0

معرض القاهرة الدولي للكتاب، هذا الحدث الثقافي الأكبر والأهم في الوطن العربي والشرق الأوسط، ينتظره المهتمون بالثقافة والأدب والفنون كل عام؛ لما يشهده من فعاليات مميزة ومهمة لا تقتصر على مجال الكتب أو القراءة فقط، ويضم المعرض مئات الأجنحة الخاصة بدور النشر التي تعرض آلاف الكتب، بالإضافة إلى عشرات القاعات، فضلًا عن أماكن للخدمات المتنوعة.

وأنت تتجول في ساحات معرض القاهرة للكتاب، تجد غالبية زواره يتجهون إلى أماكن إقامة الندوات، أو إلى أجنحة دور النشر المختلفة، أو قاعة المسرح  أو السينما، وهذا بديهي كون المعرض يزخر بأنشطة وفعاليات متنوعة داخل تلك الأماكن، ولكن على الجانب الآخر، تجد عددًا من الأكشاك الصغيرة المتناثرة هنا وهناك، تقدم مجموعة متنوعة من الأطعمة والمشروبات لرواد المعرض على مدار اليوم، وبها أماكن للجلوس وتناول الطعام؛ والتي تكون خياراً مناسبًا للراحة من تعب وإرهاق التجول في المعرض لساعات.

تساءلت وأنا أتأمل تلك الأكشاك والشباب والفتيات الذين يعملون بها، هل يقتصر وجودهم داخل المعرض على ما يقومون به من أعمال خدمية للزوار؟ وهل يجدون وقتًا للمشاركة في فعاليات المعرض؟ أو بالأحرى: هل منهم مهتمون بالثقافة والفنون والقراءة وهي أهداف إقامة المعرض؟ وفيمَ يقضون أوقات الراحة من العمل بداخله؟ التقيت بمجموعة منهم وطرحت عليهم تلك الأسئلة؛ حتى يتضح لنا الوجه الآخر من معرض القاهرة للكتاب، الذي ربما لم يفكر فيه أحد..

أكل العيش

محمود رشاد محيي الدين خريج كلية التجارة بجامعة عين شمس، يعمل “كاشير” لحساب إحدى شركات المنتجات الغذائية المعروفة، يقول إنها المرة الرابعة له التي يشارك في نشاط الشركة بالمعرض، ويعمل لمدة 12 ساعة من العاشرة صباحًا وحتى العاشرة مساء، يوضح أنه يأخذ فترة راحة يوميًا لمدة ساعة، ولم يستطع المشاركة في أي فعالية بالمعرض أو حتى الاطلاع على البرنامج الثقافي، ويشير إلى أن انشغاله بعمله عن أنشطة المعرض لا يضايقه: “ده شغلي وأكل عيشي”.

عائلة السوشي

آية الله يوسف؛ خريجة كلية الصيدلة عام 2013، منذ عامين أنشأت هي وبعض أفراد عائلتها مشروعًا لتجهيز وتقديم وجبة “السوشي” – تلك الأكلة اليابانية التي انتشرت قبل سنوات في عالمنا العربي – وتشير آية إلى أن مشروعها يشارك في معرض الكتاب للعام الثاني.

وعن أنشطة معرض الكتاب، تقول إنها لم تستطع المشاركة في أي منها؛ بسبب ضغط العمل داخل المعرض، وعملها كـ “كاشير” يحتم عليها عدم مغادرة مكانها بالمشروع: “مقدرش أسيب المكان وأقوم”، وأعربت عن أملها في أن تستطع التجول داخل المعرض والمشاركة في فعالياته؛ مثل أقاربها التي تروي أنهم شاركوا بالمعرض واقتنوا العديد من الكتب لهم ولأطفالهم، وتوضح أنها تعمل يوميًا لمدة 9 ساعات تقريبًا، وفترة الراحة لا تتعدى دقائق: “بشرب فيها كوباية شاي”.

أما شقيقتها سلمى مديرة تشغيل المشروع، فهي أيضًا خريجة صيدلة، وتحكي أنها مارست العمل كمعيدة في كلية الصيدلة لمدة تسع سنوات، قبل أن تتركه للتفرغ لرعاية أسرتها، وتقول إن للمشروع ثلاثة فروع خارج المعرض، ولم تستطع المشاركة في أي فعاليات خلاله؛ بسبب انشغالها بالعمل داخل الكشك الخاص بالمشروع: “احنا هنا لازم نتابع الشغل عشان يطلع أفضل حاجة للناس”.

