مسرح البولشوي.. أيقونة الثقافة والفن في روسيا

مسرح البولشوي
0

ما إن تسمع بالفودكا والأدب المتسم بالكآبة والثورات والإطاحة بالحكومات وفن الباليه حتى يتبادر إلى ذهنك اسم روسيا، هذا البلد الذي يمتد على مساحات واسعة ويُعرف بالتنوع العرقي والثقافي. ويعتبر مسرح البولشوي في موسكو أحد أبرز المعالم الثقافية والفنية التي يقصدها السياح والمهتمين بالفن في جميع أنحاء العالم.

انطلاقة مسرح البولشوي

مسرح البولشوي اسمه الرسمي مسرح البولشوي الأكاديمي في روسيا Academic Bolshoi Theater of Russia وتُقام على خشبته أشهر عروض الباليه والأوبرا.

في 28 آذار/ مارس 1776 منحت الإمبراطورة كاثرين الثانية (Catherine II) امتيازاً للأمير بيوتر أوروسوف (Prince Pyotr Urusov) لتنظيم عروض مسرحية وغنائية وغيرها من العروض الترفيهية لمدة عشر سنوات. إذ تم بناء أول مبنى في المسرح على الضفة اليمنى لنهر نيجلينكا (Neglinka) في شارع بتروفسكايا في (Petrovka Street)، في ذلك الوقت سُمّي بمسرح بتروفسكي القديم (Old Petrovsky Theatre)، وتمّ البناء خلال خمسة أشهر تبعاً لخطة المهندس المعماري روزبيرغ (Rozberg).

في البداية تشكلّت فرقة الأوبرا وفرقة التمثيل المسرحي، كان أعضاء الفرقتين يعودون إلى خلفيات متنوّعة ابتداءً بالفنانين الجدد وانتهاءً بالضيوف النجوم من أنحاء العالم. وكان لجامعة موسكو وناديها الرياضي دور رئيسي في ازدهار الأوبرا والدراما في مسرح البولشوي، إذ وفرا تعليماً موسيقياً جيداً بالإضافة إلى تنظيم صفوف خاصة بالمسرح.

شكّل تنظيم العروض المسرحية والترفيهية عبئاً مالياً ثقيلاً، لذلك ارتأى الأمير بيوتر أوروسوف الاستعانة بشريكٍ تجاري هو روسوفيل إنجليشمان (Russophile Englishman) ورائد الأعمال المسرحي مايكل مادوكس (Michael Maddox) الذي كان بهلواناً وميكانيكي مسرح ومحاضراً.

 الأوبرا.. عناقٌ بين المسرح والموسيقى 🎶

مسرح البولشوي تاريخياً

في منتصف سبعينيات القرن السابع عشر، كانت عدة فرق صغيرة تقدم العروض في قصر الكونت فورونتسوف. في العام 1780 تم افتتاح أول مبنى مسرح دائم في موسكو إلّا أنّه تعرّض لحريق كبير في العام 1805 ميلادية، ثمّ أُعيد ترميمه.

تقرر إنشاء مديرية المسارح الإمبراطورية في موسكو على غرار مديرية المسارح الإمبراطورية في سان بطرسبرغ، وفي العام التالي تمّ ذلك وحصل البولشوي على مكانة إمبراطورية.

إثر الحريق الذي لحق بمسرح بتروفسكي، بدأت الشركة المكونة من فرق الأوبرا والتمثيل المسرحي بالظهور على مسارح أخرى، وفي عام 1808 بدأوا العرض على مسرح أربات الجديد الذي صممه كارلو روسي (Carlo Rossi).

في العام 1819 تم الإعلان عن مسابقة لتصميم المسارح، فاز بها أندريه ميخائيلوف وهو أستاذ في أكاديمية الفنون، إلّا أنّ تصميمه كان مكلفاً للغاية هذا ما أدى إلى تكليف المهندس جوزيف بوفي Joseph) Bové) بوضع التصميم من قبل حاكم موسكو ديمتري غوليتسين (Dmitry Golitsyn).

