0

رزقت بطفلة جميلة، الجميع هنا سعيد بسلامتنا أنا وهي، إنها حقًا مناسبة سعيدة، لا بد أن أكون سعيدة، أليس كذلك؟ ولكن هناك شعور آخر ينتابني، ولكني أخشى الإفصاح عنه فيصفوني بالجحود. لا أعلم لماذا أبكي باستمرار، لا أعلم لماذا لم أعد أرغب في الحياة، أخشى المستقبل بشدة وأشعر أني لن أقوى عليه أبدًا، وعلاوة على هذا الشعور غير المبرر، فإني أشعر بالإعياء الشديد والإرهاق من الروتين اليومي في العناية بالطفلة، كل شيء يمر صعبًا ويأخذ من أنفاسي، وإن أظهرت شيئًا من هذا سوف يتهمونني بأنني أتدلل، ماذا أفعل؟ وكيف سيمر هذا الوقت؟ ولماذا أشعر بهذا الحزن المخيم على قلبي؟

كيف أتجاوز اكتئاب ما بعد الولادة

عزيزتي، مبارك عليك الأميرة الصغيرة، ما تشعرين به هو أمر طبيعي وليس جحودًا كما تتصورين أو يتصور المحيطون بك، أنتِ بطلة، قمت بمهمة صعبة للغاية، بداية من أول يوم وضعت هذه الصغيرة في أحشائك، وإلى الآن، وإلى أن تنتهي رسالتك في الحياة سوف تظل المهمة قائمة. ولكن لكي تتمكني من اجتياز هذه المرحلة بسلام، عليك التعرف على حالتك بشكل علمي أكثر، لتدركي أهمية الأمر، وتحسني التعامل معه.

يؤسفني أن أصارحك بدايةً أنك تعاني من اكتئاب ما بعد الولادة، ولكن لا تقلقي، إن تطلعتي وفهمتي أبعاد الأمر سوف يمر بسلام وتعودي إلى طبيعتك وتسعدي بطفلتك الجميلة، لذلك سوف آخذك معي في رحلة قصيرة للتعرف على ما فعلته الهرمونات بك.

ما هو اكتئاب ما بعد الولادة (PPD)؟

ببساطة عزيزتي، اكتئاب ما بعد الولادة هو صورة من صور الاكتئاب، وهو عبارة عن خليط من التغيرات الفيزيائية والعاطفية والسلوكية التي تحدث للمرأة بعد الولادة، وهو يصيب الأم خلال الأسابيع الأربع الأولى بعد الولادة. أعلم أنك تتساءلين عن علاقة الهرمونات بالأمر، ولم وجهت إليها إصبع الاتهام منذ قليل، دعيني أشرح لك علاقة الهرمونات باكتئاب ما بعد الولادة:

من التغيرات الكيميائية التي تحدث للأم هو الهبوط الحاد في الهرمونات بعد الولادة، وبعد أن كانت هرمونات المرأة (الأستروجين والبروجسترون) أكثر بعشر أضعاف من طبيعتها في الحمل، تهبط هبوطًا مفاجئًا بعد الولادة لتصل إلى حالتها الطبيعية قبل الحمل، في نفس الوقت الذي يرتفع فيه الهرمون المسؤول عن إدرار الحليب، فيؤثر هذا الاضطراب الهرموني بشكل سلبي للغاية على الأم، ويحدث معظم هذه الأعراض المزعجة الموصوفة في البداية.

ليس أمر الهرمونات ذلك هينًا، فهو أكبر اضطراب هرموني يحدث للمرأة، ويؤثر على عوامل كثيرة أخرى، فيجب أن تضعي الأمر في نصابه ولا تستهيني به، بل لا بد أن يعي من حولك أبعاد اكتئاب ما بعد الولادة لكي يحسنون التعامل معك ويساعدوكِ.

والآن، لنراجع معًا الأعراض الطبيعية لاكتئاب ما بعد الولادة، للتأكد من أن الأمر لم يخرج عن الإطار الطبيعي لديك لكي تتمكني من التحكم فيه، فالكثير من السيدات تتراوح الأعراض لديهن من حيث الشدة، وكل مدى وله متطلبات، ويجب أن تكوني متحكمة في الأمر لكي لا يستمر أو يصل إلى أسوأ من ذلك، لذا فانتبهي لما سأقول.

أعراض اكتئاب ما بعد الولادة

الأعراض هنا مرتبطة بأمرين، الأول هو الأعراض المرتبطة بالولادة، والثاني هو الأعراض المرتبطة بالاكتئاب نفسه، وتعاني الكثير من السيدات من كلا الأمرين معًا. فأعراض ما بعد الولادة تتمثل في مواجهة صعوبات في النوم (سواء بسبب السهر مع المولود أو لأسباب فسيولوجية تعود لك)، تغيرات في الشهية، الشعور بالإجهاد المفرط، وانخفاض الرغبة الجنسية، بالإضافة إلى تغيرات المزاج المترددة. أما عن الأعراض المرتبطة بالاكتئاب نفسه، فهي تتمثل في فقدان السعادة، الشعور بأنه لا قيمة لك، وانعدام الأمل، وفقدان العون، بالإضافة إلى المشاعر العدائية تجاه الآخرين.

