زمن زورو أم زمن سبونج بوب؟

زمن زورو أم سبونج بوب
2

في الأوساط البيولوجية الحديثة، لا سيما فيما يتعلّق بموضوع أخلاقيات الحيوانات وحقوقها، إضافةً للخطوط العريضة التي تفصل فيما يجب وما لا يجب فعله. ظهرَ مُصطلح حديث الصكّ يدعى: “Speciesism“. وهو ما يُمكن ترجمته بـ “العنصرية النوعية” أو التعصب للنوع.

أي مثلاً، الإنسان يمارس نوعاً من العنصرية والتعصب للنوع الإنساني فقط لأنه ينتمي إليه. بينما بقية الموجودات مِن حيوانات وأشجار وصخور وأنهار وجبال وطُرق سريعة، فهي ليس لديها أي قيمة، كونها لا تنتمي إلى نوع الإنسان، ولا تمت إليهِ بصلة.

سنستخدم نفس المعيار السابق لنصكّ مصطلحًا آخر موازي يختلف في النوعية لكنه يملك نفس المقومات الدافعة، سنطلق على التركيب “العنصرية الزمنية”. والتي يمكن أن نعرّفها باختصار أنّها التحيز والتعصب لفترة زمنية ما، فقط لأنك وُلدت فيها. والتي تتمثل غالباً بالصراع الدائر باستمرار بين الآباء والأبناء. وبين كل جيل قديم سابق ومَن يأتي بعده جديد لاحق.

فيرى الأب في أن زمانه الذي كان يدرس به على الشمعة داخل فك التمساح، هو أفضل وقت ممكن للإنسان أن يعيش به. قمة الأخلاق والتربية والاحترام وكثافة الشوارب، أما الابن فيرى في جيل الآباء مجرد مستحاثات قد اعتلاها الغبار وآن أوان تقاعدها عن العمل بسبب بطئها وتثاقلها وعدم مواكبتها لموجة الحداثة التي لا بد منها.

صراع الأجيال

وكلٌ منهما يرمي الكرة باتجاه الآخر. الآخر غير المعيّن والضبابي كما قلنا في تدوينتنا السابقة هنا.

أياً كان، دعنا نأخذ مثالاً يوضّح الفكرة أكثر، ونطلّب منك عزيزي القارئ أن تشاهد شارة مسلسل الكارتون زورو التالية، والتي تنتمي للجيل ما قبل الأخير، المعروف بجيل التسعينيات، الذي لم يعاصر التكنولوجيا إلا في مرحلة متأخرة من فترة شبابه.

هل رأيت ذلك البطل الوسيم زورو كيف يتدخل في اللحظات الحاسمة وينصر المظلومين ويحمي الضعفاء دون الكشف عن شخصيته كما يفعل جميع النبلاء؟ انظر إلى مدى شجاعته واقدامه وبسالته. هل تتخيل كمية القيم العُليا التي تعرّض لها الجيل الذي شاهد هكذا كرتون في طفولته؟ هل تتخيل مدى التربية الصحيحة والتنشئة السليمة التي سيكون ترعرع عليها وتشربها في صغره؟

الآن ندير قليلاً الشاشة، لنرى محطة تلفزيونية أخرى تعرض كرتوناً آخراً. تعرض إسفنجة صفراء بطيئة الاستيعاب تدعى سبونج بوب، لديها صديق مغفل على شكل نجمة بحر يدعى بسيط.

لا قيم لا شجاعة لا بطولة لا شيء مفيد، فقط بلاهة وسذاجة وحس فكاهي في أدنى المستويات، عارضةً بذلك حياة كائنات غير مفيدة في شيء، تعيش ضمن أعماق البحار، تعمل في مطعم صاحبه سلطعون بخيل، يدعى مستر سلطع.

هل لك أن تتخيل مدى السوء الذي نشأ عليه الجيل الذي رأى هكذا كرتون في طفولته؟ كيف سيكبر إن كان هذا ما قد تشرّبه في صغره؟

بعد أن عرضنا هذين النموذجين، لا بد من طرح السؤال التالي: أي النماذج هي أحسن؟ هل حقاً الجيل الأول صاحب زورو أفضل من جيل سبونج بوب؟ هل كل جيل سابق أفضل من اللاحق؟ فلو استبدلنا زورو وسبونج بوب مع مثال نسبي من كل عصر، نجد أن المسميات فقط تختلف، لكن تبقى الفكرة نفسها. الأقدمون هم الأفضل. المتأخرون هم السيئون. هل هذا الكلام محق؟ أو بشكل أدق، هل أساساً هناك حرية اختيار هنا؟

لا يمكننا الإجابة على هذه التساؤلات لأن معيار الحكم في صُلبه معطوب، فمن المغالط القول أنّ جيل أفضل من جيل، أي المقارنة بمعيار التفاضل. بل هل سلوكيات هذا الجيل مفيدة لزمنه ومتناسبة مع بيئته أم لا؟ لو طبقنا هذا المعيار، لوجدنا أن كلاهما جيدان وكلاهما متناسبان.

الجيل الذي يتغنّى بأنه لا يشاهد التلفاز حالياً. هو نفسه الجيل الذي يجلس على الإنترنت 20 ساعة يومياً! ليس هناك جيل أفضل من آخر. الحقيقة أن كل جيل هو استجابة لظروف بيئية متعددة، وما توجهاته وسلوكياته إلا تعبيرات عنها بشكل أو بآخر.