في يوليو 1829 بدأ العمل على بناء المسرح الجديد، الذي كان من المزمع جعله أيقونة يقصدها الناس من كل مكان. الواجهة عبارة عن رواق ضخم مكون من ثمانية أعمدة يعلوها تمثال أبولو في عربة يجرها أربعة خيول.

مسرح البولشوي
تمثال أبولو، واجهة مسرح البولشوي

تم افتتاح المبنى الجديد في عام 1825، وأُقيم حفل افتتاح رسمي وضخم لمسرح بتروفسكي الجديد، وباعتباره كان أكبر بكثير من سابقه فقد عُرِف لاحقاً باسم مسرح بتروفسكي الكبير (البولشوي). كان المسرح الجديد ضخماً للغاية، ويحوي صالات عرض حيث يمكن للجمهور التنزه في أرجائه، كما يحوي العديد من الأمكنة والغرف لمن يرغب من الجمهور بأخذ قسط من الراحة، بالإضافة إلى قاعة ضخمة تستوعب أكثر من ألفي شخص.

مبنى مسرح البولشوي الجديد الذي افتتح في 18 كانون الثاني/يناير عام 1825

تدمّر المسرح مرة أخرى في العام 1853 بفعل حريقٍ استمر لثلاثة أيام، أكلت النيران كل شيء في طريقها من آلات المسرح والأزياء والآلات الموسيقية والتذكارات حتى أنّ المبنى تمّ تدميره بالكامل تقريباً. لكن سرعان ما أُعيد بناؤه وتوسيعه بسرعة قياسية في العام في 1856 ليكون جاهزاً في يوم تتويج القيصر ألكسندر الثاني.

مسرح البولشوي
ساحة مسرح البولشوي في افتتاحه عام 1956

مع نهاية القرن التاسع عشر أصبحت إنتاجات البولشوي للأوبرا والباليه الروسية والأوروبية ذات تأثيرٍ واضحٍ وجليّ على فنون الأداء والعروض في جميع أنحاء العالم الغربي.

في العام 1924 أُضيفت قاعة أخرى صغيرة إلى مبنى المسرح، لاحقاً في العام 1961 أُضيف قصر المؤتمرات في الكرملين إلى قاعات المسرح، وتم تخصيصه للعروض الضخمة كونه يتسع لحوالي 6000 شخص.

في 29 تشرين الأول/ أكتوبر 2002 جرى العمل على قدمٍ وساق لتطوير المسرح، واستمر مشروع الإعمار هذا حتى 28 أكتوبر 2011، إذ تم العمل على إبراز الميزات المفقودة للمبنى التاريخي وتجهيز المباني فيه بأفضل التقنيات على مستوى العالم.

مسرح البولشوي

المبنى الحديث لمسرح البولشوي هو المبنى الرئيسي للمجموعة المعمارية في ساحة المسرح، ويتكون المسرح من قاعة تتألف من خمسة مستويات تتسع لأكثر من 2100 متفرج وتتميز بتقنيات صوتية ذات مستوى عالٍ.

فن الباليه.. حين تنطق الأجساد فنًّا 💝

التكريم الذي تلقاه فنانو مسرح البولشوي

لم يتلقَّ فنانو البولشوي الإعجاب والامتنان من قبل الجمهور وحسب، بل إنّ الكثيرين منهم قد تلقى جوائزاً على صعيد الدولة الروسية. ففي الفترة السوفيتية حصل أكثر من 80 منهم على لقب فنان الشعب في الاتحاد السوفيتي وجوائز ستالين ولينين، كما حصل ثمانية منهم على لقب أبطال العمل الاشتراكي.

مسرح البولشوي

غالباً ما تقوم فرق البولشوي بجولات وعروض في إيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من دول العالم حيث تلاقي نجاحاً كبيراً.

