لا لا، أنا لست فخوراً بشيء!

لا للفخر
5

تخيل أن يأتي إليك أحدهم ويقول مخاطباً: أنا فخور جداً بلون عيوني الأزرق، لا يمكنك أن تتخيل مدى فخري وشكري للإله كون لون عيوني أزرق. أو مثلاً يأتي فيتكلم: أنا فخور بـ طولي جداً. أنا فخور بأنفي. أنا فخور بتوجهاتي الدينية جداً. أنا فخور حد الموت بميولي الوطنية والقومية، لا يمكنك أن تتخيل مدى فخري بكل هذه الأمور.

حتى سأقول لكَ شيء أكبر مِن هذا كله، أنا فخور بلون بشرتي. سعيد جداً بلون بشرتي البيضاء. لذلك أنا فخور بها.

ماذا عنك يا عبد الرحمن. ألا تشاركني الرأي؟ ألست فخورًا بي وسعيد بسعادتي؟

في الحقيقة. تركيزي الوحيد الآن يا عزيزي يتلخص بمعرفة ما هو العضو الذي تستخدمه في التفكير. لا أكثر ولا أقل.

تعلّم أيها القارئ العزيز شيئاً مهما جداً لم يخبرك بها أحد كونه يشكل مُهدِداً خطيراً يُخشى منه. لكن أنا هنا سأقوله، إذ يجب على أحد في زمان ومكان ما أن يشير إليه ويبدو أن القدر قد انتدبني لذلك. فركّز معي قليلاً وحاول أن تفهم.

الفخر يكون متلازماً مع عنصر واجب الوجود لا يمكن أن يحدث بدونه أبداً. هذا العنصر هو حرية الاختيار والسلوك.

بمعنى لا يجب أن تكون فخوراً بطولك ولون عينيك ولون بشرتك لأنه باختصار شديد لم تختر أي منها! أي أنك ولدت عليها. الفخر هنا هو أمر مثير للضحك. كما قلت قبل قليل، تخيل أن يأتيك أحدهم ويقول لك أنا فخور بعيوني الخضراء، ماذا ستكون ردة فعلك سوى الشفقة على سطحية هذا الشخص؟

نأخذ نفس المعيار إذن ونطبقه على أمور أخرى.

عزيزي الذي يقول أنا فخور بدين معين أو حتى لادين. هل لي أن أسألك ما هو دافع فخرك؟ بمعنى هل كنت من قبل على إيديولوجيا معينة ثم انقلبت بعملية بحثية، معرفية، فكرية إلى هذا التوجه الجديد، فأنت هنا فخور بمسيرتك الطويلة؟ أم أنك فخور لمجرد أنك ولدت في هذا التوجه العقائدي؟

إن كان الخيار الثاني فأنت كصاحب العيون الخضراء. لا تزال بحاجة إلى تعليم وتثقيف. لأنك باختصار شديد لم تختر شيء. لم تختر لون عيونك ولا طولك. ولا كل توجهاتك. أنت مجرد وعاء صغير سكبَت فيه البيئة والأهل توجهاتهم ليس إلا. ولكي تتأكد من ذلك ما عليك سوى أن تغير المكان.

بمعنى أنك لو ولدت في تكساس لكنت كاثوليكياً. ولو ولدت في السعودية لكنت مسلماً. ولو ولدت في السويد لكنت غالباً ملحداً.

فالأمر ليس مدعاة فخر، مجرد أفكار صُبت في عقلك وأنت صغير لم يكن لك أي دور فيها.

ماذا؟ هل تعترض على هذا الكلام؟

نعم نعم صحيح، يحق لك ذلك. عندما كنت طفلاً صغيراً عمره 6 سنوات قرأتَ آلاف الكتب وحينها اخترت التوجه الصحيح. نعم نعم هذا ما فعلت.

كن ما تريد، لكن لا تفخر، مجرد مصادفة جغرافية. الفخر لأولئك الذين يحدثون تحولات معرفية من طرف إلى آخر مهما كان. المهم هو أنهم مروا بتجربة التغيير وتقييم المدخلات الفكرية، غير ذلك أنت وعاء تسكب فيه البيئة ما تريد دون أية مقاومة تذكر. والأجمل من ذلك أن تقضي حياتك كلها بعد ذلك تدافع عن أشياء لم تخترها.

لكيلا يتهمنا البعض بالتحيز، لا بد أيضاً من ذكر الفخر فيما تعلق بموضوع الأرض والجنس وأي شيء آخر لا اختياري. فخور كوني ذكر! فخور كوني من البلد الفلاني! وكأنه في بطن أمه صحّ له أن يكون من جنسية معينة لكنه رفض! حتى الفلسفة نفس المبدأ. لو ولدت في عائلة مثلاً تتبع الماركسية وانت تبنيت التوجه الماركسي فتوجهك بلا قيمة باختصار ولا يستدعي الفخر، لأن لا حرية خيار موجودة. أنت فقط تابع.

قد يتفق أحدهم مع هذا الكلام لكنه يثير ملاحظة مهمة وهي أنه نعم ربما لن أكون فخوراً بسبب ما أنا عليه لأني فقط ولدت فيه ولم يكن أمامي خيار، لكني لن أخفي سعادتي عندما أعرف أن توجهاتي هي الصحيحة وعقائدي هي العملية النافعة في هذا العالم؛ فأنا أقر بعدم اختياري، لكني في الوقت نفسه أقر بأني الصحيح.

التعقيب على هذا الكلام هو التالي: أولاً يجب إثبات أنك الصحيح بشكل موضوعي لأن الجميع يدعي أنه الصحيح، وحاول ألا تقع بفخ الاستدلال الدائري المنطقي. ثانياً وهو الأهم لو أثبتّ أنك المحق، الصحيح، الجيد، أياً كانت الكلمة. ما دورك أنت هنا؟

بمعنى، تخيل أنك تلعب مباراة كرة القدم وعن طريق الصدفة تضرب الكرة فيك وتدخل في الهدف. هل تعتقد أنك سجلت هدف؟ نعم عملياً انت السبب في الفوز لكنك لم تفعل شيئاً! أي أن المراقب الخارجي للأمر سيرى في احتفالك نمطاً من الصِغر واحتقار الذات.

مثال آخر: يأتيك مجالدان على حصانين كل منهما يحمل رمحاً ويتجه نحو الآخر ليقتله. فجأة وقبل أن يلتحما ببعض، يصاب أحد المجالدين بجلطة قلبية ويموت ويسقط من على ظهر الفرس. هل تعتبر نفسك هنا أنك انتصرت؟ عملياً الآخر هُزِم نعم. لكنك لم تكن السبب في ذلك. ولو كانت الصدفة –أن تولد هكذا– قد منحتك هذا الوصف.

يفخر الإنسان بما انتقاهُ عندما يتاح له خيارٌ آخر بعدم فعله، أما القيام بذلك بسبب شروط بيئية، جغرافية، متغيرة. وأنه ولد في مكان بدل مكان وبمواصفات شكلية وعقائد معينة، ويعيش طيلة حياته يطبل ويزمر. فهو كما قلنا، كالمجالد الذي يعتقد أنه فاز في المعركة، لمجرد أن الفارس الآخر قد أصابته جلطة قلبية ومات!

هذا طبعاً إن صدفَ فوزه وصحّ. وأننا فقط أردنا تفنيد فخره بالفوز، لا مصداقية فوزه من أصله!

5

شاركنا رأيك حول "لا لا، أنا لست فخوراً بشيء!"