أي أنه عملياً، جيل التلفاز وجيل زورو، لم يختاروا التلفاز ولم يختاروا زورو، هم فقط ولدوا في تلك الفترة، فمجدوها واتخذوا معاييرها كمبادئ عابرة للزمان والمكان. نفس الأمر مع جيل الانترنت وسبونج بوب، سيفعلوا التنمر ذاته مع الذين سيأتون مُستقبلاً، وهكذا دواليك دائماً وأبداً، تتجلى ملامح العنصرية الزمنية أكثر وأكثر.

مع العلم أنه يجب عدم إنكار وجود قيم وفوائد عابرة بغض النظر على تواقيتها، لكن يبقى العامل المهم هو التناسب مع الزمن والاستجابة للبيئة، لديك قيمة نبيلة جداً لكنها لم تعد صالحة الآن. ما هي أهميتها إذن؟

تخيّل أن تكون صانع سيوف ممتاز لا يشق له غبار، في عهد الأسلحة والقنابل النووية، ما قيمة ذلك؟ لا شيء. أنت محترف جداً في صناعة السيوف لكن الزمن قد تغيّر، وقضى على هذه القيمة فلم يتبقَّ منها إلا ذكريات ونياشين تعلّق على جدران الحائط، أو على جدران الذاكرة كأمجاد قديمة.

لو أردنا الاستطراد قليلاً، وإعطاء الأمر بُعداً فلسفياً تاريخياً، لا بد من القول أنّ للتاريخ خطين يسير فيهما دائماً. الخط الأول هو مستقيم مستمر يتجه نحو نقطة النهاية. والخط الثاني أو النموذج الثاني هو دائري يتجه التاريخ فيه نحو نقطة تقع على دائرة لاكمال دورة حضارية ما، متجهاً بذلك إلى النهاية التي ما هي إلا البداية نفسها، فقط مع تبديل التاريخ والزمن. ومع تغيير الناس وأجيالهم.

يُعرف النموذج الثاني فلسفياً باسم “نظرية العود الأبدية”. وهو ما تم تبنيه من قبل معظم الأديان، والفلسفات والعقائد الكبرى على مر التاريخ ففكرة الدائرية تقوم على جوهر مهم جداً هو تدنيس الحاضر ورفضه، وكأن الدين أو الفلسفة تقول لنا دائماً: ما هذا الذي يحدث في الوقت الحالي؟ إنه خاطئ حتماً. ارفضوه قولاً واحداً، ودعونا نعود للماضي. دعونا نكمل الدائرة، ونرجع لنقطة البداية، نرجع للأصل، نفنى في حلقة العودة الأبدي.

أما التوجه التاريخي الخطي فهو يخالف هذا كله. إذ يفترض عدم التكرار والاتجاه نحو نقطة نهاية حتمية، وهو ما ناقشه الفيلسوف فرانسيس فوكوياما في نظريته عن نهاية التاريخ، وعن أن العالم سينتهي في نظام عالمي واحد تسود فيه قيم إنسانية عالمية شاملة، تصب فيها جميع الفلسفات والتوجهات والأنظمة.

لو عدنا لسبونج وبوب وزورو لوجدنا أن صراعهما وما يمثلوناه من أجيال وميول، هو في الحقيقة صراع سيرورات تاريخية / فلسفية، لا يزال الجدل قائماً ويدور حولها، فالجيل الذي يرفض الذي بعده ويمجد الذي قبله، هو في الحقيقة يدور في حلقة العود الأبدية، متهماً الحاضر والمستقبل بالخطأ وأنه يجب علينا أن نعود للماضي. بينما الجيل الجديد باسفنجاته الصفراء، يمثل السيرورة التي تتجه نحو النهاية الحتمية، الإنسان بلا فواصل وحدود. الإنسان الذي يعيش في عالم واحد، مع قيم واحدة، تحت إطار مبادئ واحدة، صابّاً في نهاية واحدة.

الآن نكرر سؤالنا مرةً أخرى. أيهما الصحيح، سبونج أم زورو؟

لا أحد. لأنه لو وضعنا سبونج بوب في زمن زورو لنشأً مثلهُ وأصبح زورو، ولو أخذنا زورو ووضعناه في زمننا الحالي لأصبح كسبونج بوب بليداً مغفلاً. هذه الأجيال لم تختر ما هي عليه بقدر ما كانت وعاءً للظروف الحاكمة المحيطة بها، أما ما يتبع ذلك من تمجيد لتلك الفترات والأزمنة، فهو كما قلنا فلسفياً، رغبة في تكرار حلقة العود الأبدية والتشديد على رفض الحاضر السيء تحت مظلة عنصرية زمانية يمارسها الإنسان ليس إلا.

لماذا أحب جيلي أكثر من الجيل القادم؟ ولماذا الجيل القادم سيحب جيله أكثر من الجيل الذي سيأتي بعده؟

الإنسان كائن نرجسي. يرى في أي شيء موجود فيه سواءً زمن، جيل، مكان عمل، بلد، دين، توجه فلسفي، تحزّب سياسي، أفضل معيار وتقويم للكون وغير قابل للتكرار أبداً، فهو دائماً وتر المثلث القائم، هوَ دائماً القطر الكبير لدائرة العود الأبدي غير المنتهية.

2

شاركنا رأيك حول "زمن زورو أم زمن سبونج بوب؟"