أبرز العروض على خشبة البولشوي

مسرح البولشوي
قاعة مسرح البولشوي

منذ إنشاء مسرح البولشوي تم عرض عدد هائل من الأعمال، وتتضمن قائمة البولشوي عروض أوبرا كثيرة مثل الشيطان روبرت Robert The Devil) 1834) وقرصان بيليني Bellini’s Pirate) 1837)، وأحصنة طروادة في قرطاج (Trojans in Carthage) للمؤلف بيرليوز (Berlioz) عام 1899 وأوبرا دون كارلوس (Don Carlos) (1917) للمؤلف الإيطالي جوزيبه فيردي (Giuseppe Verdi) وغيرها الكثير.

استضاف مسرح البولشوي العروض الأولى لعددٍ من أوبرات تشايكوفسكي (Tchaikovsky) وأرينسكي (Arensky) وغيرهم الكثير. كما ازدهر مسرح البولشوي بشكلٍ واضحٍ في مطلع القرنين التاسع عشر والعشرين، وبدأ العديد من الفنانين في سان بطرسبرغ بالسعي للمشاركة في عروض البولشوي، وأصبحت أسماء فيودور شاليابين (Feodor Shalyapin) وليونيد سوبينوف (Leonid Sobinov) وأنتونينا نيجدانوفا (Antonina Nezhdanova) معروفة على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم، ومن أشهر الملحنين الروس الذين عملوا في المسرح سيرجي رحمانينوف (Sergei Rakhmaninov).

مسرح البولشوي
المؤلف فيودور شاليابين
ليونيد سوبينوف
أنتونينا نيجدانوفا

يرتبط مجد فن الباليه في مسرح البولشوي بأسماء مثل غالينا أولانوفا (Galina Ulanova) وأولغا ليبيشينسكايا (Olga Lepeshinskaya) ومايا بليسيتسكايا (Maya Plisetskaya) وغيرهم الكثير من نجوم رقص الباليه حيث كان التركيز الأساسي على الفنانين داخل روسيا.

مسرح البولشوي
غالينا أولانوفا، أيقونة فن الباليه الروسي.
مسرح البولشوي
أولغا ليبيشينسكايا 1916-2008

في تسعينيات القرن العشرين، أصبح الاتجاه العام لمسرح البولشوي يتسم بدعوة المخرجين والفنانين الأجانب لحضور عروض الباليه الهامة، مثل كاتدرائية نوتردام وحفلات الأوبرا لفنانين كبار مثل فيردي وجاكومو بوتشيني (Giacomo Puccini) وغيرهما، كما تمّ استئناف عرض بحيرة البجع لتشايكوفسكي الغنية عن التعريف.

مسرح البولشوي في زمن التخبطات السياسية

من الجدير بالذكر أنّ مسرح البولشوي ورغم التخبطات السياسية الكبيرة قد تابع أعماله، سواء كان ذلك خلال الثورة الروسية في عام 1917 أم في فترة الحربين العالميتين، وليس انتهاءً بفترة تفكك الاتحاد السوفيتي 1990-1991.

تميزت السنوات الأولى بعد ثورة 1917 بالكفاح للحفاظ على مسرح البولشوي والحفاظ على جزءٍ من ذخيرته. إذ تمّ التهجم على عدد من أعمال الأوبريت التي عرضت على خشبته لأسباب إيديولوجية، كما تمّت الدعوة لتدمير الباليه لاعتبارها من مخلفات البرجوازية. من الأسماء التي كانت تهيمن على الأوبرا في البولشوي ميخائيل غلينكا (Mikhail Glinka) وتشايكوفسكي وألكسندر بورودين (Alexander Borodin) وريمسكي كورساكوف (Rimsky-Korsakov) وموديست مورسورسكي (Modest Mussorgsky).

مسرح البولشوي
تشايكوفسكي
عرض بحيرة البجع، تشايكوفسكي
ميخائيل غالينكا

من الجدير بالذكر أنّه في أثناء الحرب الوطنية العظمى تم إخلاء مسرح البولشوي ونقل محتوياته إلى مدينة كويبيشيف والتي تعرف حالياً باسم سمارا حفاظاً على مقتنياته من التخريب.

