طوق الحمامة: أشهر ما كتب عن الحُبّ والهوى عند العرب

غلاف طوق الحمامة
1

دائمًا عندما يأتي الحديث عن الأدباء الذين تحدثوا عن الحُبّ يقفز مباشرة إلى الذهن أسماء عديدة، مثل: نزار قباني، أو إحسان عبد القدوس، أو كافكا ومالينا، غادة السمان وغسان كنفاني، مجنون ليلى وغيرهم.

لكن هذه المرة الحب يأخذ منحى آخر غير معتاد عند العرب عمومًا، لأنه جاء من رجل مشهور بأن الفئة التي ينتمي إليها لا تتحدث عن الحُبّ إلا في إطار معين، أشهرهم الحب بين الزوج والزوجة، ويستشهدون بحب النبي محمد عليه الصلاة والسلام لزوجاته مثل خديجة وعائشة، فقد ورد عنه في الأثر الكثير مما دلل على حبه لهما.. إنه الإمام الفقيه الموسوعي الشهير صاحب المذهب الظاهري “أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد”، والمعروف باسم “ابن حزم الأندلسي”.

فقد كتب “ابن حزم” كتابه الأشهر “طوق الحمامة في الإلفة والألاف“؛ ليكون فيما بعد أدق وأروع ما كتب العرب في دراسة الحب ومظاهره وأسبابه في الحضارة العربية والإسلامية، بحسب وصف الباحث والفيلسوف الإسباني الشهير “jose Ortegay gasset – خوسي أورتيجا إي جاسيت” في تقديمه للترجمة الإسبانية للكتاب عام 1952.

طوق الحمامة
غلاف كتاب “طوق الحمامة في الإلفة والألاف” طبعة مؤسسة هنداوي.

في الأصل، ألّف “ابن حزم” كتابه “طوق الحمامة” تلبية لرغبة صديق له، طلب منه أن يكتب ويصنف له رسالة في صفة الحب ومعانيه وأسبابه وأعراضه، فكتب له عن ذكريات صباه مع جواريه وجواري أبيه وهن ملك يمينيهما، وما استحسنه من غنائهن وهو لم يبلغ بعد خمسة عشر عامًا، فيقول في أحدى صفحات الكتاب:

“كنت أشد الناس كلفًا، وأعظمهم حبَّا، بجارية لي، كان فيما خلا اسمها نُغم، وكانت أمنية المتمنّي، وغاية الحسن خُلقًا وخَلقًا وموافقة لي. وكنت أبا عذرها، وكنا قد تكافأنا المودة ففجعتني بها الأقدار، واختَرَمَتُها الليالي ومّر النهار، وصار ثالثة التراب والأحجار، وسنّي حين وفاتها دون عشرين سنة، وكانت هي دوني في السنّ”. 

طوق الحمامة والحب عند العرب

والموضوعات عند ابن حزم متعددة منها “الكلام في ماهية الحب”، “باب علامات الحب”، “باب من أحب بالوصف”، “باب من أحب من نظرة واحدة”، “باب الواشي”، “باب الوصل”، “باب الهجر”، “باب الوفاء”، وفي ختام كتابه “باب قبح المعصية”، “باب فضل التعفف”.

يقول الأندلسي في الكلام في ماهية الحب”: (الحب أوله هزل وآخره جد. دقت معانيه لجلالتها أن توصف، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة، وليس بمنكر في الديانة، ولا بمحظور في الشريعة، إذ القلوب بيد الله عز وجل، وقد أحب من الخلفاء المهديين والأئمة الراشدين الكثير). ويمثل على ذلك بحب عبد الرحمن بن معاوية لامرأة اسمها دعجاء، ومحمد بن عبد الرحمن لغزلان.

ويطرح ابن حزم سؤالًا ما زال يُثار إلى الآن: هل أمر الحبّ له علاقة بالشكل أم بالروح؟ ويؤكد أن الأمر مرتبط بالروح فيقول: (ولو كان علة الحب حسن الصورة الجسدية لوجب ألا يستحسن الأنقص من الصورة). وله في ذلك شعر يقول فيه:

ودادي لك الباقي … تناهى فلم ينقص بشيء ولم يزد

وليست له غير الإرادة علة … ولا سبب حاشاه يعلمه أحد

وفي “باب علامات الحب” صنف علامات ودلائل بعضها مثل: إدمان النظر للمحبوب، الإقبال بالحديث، الإسراع بالسير نحو المكان الذي يكون فيه، اضطراب المحب عند رؤية من يحبه. ويقول في العلامة الأخيرة:

