روايات ألهمتني: حينما يقرأ الروائيُّون العرب!

روايات ألهمتني: حينما يقرأ الروائيُّون العرب!
0

“الكتب هي الأهدأ والأكثر ثباتًا من الأصدقاء. إنهم أكثر المستشارين سهولة وحكمة، وهم أكثر المعلمين صبرًا” – إقتباس للكاتب الأمريكي تشارلز ويليام ألين.

القراءة فعل اعتياديّ وفطريّ مهم لتطوير العقل والمهارات اللغوية، أحد الأسباب الأساسية وراء أهمية القراءة هو أنها تساعدك على النمو العقلي والعاطفي والنفسي، حيث يمنحك كل كتاب فرصة لتعلم أشياء جديدة واستكشاف أفكار جديدة. قراءة الكتب تزيد من معرفتك وتجعلك أكثر ذكاءً.

وكلنا -أو حتى بعضًا منا- يقرأ بطبيعة الحال، ولكن يختلف الموضوع بالنسبة للمشتغلين في مجال الكتابة، وبالتحديد من يكتب الرواية، ففعل التأثُّر يكون أسرَاً بالنسبة للعديد من الكتّاب، والبعض الآخر يأخذ بعض الروايات مستفيدًا منها كإلهام خارجي أو محفِّز.

روايات ألهمتني: حينما يقرأ الروائيُّون العرب!
مجلة “أراجيك” تحاور مجموعة من الروائيين العرب حول الروايات الملهمة لهم.

ماذا يقرأ الروائيُّون العرب؟

وهذا هو بالضبط ما سوف تعرفه هنا في هذا التحقيق.. سنستطلع معًا آراء مجموعة من شباب الروائيِّين العرب حول روايات ألهمتهم، أو تأثَّروا بها في رحلتهم نحو حب القراءة والكتابة والتعبير بالكلمة؛ في محاولة للإجابة على سؤال: ماذا يقرأ الروائيُّون العرب؟

نرجسيَّةُ الكاتب

الروائي المصري أحمد القرملاوي
الروائي المصري أحمد القرملاوي: كل كتابة هي امتداد لكتابات تتناسل في وجدان الكاتب.

نبدأ مع الروائي والقاص المصري “أحمد القرملاوي”، الفائز بجائزة الشيخ زايد العالمية للكتاب 2018، والذي ذهب إلى مكانٍ أبعد في موضوعنا، فيقول:

“أستغرب كثيرًا حين يقول أحد الروائيين إنّه لا يقرأ الروايات إلَّا أقلّ القليل! بقصد الإيحاء بكونه لا يتأثر بكتابات الآخرين، وإنَّه لا يغوص بحثًا عن الإلهام بعيدًا عن محيط عقله ومكنون وعيه. تلك النرجسيَّة ليست غريبة على المبدعين، فمتعة الخلق لا تُضاهيها متعة، والشعور الناتج عن إبداع شيء (غير مسبوق)، هو غاية ما يتمنَّاه الفنَّان في أي مجال، وما أشدّ ما سيُجرَح هذا الشعور لو وُصِف عملهُ الإبداعي بالتقليد، أو بالتأثر الشديد بأعمال أخرى سابقة عليه، لكن يبقى السؤال: هل ثمَّة ما يمكن وصفه بعمل (غير مسبوق) أو بمعنى: لا جذور له ولا منابع على مستوى الشكل أو المضمون، قد نجدها في أعمال أسبق؟”.

