خدعوك فقالوا: الآخر!

خدعوك فقالوا : الآخر
1

التضامن العربي، التعاون العربي، التوافق العربي، الانسجام العربي، السمن العربي.. إلخ. لا أذكر صراحةً ما كانت الكلمة التي تسبق لفظة العربي في درس القراءة ذلك، المهم أنها شيء ما ثم كلمة عربي. هي من تلك المفاهيم التي تُغرس فيك عندما تكون صغيراً، لكن ما إن تكبر حتى تدرك مدى هشاشتها، وترى أن أحد ما لم يعد يشتريها ولو بفلس واحد.

كان التركيب الـ -شيء ما- عربي، التضامن غالباً، أحد الأسئلة في دروس القراءة التي كانت مفروضة علينا في فترة التعليم الأساسي. وكانت دائماً الأسئلة التي تلي نص القراءة ذلك هي واجبة الحفظ، غالباً تكون ثلاثة أو أربع، وتأتي في الامتحان والمذاكرة حتماً، فلا بد من مطالعتها وفهمها.

أحد أهمها كان يتعلق بمفهوم كيف ننهض أو كيف نخرج من أزمتنا ونحسن من حالنا. أياً كان، المهم هو أنه يحمل نفس هذا الهدف، ما يعنينا هنا هو الجواب. الجواب هو الذي تدور حوله فكرتي.

كانت الإجابة أن النهوض والتغيير والتعاون والتحسين يكون من خلال إلغاء “أنا” وتعويم “نحن”، فبدون الـ نحن دائماً ستبقى الـ أنا وحيدة، فلن تستطيع فعل شيء. لذلك كيف نخرج من عنق الزجاجة التي لا تتبدى نهايتها في مرمى البصر منذ ذلك الوقت، لا بد من سحق الأنا في سبيل تعويم الـ نحن وتمجيدها.

وهذا يمكن أن نقول أنّه عين الخطأ، هو جميل ككلمات ونصوص في دروس الطلاب، لكن في التطبيق الحقيقي لا قيمة له أبداً.

يرجع السبب في ذلك أن الـ نحن هي رفاهية تتحقق عندما تتبلور الأنا وتصل إلى عليائها، بمعنى أن الـ نحن هي ثمرة شجرة الـ أنا وليس التربة التي تنشأ فيها مسبقاً.

فلو فرضنا مثلاً أن تحقيق الأنا بكامل مجدها يمثل الرقم 10، وأن أسوأ ما يمكن للأنا أن تكون عليه هو الرقم 2. يمكن أن نقول أنّ الـ نحن لا تتحقق أساساً إلا عندما تصل الأنا إلى رتبة 10، فعندما تتحقق الأنا في تلك اللحظة، تقوم بإنشاء روابط تشاركية مع الأنا المجاورة لها، الأنا التي تتمثل بـ هو وهي وهم وهن، وهكذا. فتتشكّل مجموعة “أنات” لتعطي “نحن” سليمة حقيقية قابلة للتطبيق في تربة الواقع.

أما أن تفعل مثلما كان درس القراءة ذلك، وأن تريد فرض الـ نحن بشكل جبري مهما كانت الظروف المسبقة؛ فأنت كمن يأخذ أنا من رتبة 2. أو 3. أو 4. وهكذا، مجموعة من “الأنات” الهشة التي لم تحقق ذاتها، ولم تبلور شيئاً ولم تصل إلى أي مستوى، فهي غير مهيئة أبداً لتشكيل نحن، إذ أنها مسحوقة على نطاق الأنا فكيف ستصل للمستوى الأعلى!

عندها ستجد نفسك أمام نحن ضعيفة متراخية مكونة من أنات منكفئة على ذاتها لن تنتج شيئاً، ليس تعاوناً ولا تضامناً ولا أي شيء. ربما سمن عربي كما ذكرت في بداية المقال، غير ذلك لا أعتقد.

الفردانية ليست بذلك السوء الذي تعرض فيه، بأنها ثمرة الرأسمالية الصناعية الوحشية القذرة. يا عزيزي هذا هو الواقع ماذا نفعل؟ لولا منتجات الرأسمالية الوحشية القذرة لما كنت تقرأ أنت هذا المقال أساساً وما كنت أنا لأكتبه، لذلك لن أقول لك تخلّص من مبادئك، على العكس احتفظ بها؛ بل فقط حاول أن تكون واقعياً وترى كيف يعمل العالم وبأي أساليب يسير للأمام.

ثمّ إن أولئك الذين يقولون أنّه يجب أن نحقق الـ نحن على حساب سحق أنا، هم نرجسيون لدرجة مرضية. كيف؟ سأثبت لك ذلك.

على شاشات التلفاز واليوتيوب ومختلف وسائل المعرفة ستجد نفسك أمام لفظة “الآخر”، هل فكرت يوماً ما هي هذه الكلمة بشكل دقيق؟ عملياً لا يوجد شيء يسمى آخر من أصله! ركّز معي قليلاً، أنت ومن معك تقول عن الذين يختلفون عنك الآخر! والذين يختلفون معك ومن معهم يعتقدون أنك أنت ومن معك هم الآخر!

بمعنى أن كل طرف يعتقد أن الآخر هو الآخر!

لكن لو رفعنا الكاميرا إلى الأعلى، ونظرنا للموضوع من منظور عين النسر، أو من وجهة نظر طائرة بدون طيار لو أردنا تحديث تشبيهاتنا قليلاً فنجد أنه لا آخر يوجد، كل فصيل يلقي بهذه التهمة على الطرف المقابل فقط كي يبرر تكتله في موقفه وجماعته ليس إلا!

بمعنى أنه ضمنياً هو نرجسي، لأنه لا يوجد شيء يسمى الآخر؛ بل يوجد شيء يسمى ليس نحن! أي أن الآخر وفق تعريفه الخاص، هو كل مَن هم ليس نحن! لذلك هم نرجسيون أيضاً لكن بطريقة أكثر احترافية وأشد تمويهاً.

فمَن يُطالب بسحق الأنا في سبيل تعويم الـ نحن، هو ضمنياً يمارس الأنا السلطوية الخاصة به، لأن الـ نحن كما قلنا أيضاً نرجسية قائمة على مفهوم وجود الآخر الشرير، الآخر السيء. الآخر قليل الأخلاق. الآخر قليل الدين. الآخر العنصري. الآخر الذي يتآمر علينا. وهلم جراً على كل هذه النتائج.

نعود إلى درس القراءة ذلك. وإلى السؤال الذي تمنيت أن أعرف إجابته في وقت مبكر أكثر، إلا أن التراكمية والفيزياء ببعدها الزمني قليل الذوق تفرض نوعاً من المراحل الواجب عبورها بشكل تدريجي. لأجل هذا، حاول أن تستبق الكثير من الأيام وآمن قليلاً بالأنا ولا شأن لك بالـ نحن التي يتغنى بها الجميع مهما أغرتك خطاباتها.

لأنه باختصار شديد، عندما تتبلور الأنا وتصل إلى أعلى مستوياتها، تصبح الـ نحن تحصيل حاصل لمجموعة «أنات» مُثمرة. غير ذلك كما قلنا في البداية، مجرد عناوين رنانة لم يعد أحد يشتريها بفلس.

1