مفهوم التجزئة الاستراتيجية

التجزئة الاستراتيجية
0

بعد تطرقنا في الجزء الأول من هذه السلسلة، والذي كنا قد تناولنا فيه الإدارة الاستراتيجية من حيث التعاريف المقدمة من قبل الباحثين والمنظرين في مجال الإدارة الاستراتيجية، كما تطرقنا كذلك لمنطلقات التحليل ومستويات التحليل الاستراتيجي؛ وكنا قد أشرنا إلى أن الإدارة الاستراتيجية الحديثة تنطلق حسب الباحثين في علم الإدارة من  مقاربتين هما: مقاربة الاقتصاد الصناعي ومقاربة الموارد؛ في هذا الجزء سنتناول موضوع التجزئة الاستراتيجية باعتبارها الأساس والمنطق السليم في ممارسة الإدارة الاستراتيجية الحديثة في ظل اتساع دائرة الإنتاج.

مدخل إلى الإدارة الاستراتيجية

ما هي التجزئة الاستراتيجية؟

التجزئة الاستراتيجية

تعمل بعض الشركات على تقديم منتجات متنوعة وبشكلٍ كبير جدًا، والذي قد يصل إلى مئات المنتجات لشركة واحدة. ومن الناحية المنطقية، فإن هذه الشركات لن تستطيع تقديم استراتيجية واحدة ومشتركة يمكن إسقاطها على جميع تلك المنتجات، فالشركة التي تقدم منتجات في مجال الطباعة والسيارات والتجميل والهواتف الذكية… لن تستطيع إعداد استراتيجية واحدة لكل هذه المنتجات، إذ أن لكل منتج زبائنه والموقع الذي يتداول فيه.

لمثل هذه الأمور لا يمكن إعداد استراتيجية مشتركة لكل القطاعات الخاصة بالمؤسسة، وهذه نقطة مهمة جدًا يجب التسليم بها. ومن الضروري أن تسعى المؤسسة لإعداد مستويات مناسبة لإعداد الاستراتيجية، وعملية التجزئة الاستراتيجية هي السبيل من أجل الوصول إلى تلك المستويات. وإذا أردنا أن نقدم تعريفًا مختصرًا وشاملًا لمصطلح التجزئة الاستراتيجية لقلنا أنها مجموعة العمليات التي تتيح للمؤسسة تجزئة وتقسيم نشاطها الكلي إلى مجموعة وحدات متجانسة، ومستقلة عن بعضها البعض، بحيث تحصل على مستوى منطقي للعمل الاستراتيجي.

وحدات النشاط الاستراتيجي

التجزئة الاستراتيجية

هي مجموعة من الأنشطة الجزئية للمؤسسة، التي لها اشتراك في الموارد البشرية والتقنية للمؤسسة، إذ تنتهي عملية التجزئة الاستراتيجية بتحديد هذه الوحدات التي يتم العمل عليها على حدى وبشكل منفصل عن بعضها البعض ولكن تحت سقف شركة واحدة تتبنى الفكرة الكاملة والميزانية الشاملة، غير أنه من الضروري في أغلب الأحيان، توزيع هذه الميزانية حسب كل وحدة وحسب متطلبات كل نشاط، ولا يُشترط أن يتم توزيع الموارد بشكل متساوي، بل يجب دراسة وتحديد كل قطاع بشكل منفرد وتحديد متطلباته بعيدًا عن باقي الوحدات الإستراتيجية.

القاعدة الاستراتيجية

التجزئة الاستراتيجية

بعد تحديد وحدات النشاط الاستراتيجي، يتم التوجه إلى صياغة القاعدة الاستراتيجية وهي مجموعة من الوحدات الإستراتيجية التي لها اشتراك معين في بعض الموارد، وفي الواقع فإنه من الضروري الاهتمام إلى هذه القواعد لأنها تضم تحت جناحها مجموعة معينة من الوحدات الاستراتيجية، لذلك فإن هذه القواعد يجب أن يتم الاهتمام بها بشكلٍ كبير عند اتخاذ القرارات، باعتبارها غطاء لمجموعة من الوحدات الاستراتيجية المهمة، فقرار غير سليم لقاعدة استراتيجية واحدة، قد يعصف بعشرات الوحدات المتدرجة تحتها.