ذاكرة غانياتي الحزينات

ويتابع “القرملاوي” حديثه لمجلة أراجيك:

“التأثُّر أمر طبيعي جدًا في أي مجال إنساني، بل إنّه أمر محمود ومرغوب فيما يتعلق بالفن والإبداع، لا سيما الكتابة الروائيَّة، فالفنّ تراكم حضاري يتيح للفنان أن يبني على ما أنجزه سابقوه، فمن يستطيع الزعم بأنَّه يكتب رواية مقطوعة الصلة تمامًا بموروث “سيرفانتيس” وعمق “دوستويفكسي” واكتشافات “جويس وفوكنر”؟ فالفنّ مثل العلم، مثل الفلسفة، دائمًا ما يبني على تجارب أسبق، يستفيد من نجاحاتها ويسعى لتجنّب إخفاقاتها، وإلّا ما وجدت أساليب السرد الحديثة وابتكارات فنّ الرواية مثل تيار الوعي والواقعيَّة السحريَّة وغيرها، طريقها إلى أعمال الروائيين من مختلف الأقاليم والثقافات، وقديمًا أعلنها الكولومبي “ماركيز” صراحةً، بأنّه استلهم روايته البديعة “ذاكرة غانياتي الحزينات” من رواية “بيت الجميلات النائمات” للياباني ياسوناري كاواباتا، وكلاهما حاصل على جائزة نوبل في الآداب”.

وعلى صعيده الشخصيّ، يخبرنا “القرملاوي” عن ذائقته الشحصية، فيقول:

“بالنسبة لي، فقد تأثرت بعوالم وشخصيات “جورج أورويل”، وبشِعرية وبلاغة “نجيب محفوظ“، وبتساؤلات “ألبير كامو” ووجوديته، ولا أجد سببًا لإنكار مثل هذا التأثر، فكل كتابة هي امتداد لكتابات تتناسل في وجدان الكاتب، سواء انتبه لذلك أم لم ينتبه، لكن ذلك لا يعني أن يترك الكاتب نفسه للتأثر بدرجة مفرطة تجعل من نصوصه محاكاة أو تقليدًا فجًّا لنصوص أكثر أهمية، لذلك أحرص أثناء كتابة نص على تجنُّب قراءة نصوص أخرى تتناول عوالم شبيهة، أو تتماهى بشكل أو بآخر مع فكرة الرواية أو بنائها الفني”.

لعبة المرايا

الروائي اللبناني فوزي ذبيان
الروائي اللبناني فوزي ذبيان: النصّ ليس واقعة قائمة بذاتها، وغالبًا ما يستبدّ بي أثناء فعل الكتابة طغيان رواية كنت قد قرأتها.

يرى الروائي اللبناني “فوزي ذبيان” أنَّ:

“النصّ ليس واقعة قائمة بذاتها، بل هو أقرب ما يكون إلى النسيج الذي يخفي بين طيَّاته جملة من النصوص الأخرى، وغالبًا ما يستبدّ بي أثناء فعل الكتابة طغيان رواية كنت قد قرأتها، فأراني أسيرَ تأثيرٍ لا سبيل للتخلّص منه، فإذا بنصّي محل محايثة بين ما أقوله وما يقوله غيري، حيث يتحوَّل النص بهذه الحالة إلى بؤرة نصيَّة تختزل الأنا والآخر في لعبة هي أقرب إلى لعبة المرايا”.

الجندي الطيب شفيك وما جرى له في الحرب العالمية

وعن التأثير والتأثر يقول “ذبيان” لمجلة أراجيك: “غالبًا ما يستتر النصّ الآخر بلعبة اللا مباشر، ومن النادر أن يكون التأثير مباشرًا وجليَّاً، كما هو الحال في روايتي الأولى “إكميل“، عندما استوحيت شخصية بطلها من “أوسكار” بطل رواية “الطبل الصفيح” للكاتب الألماني “غونتر غراس” الذي يؤرجح قدميه على بوابة فاطمة التي تقع على الحدود بين لبنان وفلسطين المحتّلة”.