تستطرد أنها بالرغم من ذلك كانت تتمنى أن تأتي للمعرض متفرغة مثل باقي الزوار، قائلة إنه لو تبقّى وقت لها أو لأحد زملائها خلال اليوم، يذهب أحدهم لإلقاء نظرة على أجواء المعرض الثقافية، ويحكي لغيره عما رآه، قائلة: “ممكن نخطف ساعة”، وعندما سألتها هل اطلعت على البرنامج الثقافي للمعرض؟ أجابت بالنفي: “كل يوم ببقى نفسي أدخل المعرض، بس لحد دلوقتي دخلت صالة 3 بس”، لافتة إلى أنها لم تتمكن من دخول باقي صالات المعرض، بسبب ضغط العمل.

عائلة السوشي

حلم بعيد

حسن محمود أبو زيد خريج سياحة وفنادق، يعمل في أحد أكشاك الطعام كـ “شيف” لحلوى الزلابيا المصرية الشهيرة، يوضح أنه يعمل لمدة 12 ساعة يوميًا من 8 صباحا إلى 8 مساءً، ويشير إلى أن وقت راحته خلال اليوم يكون ربع ساعة فقط، قائلًا إنه كان يتمنى أن يشارك في فعاليات المعرض ويطلع على الكتب، ولكن وقت العمل لا يسمح بذلك: “لو أنا سبت المكان هاجي على زمايلي”، ويروي أنه كان يتمنى أن يعمل موظفًا حكوميًا؛ حتى يكون من حقه أخذ يوم إجازة؛ يستطيع فيه زيارة المعرض والتجول في أرجائه بـ حُرية، مصطحبًا أبنائه ورفقة أصدقائه؛ وهو ما يعتبره حلمًا بعيد المنال.

الشغل أهم

أمام أحد أكشاك المشروبات داخل المعرض، التقيت بعلي السيد علي صالح وهو خريج أحد معاهد السياحة والفنادق، يوضح أنه يعمل يوميا لمدة 12 ساعة من 10 صباحا إلى 10 مساءً، ويأخذ فترة راحة يوميًا حوالي ساعة، ويشير إلى أنه لم يستطع حضور أي فعالية بالمعرض؛ سواء حفل توقيع أو ندوة ثقافية أو فنية أو حتى شراء بعض الكتب، وعندما سألته هل فكّر في القيام بذلك خلال فترة الراحة اليومية؟ أجاب بالنفي: “مفيش مجال إني أعمل ده”.

وبالنسبة لأمنية أن يُتح له وقت كافٍ للتعرف على أنشطة المعرض، أجاب بأن هذا الأمر لا يشغله كثيرا: “مش هتفرق معايا.. أهم حاجة الشغل يمشي تمام”، ويشير إلى أنه يعوّض ذلك بحضوره فعاليات أخرى متنوعة خارج المعرض، قائلاً إنه لم يطلع على جدول أنشطة المعرض ولم يشترِ كتاباً منه.

مهندس إلكترونيات ولكن!

ومن الدراسة بمعهد لهندسة الإلكترونيات إلى شيف في كشك “سجق وكبدة” بالمعرض، يحكي محمد حامد واصف أنه يعمل بالكشك لمدة 12 ساعة يوميًا، من 8 صباحًا وحتى 8 مساءً، ويقول إنه لا يأخذ وقتًا للراحة خلال وقت عمله هذا، وعندما سألته هل يود دخول قاعات وأجنحة المعرض أو يشارك في ندواته أو يشتري كتاباً منه؟ أجاب ضاحكًا: “إن  شاء الله بعد المعرض!” واستدرك قائلا: “ممكن أمشي الساعة 7 عادي أروح أجيب كتاب”، ويوضح أنه كان يتمنى لو أن عمله كان مختلفًا عن ذلك؛ حتى يتسنى له التجول بالمعرض والاطلاع على فعالياته مثل الزوار.

سوبيا

أمام أحد الأكشاك التي تقدم “السوبيا” لزوار المعرض، يقف إسلام جمال حاملًا صينية بها بعض عينات من أكواب السوبيا، ويحكي أنه يدرس بالفرقة الثانية في معهد فني صناعي، ويعمل بالمعرض لمدة 9 ساعات يوميًا، من العاشرة صباحًا وحتى السابعة مساءً، أشار إلى أنه خلال وقت العمل لم يستطع المشاركة بفعاليات المعرض، ولكنه أخذ يومًا واحدًا إجازة تجوَّل خلاله داخل بعض القاعات، ويوضح أن وقت راحته اليومية يبلغ ساعة، تمكّن خلالها من زيارة بعض أجنحة الكتب، ويقول إن عدم المشاركة في أنشطة المعرض بالنسبة إليه أمر عادي، مستطردا: “اتعرّفت فيه على شخصيات كويسة”.

0

شاركنا رأيك حول "عاملون داخل أكشاك الأكل والمشروبات.. الوجه الآخر لمعرض القاهرة للكتاب"