سبعة حقائق قد لا تعرفها عن مسرح البولشوي

كان مسرح البولشوي وما زال حتى وقتنا هذا وعلى الرغم من أنه تدمّر بفعل النيران مراتٍ عديدة وأُعيد بناؤه، مركزاً للحياة الثقافية الروسية وأحد أشهر معالم العاصمة موسكو على الإطلاق، إليك عزيزي القارئ بعض الحقائق التي قد لا تعرفها عن مسرح البولشوي:

مسرح البولشوي

  1. في البداية لم يكن المسرح وفرقته بهذه الضخامة، فقد تألفت فرقة مسرح البولشوي الأولى من 42 شخصاً فقط، كان من بينهم 8 ممثلات و13 ممثلاً و13 موسيقياً وثلاثة راقصين وأربع راقصات.
  2. كان القيصر ألكساندر الثالث Alexander III وعائلته من عشاق الفن والثقافة، وكان مسرح البولشوي من الأماكن المفضلة لديهم التي يزورونها بشكل منتظم، مع الأخذ بعين الاعتبار أن العاصمة الروسية ومقر القيصر آنذاك كان في مدينة سان بطرسبرغ، فكان وعائلته يقصدون البولشوي بهدف مشاهدة عروض الباليه والأوبرا الجديدة.
  3. خلال الحرب العالمية الثانية كانت المباني والنصب التذكارية الهامة مهددة بالتفجير، لذلك عملت السلطات الروسية على إخفاء معالم المسرح وإظهاره كبيتٍ عادي.
  4. في عام 1997 أُصدِرَت الورقة النقدية من فئة 100 روبل، والتي يمكن أن نرى على أحد جانبيها صورة مسرح البولشوي وتمثال أبولو على الجانب الآخر.
  5. مسرح البولشوي
    الورقة النقدية من فئة المئة روبل
  6. تزرع السلطات في موسكو نوعين من زهور التوليب أمام مسرح البولشوي كتقليدٍ سنوي.
  7. خلال تاريخ مسرح البولشوي الطويل تم إنتاج أكثر من 700 عرض باليه وأوبرا عل خشبته.مسرح البولشوي
  8. لم يكن من السهل في السابق الحصول على تذاكر للدخول إلى المسرح والاستمتاع بعروضه، أما الآن وبفضل التقنيات الحديثة أصبحت الأمور أسهل من السابق، إذ أنّ الموقع الرسمي للمسرح يوفر لمستخدميه في أرجاء العالم القيام بجولة افتراضية في المسرح وإلقاء نظرة على الديكور الداخلي للمسرح وحجز التذاكر والقيام بزيارته في أي وقت.

لطالما كان مسرح البولشوي رمزاً لروسيا، وقد مُنِح هذا الشرف بسبب المساهمة الكبيرة التي قدمها في تاريخ الفنون الأدائية الروسية، وما زالت هذه المساهمات العريقة مستمرة حتى يومنا هذا إذ يواصل فنانو مسرح البولشوي العمل على رفع المستوى الفني وتقديم أعظم الأعمال الفنية.

جولة افتراضية في العاصمة الساحرة “فيينا”… أفضل المدن للعيش في العالم!

لا تقدم هذه المؤسسة الراعية للفن والموسيقا الروسية إنتاجات تقليدية عالمية فحسب، بل تسعى أيضاً إلى تحدي تراثها الموسيقي الكلاسيكي من خلال تقديم عروض تجريبية جديدة باستمرار. فإذا سنحت لك الفرصة لزيارة موسكو ما عليك إلّا الاستمتاع بالمشهد الثقافي لموسكو من خلال حجز تذكرة لحضور أوبرا أو عرض باليه في مسرح البولشوي.

0

شاركنا رأيك حول "مسرح البولشوي.. أيقونة الثقافة والفن في روسيا"