إذا ما رأت عيناي لابس حمرة … تقطع قلبي حسرة وتقطرا

والحب من أول نظرة جاء بالمعنى نفسه فيقول: (وكثيرًا ما يكون لصوق الحب بالقلب من نظرة واحدة). وحكى قصة الشاعر الرمادي والجارية التي أحبها ورآها مرة واحدة وقال فيها:

لم ألقها قبل إبصاري فأعرفها … وآخر العهد منها ساعة النظر

وحتى العِراك والشحناء بين المحبين ذكره ابن حزم فيقول: (والفرق بين هذا وبين حقيقة الهجرة المتولدة عن الشحناء ومخارجة التشاجر سرعة الرضى، فإنك ترى المحبين قد بلغا الغاية من الاختلاف الذي لا يقدر، فلا تلبث أن تراهما قد عادا إلى أجمل صحبة، وانصرفا في ذلك الحين بعينه إلى المضاحكة والمداعبة).

دقة وتفاصيل أنواع الحُبّ

أنواع النظرات بين المحبين، واحدة من التفصيلات الدقيقة التي جاء بها الأندلسي فيقول: (فالإشارة بمؤخر العين الواحدة نهي عن الأمر، وتفتيرها إعلام بالقبول، وإدامة نظرها دليل على التوجع والأسف، وكسر نظرها آية الفرح، والإشارة إلى إطباقها دليل على التهديد، وقلب الحدقة إلى جهة ما ثم صرفها بسرعة تنبيه على مشار إليه، والإشارة الخفية بمؤخر العينين كلتاهما سؤال).

كما أن هناك نوعين من إذاعة الحب، فليس كل من يعلنه للعامة محب حقيقي: (منها أن يريد صاحب هذا الفعل أن يتزيا بزي المحبين ويدخل في عدادهم، وهذه دعوى في الحب زائفة، وربما كان من أسباب الكشف غلبة الحب وتسور الجهر على الحياء، فلا يملك الإنسان حينئذ لنفسه صرفًا ولا عدلًا).

وفي باب الطاعة: (ومن عجيب ما يقع في الحب طاعة المحب لمحبوبه، وصرفه طباعه قسرًا إلى طباع من يحبه، وربما يكون المرء شرس الخلق، صعب الشكيمة، جموح القيادة، ماضي العزيمة، حمي الأنف، أبي الخسف، فما هو إلا أن يتنسم نسيم الحب، ويتورط غمره، ويعوم في بحره، فتعود الشراسة لياناً، والصعوبة سهولة والمضاء كلالة، والحمية استسلاماً).

طبعة دار المعارف
غلاف كتاب “طوق الحمامة في الإلفة والألاف” طبعة دار المعارف المصرية.

الحُبّ العذري

ويستمر معنا الكتاب في ذكر الأخبار والتعريفات وتنويعات الحب، ويورد أشعارًا كتبها المؤلف، وفي نهاية الكتاب فصلان (باب قبح المعصية، باب فضل التعفف).

فيعترف ابن حزم بعزوفه عن كل ما هو جنسي محرم، ويقول: (إنّي أقسم بالله أجلّ الأقسام أنّي ما حللت مئزري على فرج حرام قطّ، ولا يحاسبني ربّي بكبيرة الزنا منذ عقلت إلى يومي هذا).

وهنا يعود إلى مرجعيته الإسلامية الفقهية، فهو وإن كان يتحدث عن الحب إلا أن الجانب الوعظي يصعب التغاضي عنه، فيقول: (قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: من وقاه الله شر اثنتين دخل الجنة، فسئل عن ذلك فقال: ما بين لحييه وما بين رجليه).

ويعقب: (وما رجل عرضت له امرأة جميلة بالحب وطال ذلك، ولم يكن ثم من مانع، إلا وقع في شرك الشيطان، واستهوته المعاصي)، ثم يختم كتابه بالحديث عن فضل التعفف.

ورغم وجود الجانب الديني في نهاية الكتاب، إلا أنني أرى أن كتاب طوق الحمامة هو فكر مغاير في وقته. ويبقى ابن حزم المتوفى 456 هجرية صاحب مبادرة، ويبقى المحقق الدكتور الطاهر أحمد مكي صاحب فضل في تحقيق هذه النسخة التي بين أيدينا الآن طبعة دار المعارف.

وقد اشتهر “ابن حزم” بإنتاجيته الأدبية واتساع نطاق علمه وإتقان اللغة العربية. حيث أنتج حوالي 400 عمل، تغطي مجالات الفقة والمنطق والتاريخ والأخلاق والدين المقارن وفن الحب.

1

شاركنا رأيك حول "طوق الحمامة: أشهر ما كتب عن الحُبّ والهوى عند العرب"