ما هو الهدف من وراء التجزئة الاستراتيجية؟

التجزئة الاستراتيجية

التجزئة الاستراتيجية تهتم بنقطتين أساسيتين:

أولًا: تهتم بحصر تلك الوحدات الاستراتيجية المتعلقة بالمؤسسة، وهذا في الواقع أحد الأسباب والركائز الأساسية التي يُعتمد عليها في سبيل تطوير وضبط الاستراتيجية.

ثانياً: إعداد استراتيجية لكل وحدة على حدى، لأنه لا يمكن إعداد استراتيجية مضبوطة دون الإلمام بالوحدات الاستراتيجية المدرجة داخل المؤسسة.

هذان الهدفان هما ركيزة المؤسسة في سبيل الوصول لإعداد أحسن منطلق لإنشاء القيمة الخاصة بها.

أبعاد التجزئة الاستراتيجية

التجزئة الاستراتيجية

إن البحث الذي قدمه D.F Abell في سياق التجزئة الاستراتيجية في سنة 1979 هو المرجع الأساسي لكيفية التجزئة، وذلك راجع لتحديده مجموعة المعايير التي ما زال الباحثون يرتكزون عليها في هذا الميدان.

ويشير هذا الباحث إلى حصر الجزء الاستراتيجي بالرجوع إلى أبعاد ثلاث والتي تعمل على الإجابة على أسئلة ثلاث (من – ماذا – كيف

من ؟

يقصد بـ (من) من يستهلك؟ وهذه إشارة لزبائن الوحدة الاستراتيجية المعنية، وهذا من شأنه أن يحدد نوع الزبائن ومستوياتهم وعاداتهم وأذواقهم واتجاهاتهم… وبدورها تعمل على ضبط سلوكها ونوع تعاملها الاتصالي معهم كجمهور.

ماذا؟

يقصد بـ (ماذا) ماذا تعرض المؤسسة للزبائن؟ وهذه إشارة لنوع المحتوى المقدم من قبل المؤسسة تجاه الزبائن، والمحتوى قد يكون ماديًا كما يمكن أن يكون معنويًا، يطلق عليه اسم المنتجات أو المخرجات.

كيف؟

يقصد بـ (كيف) كيف يتم الحصول على هذا المنتج؟ ويدرج تحت هذا السؤال نوع التكنولوجيا المستخدمة والآليات التي تعتمدها المؤسسة في الصناعة والصياغة والتقديم.

مراحل التجزئة الاستراتيجية

التجزئة الاستراتيجية

التجزئة الاستراتيجية تمر بأربع مراحل أساسية:

  • حصر نشاطات المؤسسة: عندما يتم حصر نشاط المؤسسة ضمن حيز ضيق، يزداد التركيز أكثر على عملية الاهتمام بهذه الأجزاء.
  • تحري الآليات الأساسية للوصول للنجاح: يجب البحث عن الوسائل والطرق الفعالة التي تقود نحو النجاح، من خلال ضبط الموارد وترشيد استخدامها وتوظيفها في سياق صحيح.
  • ترتيب الأنشطة المحددة: عندما يتم ترتيب الأنشطة فإن العمليات الاستراتيجية والسير نحو تحقيق الأهداف سيكون أفضل وأكثر ديناميكية، فلا يمكن إعداد تجزئة استراتيجية دون ترتيب للأنشطة لأن الخوض في التجزئة بشكلٍ مباشر يعتبر عشوائية.
  • جمع وحدات النشاط الاستراتيجي: بعد الانتهاء من تحديد وحدات النشاط الاستراتيجي يتم الخوض في تحديد القواعد الاستراتيجية من خلال جمع الوحدات المشتركة في بعض الموارد ضمن قاعدة واحدة، حيث تكون كل قاعدة مستقلة عن باقي القواعد.

إن موضوع التجزئة الاستراتيجية له أهمية بالغة في صياغة استراتيجية المؤسسة العامة، فمخرجات المؤسسة ستكون متعددة في غالب الأحيان وإدراج كل موارد المؤسسة في سبيل الوصول إلى نتائج جيدة لقطاعات استراتيجية مختلفة هو أمر مستحيل، لذلك يعتبر العمل بمنطق التجزئة الاستراتيجية تقسيمًا للنشاط وحفظًا للموارد.

0

شاركنا رأيك حول "مفهوم التجزئة الاستراتيجية"