أن “تحرق” نفسك في العمل ليس مجرد كلمة تقال وإنما مشكلة حقيقية!

متلازمة الاحتراق النفسي المهني
0

“أنت تحرق نفسك في العمل!” هي جملة نسمعها كثيراً من المقرّبين بعد يوم طويل ومتعب من العمل، ذلك العمل الذي يحظى بمعظم وقتك وكلّ اهتمامك، لدرجة تجعلك تتجاهل جوانب حياتك الأخرى. انتبه! من الممكن أن يكونوا على حق وأنك -حرفيّاً- “تحرق نفسك” ومصابٌ بما يُعرف طبيّاً بمتلازمة الاحتراق النفسي المهني التي سنتعرف عليها في هذا المقال!

احذر التعرض للقلق والصدمات النفسية

متلازمة الاحتراق النفسي المهني Occupational Burnouts Syndrome

تعد هذه المتلازمة أحد أشكال الضغط والإرهاق العاطفي، العقلي وكذلك الجسدي، الناتج عن عدد ساعات العمل الطويلة والمجهدة. تبدأ المتلازمة بشعور الشخص بالارتباك ونقص الطاقة والقدرة على تلبية متطلبات العمل التي لا تنتهي، فيبدأ التوتر. مع استمرار حالة التوتر وعدم الراحة، يؤدي الإرهاق إلى تراجع فعليّ في الإنتاجيّة وتزايد الشعور بالعجز والاستياء حتى يغيب الاهتمام والدافع الذي دفع الشخص إلى القيام بالعمل في المقام الأوّل. يليه الشعور بالسخط وعدم التقدير ليس لنفسه فقط وإنما لتعب وجهد الآخرين. ومع تفاقم الحالة، يخرج الإرهاق عن نطاق العمل والفرد ليطال الحياة الاجتماعية والصحة الجسدية أيضاً.

الاحتراق النفسي المهني

صحيح أن المتلازمة لم تصنّف كحالة طبية في المراجعة الحادية عشرة للتصنيف الدولي للأمراض (ICD-11) المجراة في 28 مايو 2019، ولكنّ تم الاعتراف بها -من قبل المراجعة نفسها- كظاهرة مهنية موثّقة ومعتَرَف بها. وتم توصيفها من قبل ICD-11 على الشكل التالي:

الاحتراق النّفسي عبارة عن متلازمة إجهادية ناتجة عن العمل لفترات طويلة ،ولهذه المتلازمة ثلاث أبعاد:

  • الشعور بنفاذ الطاقة.
  • فقدان الشعور بالانتماء والارتباط بالعمل مع زيادة المشاعر السلبية ومشاعر السخرية من العمل.
  • بالنتيجة؛ انخفاض الكفاءة المهنية.

على أن يستخدم مصطلح الاحتراق النفسي لتوصيف الإجهاد الناتج عن العمل فقط لا الناتج عن المجالات الأخرى في الحياة.

عدة أسباب محتملة للإصابة بمتلازمة الاحتراق النفسي المهني

  1. عبء العمل Workload: عندما يكون حجم عملك متناسب مع قدراتك، ستكون أكثر قدرة على إنجازه بفاعلية وسيكون لديك وقت كافي للراحة والتعافي من التعب، كذلك الوقت لتنمية مهاراتك وتطوير عملك. أما عندما يكون العمل أكثر من المستطاع فإن هذه الفرص لاستعادة التوازن والتطوير غير موجودة.
  2. إلتماس نقص السيطرة Perceived lack of control: ينتج ذلك عن الشعور بعدم الاستقلالية وبمحدودية الموارد المتاحة لك، كذلك الشعور بأنك لست صاحب القرار في أي من مجريات حياتك المهنية؛ كأن تشعر بأنك مجبر لأن تكون دائماً على أهبة الاستعداد لأي طلب من المدير في أي وقت كان، أو أن الأوليات في العمل متبدلة باستمرار بحيث لا تتمكّن من فهم مجريات الأمور وبالتالي لن تتمكّن من توجيه جهودك نحو الهدف المطلوب.
  3. المكافأة على العمل Reward والشعور بالإنصاف Fairness: من المحبط أن تشعر أن حجم التقدير المادي والمعنوي أقل بكثير من حجم الجهود التي تبذلها، ويمكن أن يكون سبباً مهماً لفقدانك الدافع  وشعورك بالإرهاق.
  4. المجتمع Community: يقصد به مجتمع العمل؛ كعدم شعورك بالراحة في مكان العمل بسبب زملاء مكتب متنمرين ومزعجين، أو نقص التقدير وعدم الثقة من قبل المدير. أيضاً، المجتمع المحيط بك خارج العمل؛ كأن تشعر -على سبيل المثال- بغياب الدعم والتفهّم من قبل أفراد أسرتك لطبيعة عملك.
  5. عدم تطابق القيم Values mismatch: عادةً ماتكون المثل العليا راسخة في أذهان كلّ من الأفراد والمنظمات. فإذا كنت تؤمن بشيء ما لا تقدره الجهة التي تعمل لديها، أو إن كنت غير موافق على دوافع وتوجهات تلك الجهة فقد يتراجع لديك الدافع للمثابرة والعمل الجاد. لذلك، فعند شعورك بالتعب لهذا السبب تحديداً فحريّ بك التفكير جديّاً بأهمية هذا المعتقد لديك ومدى قدرتك على وضعه جانباً أثناء العمل.