يستذكر “ذبيان” ويتابع:

“للسرد شروطه، بل وديكتاتوريته التي تسحب الكاتب وتشدّه صوب مواضعَات سرديَّة لا يرى نفسه إلّا أسيرًا لها من كل جنب وصوب، فالحدث في الرواية ليس مجرد افتراض أو صَيْرورة، بل هو اختزال مكثَّف لعديد أحداث أخرى، قد تكون محلّ معايشة من قِبَلي ككاتب، وقد تكون ترسّبات نصيَّة في ذهني من نصوص لكتَّاب آخرين مرَّوا عليّ، وعلى سبيل المثال أنا الآن بصدد البدء بكتابة مذكّراتي كشرطي سابق على شكل سيرة روائيَّة، والسؤال الأهم الذي يقضّ مضجعي هو قدرتي على الخروج من قَبْضة الرواية الرائعة: “الجندي الطيب شفيك وما جرى له في الحرب العالميَّة الأولى” للتشكيكي “ياروسلاف هاشيك”، إذ ثمَّة تماهيات مدهشة بين ما خطَّه في نصِّه وما عشته أنا واقعيَّاً في عالم الشرطة لمدَّة تقارب العشرين عامًا”.

روايات عديدة

وجدي الأهدل
الروائي اليمني وجدي الأهدل: اكتشاف ديستويفسكي أصابني بالرعب من الكتابة والقراءة معاً!

وفي تسلسلٍ شيِّق يسرد لنا الروائي اليمنيّ “وجدي الأهدل” أبرز الروايات التي ألهمته، فيقول:

“من اليمن  رواية “الرهينة” لزيد مطيع دماج، ورواية “صنعاء مدينة مفتوحة” لمحمد عبدالولي، ورواية “السمار الثلاثة” لسعيد عولقي، ورواية “قرية البتول” لمحمد حنيبر. هؤلاء هم أساتذة الرواية اليمنية، قرأتهم وتعلمتُ منهم كيفية الاقتراب من الواقع المحلي ومعالجته. أمَّا عربيًا تعلقتُ بروايات “أولاد حارتنا” و”زقاق المدق” و”خان الخليلي” للكاتب المصري “نجيب محفوظ“، هذه الأعمال قرأتها في مراحل عمرية مختلفة، وما أتذكره أن هذه الأعمال تحديدًا لها يد بيضاء عليّ، إذ أخرجتني في كل مرة من مشاعر البؤس والسوداوية إلى خفة روحية ورحاب آمال مشرقة، وأعتقد أن هذا هو سحر عالمه الأدبي الخاص. كما شغفتُ بأعمال “عبد الرحمن منيف”، وعلى وجه الخصوص خماسيته “مدن الملح“، وقد تأثرتُ بأسلوبه الأدبي، ومن يقرأ أعمالي سوف يلحظ ذلك. هذا الرجل هو أحد أعمدة الرواية العربية، ومعلم ترك خلفه إرثاً استفادت منه الأجيال اللاحقة. ومن الروائيين العرب الذين أحببتُ أعمالهم: الطيب صالح، إبراهيم الكوني، صنع الله إبراهيم، غسان كنفاني، إبراهيم عبدالمجيد، الطاهر وطار”.

مدن الملح
خماسية”مدن الملح” للكاتب “عبد الرحمن منيف”.

ثم ينتقل بنا “الأهدل” إلى الرواية الأجنبيَّة المترجمة:

“بالنسبة للروائيين الأجانب، ألهمتني رواية “قصة مدينتين” لتشارلز ديكنز، قرأتها في فترة مبكرة، وكان الأمر أشبه بالعثور على كنز. تأثرتُ بروايات نيكوس كزانتزاكي، يوكيو ميشيما، ويشار كمال في روايته الخالدة “ميميد الناحل“. كل أعمال غابرييل غارسيا ماركيز، وخصوصاً تحفته “الحب في زمن الكوليرا” التي جعلتني أعيد قراءة أعماله مرة أخرى وبذائقة مختلفة. وهناك العديد من النقاد يعيبون عليّ تأثري بالواقعية السحرية في كتاباتي، وحجتي الدائمة أن الواقع اليمني أكثر عجائبية من الواقعية السحرية!”، يكمل الأهدل: “ميلاد جديد حدث لي عندما قرأت أعمال همنغواي، وعلى وجه التحديد روايته “وداعًا للسلاح“. لاشك عندي أن الأمريكان لهم الحق في أن يُجنوا بهذا الكاتب.

