لماذا كل هذا الضجيج حول الحوسبة الكوانتية؟

الحوسبة الكوانتية
0

كثيرٌ من الضجيج حول الحوسبة الكوانتية

لا شك بأن المواقع الإخبارية باتت تضج في الآونة الأخيرة بالأخبار المتعلقة بالحوسبة الكوانتية (الكمومية). فها هو رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب قد خصص مبلغاً وقدره 1.2 مليار دولار على مدى خمسة سنوات لدعم الاستثمار في الحوسبة الكوانتية 1. في حين أن الاتحاد الأوروبي قد خصص للأبحاث فيها مبلغاً وقدره 1.13 مليار دولار على مدة عشر سنوات 2. في المقابل، نجد أن كلاً من الصين وروسيا هما أيضاً جزء من هذا السباق المحموم: فالصين قد أعلنت بأنها ستفتتح مركزاً للحوسبة الكوانتية بقيمة 10 مليار دولار 3، أما من جهة روسيا، فقد تم الإعلان بأنها ستنفق 790 مليون دولار في أبحاث الحوسبة الكوانتية خلال السنوات الخمسة المقبلة 4. فما القصة يا ترى؟ ولماذا نلاحظ هذا الاهتمام العالمي غير المسبوق بهذا الموضوع بالذات؟

الفرق بين الحوسبة الكلاسيكية والحوسبة الكوانتية

لفهم ما يحصل، سنحاول الإضاءة بشكل سريع للغاية على الفروق الجوهرية ما بين الحوسبة الكلاسيكية، والحوسبة الكمومية.5

إن كلا نوعي الحوسبة، يستخدم البت كواحدة للمعلومات. ويمكن القول أن البت هو ببساطة جملة فيزيائية يمكن لنا عند قياسها أن نجدها في إحدى حالتين، نرمز للأولى بـ 0 وللثانية بـ 1. على سبيل المثال: قاطعة مفتوحة أو مغلقة، مكثفة مشحونة أو مفرغة، قطعة نقود يمكن أن تكون صورة أو كتابة، و …إلخ. ولكن الفارق الجوهري بين الحوسبة الكمومية والحوسبة الكلاسيكية، هو أن الحوسبة الكلاسيكية تستخدم ما يدعى بالبت الكلاسيكي، وهذا البت سيكون 0 أو 1 قبل أو بعد أن نقيسه ولا يمكن أن يكون في مزيج من الحالتين معاً. فلا يمكن للقاطعة على سبيل المثال أن تكون مفتوحة ومغلقة في ذات الوقت.

في حين أن الحوسبة الكمومية تعتمد على ما يدعى بالبت الكمومي، وهذا البت عند قياسه سنجده فعلاً في إحدى الحالتين 0 أو 1، إلا أنه وبسبب القوانين الغريبة لميكانيك الكم، فإن هذا البت الكمومي من الممكن أن يكون في مزيج من الحالتين قبل القياس وبنسب مختلفة، وهذا المزيج يدعى بالتراكب الكمومي! وهنا بالذات، تكمن قوة الحواسيب الكمومية: إذ يمكن لها القيام بعمليات حسابية كثيرة للغاية وعلى التوازي باستخدام هذه التراكبات، مما يجعل أفضل الحواسيب لدينا حالياً عاجزاً بشكل مخيف عن مجاراة حاسوب كمومي فيما لو تمكنا من صنع واحد عملي فعلاً، والعملية التي تستغرق آلاف السنوات مع أفضل حواسيبنا الحالية في العالم، ستستغرق ساعات وربما ثوان مع الحواسيب الكمومية إن أمكن لنا حقاً صناعتها.

ميكانيكا الكم من البداية وحتى اليوم

ماذا يعني ذلك؟

إن التطبيقات المنتظرة للحواسيب الكمومية تفوق الخيال: فغالبية أنظمة التشفير الحالية تعتمد على حقيقة رياضياتية وهي صعوبة تحليل الأعداد الكبيرة جداً إلى عواملها الأولية، ولو جرب أحدهم ذلك لعدد كبير بما يكفي فسيستغرقه إيجاد الحل بأفضل حواسيبنا الحالية آلاف السنوات. إلا أنه وبقدوم الحواسيب الكمومية، فمسألة فك هذه الشيفرات سيصبح أمراً في غاية السهولة، مما يعني خرقاً أمنياً كبيراً في العالم! فهل يعني ذلك أن نودّع الخصوصية وسرية المعلومات؟

لحسن الحظ، لا. فبسبب قدرة الحواسيب الكمومية على استغلال ظاهرة كمومية أخرى ألا وهي التشابك الكمومي (معنى ذلك لجسيمين متشابكين كمومياً هو أن قياس أحدهما سيؤثر على نتيجة قياس الآخر لحظياً ومهما كانت المسافة الفاصلة بينهما في الكون)، فقد أتت الحوسبة الكوانتية بطريقة جديدة يمكن من خلالها ضمان الأمن التام للمعلومات. 6

إضافة لذلك، وبما أن سلوك الذرات والجزيئات هو سلوك كمومي، فالكمبيوترات الحالية لدينا تعجز عن محاكاتها تماماً. ولكن بقدوم الحواسيب الكمومية، وكونها تعمل وفق قواعد ميكانيك الكم نفسها، فستحصل لدينا ثورة نتيجة تمكننا من محاكاة الذرات والجزيئات بشكل دقيق. وهذه الثورة ستتمثل في صناعة الأدوية الجديدة التي نرغب بها وبتصميمها كما نريد، إضافةً لصناعة مواد جديدة بالخواص المرغوبة لنا كالنواقل الفائقة التي تعمل في درجة حرارة الغرفة. هذا عداك عن الثورة الهائلة التي ستحدث في مجال الذكاء الصنعي بسبب قدرة الحواسيب الكمومية الكبيرة على تمييز الأنماط من جهة، وقدرتها على إيجاد الحلول الأمثل لبعض المسائل وبسرعة فائقة من جهة أخرى. كل ما ذكرناه، وغير ذلك الكثير، هو ما تعد به الحواسيب الكمومية.

لذلك، يمكننا القول حقاً، بأنها الثورة الجديدة القادمة في تاريخ البشرية، والتي قد تعادل فعلاً الثورة الزراعية أو الصناعية. ومن هنا يتجلّى هذا الاهتمام الكبير بها في العالم بأسره اليوم.

الإنتروبي من نظرية المعلومات وحتى التشابك الكمومي

المراجع

0

شاركنا رأيك حول "لماذا كل هذا الضجيج حول الحوسبة الكوانتية؟"