مرحباً بك في عالم الكبار

عوامل الخطورة في تحوّل تعبك من العمل إلى متلازمة احتراق

  • إذا كنت تعطي عملك وقتاً أكثر من اللازم وتجد صعوبة في الموازنة بين حياتك العملية وحياتك الشخصية.
  • إذا كان لديك أعمالاً إضافية إلى جانب عملك المجهد والمرهق بالأساس.
  • إذا كنت تحرص دائماً على القيام بكل الأعمال وأن تكون المحور الأساسي والمساعد للجميع.
  • إذا كنت تعمل في مهنة خدمية، كأن تكون طبيب أو عامل رعاية صحيّة.
  • إذا كنت تشعر أن سيطرتك على زمام الأمور في العمل ضئيلة أو معدومة.
  • إذا كان عملك روتيني ورتيب والمجال فيه ضيّق للتوسّع والتطوير.

متلازمة الاحتراق النفسي المهني

أعراض وعلامات يمكن أن تواجهها إذا كانت لديك متلازمة الاحتراق النفسي المهني

لتجنّب الوقوع في حفرة الإرهاق، لا بد أن تكون على دراية بأهم المظاهر والعلامات النفسية والجسدية لهذه المتلازمة وأهمها:

  • التعب المزمن: في المراحل المبكرة، قد يقتصر التعب على الشعور بانخفاض الطاقة ونقص الرغبة في القيام بالنشاطات المختلفة. أما في المراحل المتقدمة، فقد يتحوّل التعب إلى شعور مستمر بالإرهاق الجسدي والاستنزاف العاطفي وعدم القدرة على التفاعل مع المحيط.
  • الأرق وصعوبات النوم: في البداية يكون الأرق ليوم أو يومين خلال الأسبوع، لتدخل لاحقاً في حلقة مفرغة (كلما زاد التعب، زاد الأرق وقلّت القدرة على النوم).
  • القلق: اضطراب الذاكرة وعدم القدرة على التركيز؛ إن النسيان وضعف التركيز المعتدل من العلامات المبكرة. لاحقاً، ستصل المشكلة إلى الحد الذي لن تتمكن عنده من إنجاز مهامك وتبدأ بمراكمتها.
  • الأعراض الجسدية: تشمل الأعراض الجسدية آلاماً في الصدر، الشعور بخفقان القلب، ضيق التنفس، آلام في الجهاز الهضمي، الدوّار والصداع المتكرر، إضافة لآلام متعددة مزمنة غير مستجيبة لأنواع العلاج المختلفة.
  • زيادة الإصابة بالمرض: نظراً للإرهاق والتعب الدائم، تتأثر مناعة الجسم ليصبح أكثر عرضة للإصابة بالالتهابات، نزلات البرد، الإنفلونزا وغير ذلك من المشكلات الطبية المتعلقة بالمناعة.
  • فقدان الشهية.
  • الإكتئاب: الحزن الخفيف المتقطع أو مشاعر الذنب ونقص تقدير الذات من المؤشرات على بدء المتلازمة التي قد تتطور في حال عدم استدراكها إلى اكتئاب شديد وحتى إلى ميول انتحارية.
  • الغضب: من المألوف حدوث نوبات خفيفة من الغضب أو الاستياء بسبب الإرهاق وضغوطات العمل، لكن نوبات الغضب هذه يمكن أن تصبح خطيرة عندما تؤدي بالشخص لتعنيف وإيذاء نفسه أو الآخرين من حوله سواء جسدياً أو لفظياً.

متلازمة الاحتراق النفسي المهني

فإن كان أيّ مما سبق قد لامسك بطريقة أو بأخرى، حريّ بك أن تعيد تقييم أولوياتك وتسألَ نفسك بشكل جاد وحقيقي إن كان ما تواجهه في العمل يستحق فعلاً أن تضحي بصحّتك الجسدية والنفسية في سبيله. كذلك أن تسأل نفسك عمّا إذا كانت هناك أيّة أنشطة ترغب القيام بها أو أي مهارة ترغب باكتسابها لكن عملك الطويل والمجهد يقف عائقاً ليس فقط أمام القيام بما ترغب ولكن أيضاً أمام حتى تقدّمك في العمل نفسه.

وأخيراً تذكّر أن تهتم بصحتك وتعطي جسدك الراحة التي يحتاجها. فالشخص الصحيح جسدياً ونفسياً يستطيع أن يكون فاعلاً ومنتجاً أكثر بكثير من شخص مستنزفة قواه في اللاجدوى.

متلازمة الدخيل.. القاتل الصامت للنجاح!

0

شاركنا رأيك حول "أن “تحرق” نفسك في العمل ليس مجرد كلمة تقال وإنما مشكلة حقيقية!"