ويتابع “الأهدل” حديثه لمجلة أراجيك:

“اكتشاف الروسي “ديستويفسكي” أصابني بالرعب من الكتابة والقراءة معًا! لأن هذا العبقري لا يرحم أحدًا: لا القراء الذين يتألمون عندما يقرؤون أعماله، ولا الروائيين الذين أتوا من بعده ورغبوا في كتابة شيء نفيس عن النفس الإنسانية. وألهمتني أيضًا أعمال “غونتر غراس”، وتأثرتُ بروايته “في خطو السرطان” التي أراها العمل الأدبي الأقرب للكمال الفني. هذا المؤلف له أسلوب أدبي يشبه الموسيقى الكلاسيكية المهيبة، وطريقته في صنع الموقف الكوميدي تشبه مزح تشيخوف وفكرته المعقدة عن الطُرفة. وبذا لا يمكنك مثلاً فهم سخرية غراس المبطنة إلا بقراءة العمل من الصفحة الأولى وحتى الصفحة الأخيرة. كما أُقدِّر كثيراً أعمال بلزاك، ستندال، تولستوي، أنطونيو تابوكي، جوزيه ساراماغو، جون كويتزي، كافكا، مارك توين، هرمان هيسه، جورجي أمادو، ماريو يوسا، هرمان ملفيل”.

صناعة الأصنام

مصطفى أبو مسلم
الروائي المصري مصطفى أبو مسلم: لقد أصبحت الجوائز أداة تخطيط للمشهد الأدبي

يسرد لنا الشاعر المصري “مصطفى أبو مسلم”، الحاصل على المركز الأول بجائزة أخبار الأدب فرع الشعر العامي، تجربته الشخصية في رواياتٍ ألهمته فيقول:

رواية أيتالو كالفينو

لو أنَّ مسافرًا في ليلة شتاء“، رواية الإيطالي “إيتالو كالفينو”، بالنسبة لي هي رواية من الروايات المبهرة الروايات المنقوصة، والملتبسة للمؤلفين، فإنّ بطلها الباحث عن اكتمال الحدث الذي لا يكتمل أبدًا،  وكأنَّ النقصان هو جوهر العالم، أو الرواية: وكأنَّ “الاكتمال” سراب وفكرة وهميَّة، تلك الرواية التي لا تشبه ما سبقها من إبداعات العالم، ولا تشبه على أي نحو إبداعات “كالفينو” السابقة، أو حتّى تتماسّ معها، كأنَّها ذورة الإبداع والوعي الروائي والثقافي معًا”.

يكمل “أبو مسلم” حديثه:

“أن “كالفينو” أديب ومُناظر مثير للغاية، هذا الساحر هو في الواقع مفكّر أو محترف للسرد وهو ما ليس بشائعٍ اليوم، قرأت مقالة بخصوص اجتهاده كمنظِّر لمفهوم التخييل الأدبي وغير الأدبي، من مزاياه استضماره للقضايا الرقميَّة ضمن تنظيره، ممّا يحعله جسرًا بين الورقي والرقمي، مما يجعله في النهاية يقدّم نوعًا من الدقّة الفائقة، حكاياته، طريقة بنائها وتطويرها، ستكون قريبة جدَّاً من بنية المبارزة، لعبة القتال، الإستراتيجية”.

ينهي “أبو مسلم” حديثه لمجلة أراجيك، وينتقل بنا إلى مشكلة التأثَّر فيقول:

“المشكلة هي أن المشهد العربي حاليَّاً مليء بكتَّاب يعيدون إنتاج بعضهم البعض ويعيدون إنتاج أنفسهم وإعادة إنتاج التراث والأدب المترجم أيضًا، نادرون هم من يغرّدون خارج السرب أو القطيع! كي أكون صادقًا، فمن يقدّسون “نجيب محفوظ” تقديس المؤمن بإلهٍ ما، هو أيقونة أدبيَّة لا أحد يمكنه نكران ذلك، لكني أرفض فكرة التقديس وصناعة الأصنام طوال الوقت”.

 

 

0

شاركنا رأيك حول "روايات ألهمتني: حينما يقرأ الروائيُّون العرب!"