً ولم يكن يوماً. لندقق الكلام أكثر، يدرك أنه محوراً لكن للشر وليس الخير كما يعتقد. تتضاعف الصدمة أكثر لأن الحقن في الطفولة جاء إيجابياً أكثر من اللازم. فلو رُبيَّ الأطفال على أنهم مثل بقية البشر سواسية لما كانت الصدمة بهذه القوة. لكنه يكبر فيكتشف أنه ليس عادياً مثل البقية، بل ربما هو السيء في عيون الآخرين. لتكون الصدمة حينها أكثر وجعاً.

ألسنا نحن الأفضل؟ ألسنا نحن المحور؟ ألم نكن دائما مَن يُظلم؟

يُغرَز الرمح أكثر في النرجسية المتأصّلة داخل كيان ذلك الطفل. عندها يتسارع كبره أكثر وأكثر.

أحياناً، يبدو واضحاً أن الكبر وعلى العكس مما يتوقع ويعتقد الجميع ليس زيادة العمر والحصول على المزيد، بل هو زيادة العمر نعم. لكن مع الخسران والنقصان بشكل دائم.

يخسر الأب معظم وقته وهو في العمل، يخسر العديد مِن الفرص المُمكنة في سبيل الحفاظ على نمط حياته الآمن لحماية مَن ينبغي عليه حمايتهم. يخسر جُل ما قد يمكنه أن يكون كي يحافظ على ما عليه لأن المغامرة الآن أصبحت بعشرة أمثالها. تحمّل مسؤوليات؟ ربما. لكنه تحمّل مُغمّد بالأسى ونبرة حزينة يُثقلها التعب.

تلك البطيخة التي اعتادَ أن يدخلها إلى المنزل، لم يجد طعمها يوماً ما لذيذًا، دائماً كانت بلا طعم. دائماً كانت مليئة بالواجب أكثر مِن اللذة.

يخسر المفكّر حياته بأكملها في سبيل الإخلاص لشيء ما. غالباً المفكر لا يؤكّد على الأفكار السائدة بل يحاول هزها ونقدها. ألم تسأل نفسك لماذا؟ سهل جداً أن يقوم الإنسان بتأكيد الأنماط الدارجة وتأييدها، لكن النقد ومحاولة خلق حالة الجدل دائماً تأتي بالمتاعب فلماذا يفعل ذلك؟ لماذا يقلّب الناس ضده؟

لا أجد جواباً سوى الإخلاص. المفكرون الأخلاقيون يجدون أنفسهم منتدبين كالآباء تماماً في تحمل مسؤوليات كبرى؛ فلا بد مِن بيانها وحمايتها مهما كانت التكاليف. تكرههم؟ ربما. لكن هذا غير مهم. العالم مليء بالناس، قطعاً لن تروق للجميع وسيكرهك البعض، فليس الأمر بالكبير.

فمَن قال أنّ المفكر سعيد بما فيه واهم. المفكر يكبر أيضاً، ويترافق ذلك مع خسران. خسران في الدائرة الاجتماعية التي يملكها. خسران في الثوابت التي أسس عليها حياته، فجلُ ما يعتقده من رواسخ يتبيّن أنها عبارة عن أيدولوجيات تتغير وفقاً للبيئة الجغرافية ليس إلا. فهي ليست ثابتة كالمسمار في حائط، بل كالمسمار في سفينة، تختلف باختلاف المحيط الذي تعوم به.

للطفل النصيب الأعظم مِن الخسارة، كونه الأنعم غصنًا هنا. يخسر الطفل أمنياته وعالمه الرحيب. يتم تنميطه وقص أجنحته وفق أهواء البيئة والعادة والتقاليد ونظام العمل وما تحتاجه المدينة مِن موارد بشرية، فيدرس مجالاً يحقق له حياة كريمة.

ماذا عن رغبته في أن يصبح طياراً عندما يكبر؟ ماذا عن رغبته في السفر؟ ماذا عن القلعة التي بناها على رمال الشاطئ وقال يوماً ما سوف أسكن في واحدة مثلها؟ كلها تبخرت مع سطوع شمس الواقع. الواقع الإسمنتي بطرقهُ المزفتة التي بنيت على أنقاض هذه الأحلام الصغيرة.

هكذا يكبر الإنسان باختصار. يتحمل مسؤوليات يخسر بها آفاق كبيرة على حساب الخيارات الآمنة التي سيحمي بها مَن هم تحت كنفه. يكبر أيضاً بتخلصه مِن الثوابت الدوغمائية التي تبيّن أنها مسامير في غيوم تختلف باختلاف مكان تواجدها. يكبر بتخليه عن بنوك أحلامه التي أفلست وأغلقت أبوابها بسبب انعدام الضمانات.

في تلك اللحظة يحدث الكبر. يتجمد الزمن في مكانه، تسقط البطيخة من على كتف الأب. يمسك المفكر مسدساً ويقرّبه مِن رأسه ليُطلق. يُطرَد الطفل الشاب من أول مطار يحاول دخوله، ليخرج منه ويتجه نحو اللوحة الضوئية التي تعرض كلمة المغادرون فيرى نصاً بديلاً للروائي الشهير دوستويفسكي: «لا تكبر، إنه فخ!»

في تلك اللحظة تماماً يمكننا أن نقول، مرحباً بك في عالم الكبار!

4

شاركنا رأيك حول "مرحباً بك في عالم الكبار"