أعلم أنك الآن تعانين من القلق المفرط، وأن ما عرضته عليك الآن ربما سبب لك بعض المخاوف، وأن رأسك تذهب إلى تساؤلات عديدة، وهي ماذا يمكن أن يحدث إن خرج الأمر من تحت سيطرتي؟ لا تقلقي، لأقطع عليك هذا الطريق المظلم، سوف أنير المصباح وأجيبك عن السؤال.

مخاطر التعرض لاكتئاب ما بعد الولادة

هناك بعض العوامل التي يمكن أن تزيد من مخاطر الإصابة بهذا العرَض، تابعيها معي باهتمام لكي تتجنبي الوقوع فيها قدر الإمكان:

  • أن يكون لك تاريخ مع الاكتئاب أثناء الحمل، أو قبل الحمل، فهذا الأمر يزيد من احتمالية إصابتك بالاكتئاب بعد الولادة.
  • عمرك عندما حدث الحمل، فكلما كنتي أصغر سنًا، زادت فرصتك في التعرض له.
  • التناقض أو التردد بشأن الحمل.
  • الأطفال، فكلما كان لديك أطفال أكثر، كنتي أكثر عرضة لاكتئاب ما بعد الولادة.
  • الدعم الاجتماعي المحدود، وإني أعتبر هذا العامل هو أهم عامل، لأن تلقي الدعم في فترة الولادة ممن حولك سوف يسهل عليك المهمة ويقلل من خطورة الاكتئاب عليك، والعكس صحيح.
  • العيش بمفردك، وهذا أيضًا يعرضك أكثر لخطر الإصابة بالاكتئاب.
  • الحالة الزوجية المعقدة، وذلك لأن الزوج من أهم الأشخاص الذين يجب عليهم تقديم الدعم المادي والمعنوي، ومساعدته من أكثر الأمور التي تغير من مجرى الأمور من الأسوأ إلى الأفضل.

يجب عليك عزيزتي محاولة تجنب هذه العوامل من أجل سلامتك النفسية، وأعلم أن الأمر ليس سهلًا، ولكن سلامتك تستحق المحاولة. والآن لنرى كم سيجالسنا هذا العرَض.

كم سيستغرق اكتئاب ما بعد الولادة من الوقت ليمضي؟

من الطبيعي أن تسألي إذا كنتي ستعودين إلى طبيعتك مرة أخرى، فكل النساء يتردد على ألسنتهن هذا السؤال، ولكن الحقيقة هي أن الأمر يختلف من امرأة لأخرى. والطبيعي أن اكتئاب ما بعد الولادة يستمر من ستة إلى ثمانية أسابيع بعد الولادة، أما عن الأعراض المرتبطة بالرضاعة الطبيعية فسوف تستمر طوال فترة الرضاعة الطبيعية. أرجو أن تطلبي المساعدة إذا زاد الأمر عن ذلك، أو خرج عن سيطرتك.

والآن، سوف نأتي للجزء الأهم في رحلتنا اليوم، هو شاق، ولكن النتيجة تستحق. سوف أحدثك الآن عن كيفية تجاوز اكتئاب ما بعد الولادة بأكثر سلامة ممكنة.

كيف أتجاوز اكتئاب ما بعد الولادة بسلام؟

سوف أقترح عليك بعض الأنشطة والسلوكيات التي سوف تساعدك في تجاوز الأمر، ولكن قبل أن أقول أي شيء، يجب أن تعلمي أن ثقافتك بأبعاد الأمر سوف تساعدك كثيرًا، وقربك من طفلك دومًا سوف يزودك ببعض السعادة التي ستكون العون لك في رحلتك ضد الاكتئاب. والآن استمعي لما سأقوله لكِ جيدًا وحاولي قدر الإمكان الالتزام به:

  • قومي ببعض التمارين عندما تستطيعين. حيث أكد الباحثون أن أداء التمارين يكون بمثابة مضاد للاكتئاب للمرأة التي تعاني من اكتئاب ما بعد الولادة. قومي برياضة المشي مع طفلك، أو اخرجي لاستنشاق الهواء النقي معه، سوف يفيد كليكما بالتأكيد.
  • اتبعي نظامًا غذائيًّا صحيًّا. الطعام الصحي سوف يفيدك ويفيد مولودك بالطبع، كما سينعكس هذا على مظهرك، والذي هو بالطبع من أهم العوامل في خطورة الشعور بالاكتئاب. قومي بالتخطيط لوجبات اليوم بشكل سليم في نهاية الأسبوع، وتناولي المقبلات خلال اليوم.
  • احصلي على وقت لنفسك. أعلم أنك تحت ضغط مستمر بسبب مجهودك في الرضاعة، وفي العناية بطفلتك، وفي القيام بأمور المنزل، بالإضافة إلى عملك إن وجد، ولكن لا تستسلمي لهذه الضغوطات وتجعليها تنال منك. اطلبي المساعدة من المقربين، من والدتك أو من زوجك، واحصلي على بعض الوقت لنفسك، فهذا الأمر سوف يجدد طاقتك ويجعلك قادرة على مداومة ممارسة هذه الأدوار.
  • قومي بالتركيز على الزيوت السمكية. زيادة تناول أحماض الأوميجا 3 من أكثر الأشياء النافعة في هذا الوقت، احرصي على زيادة حصتك منها، فهي تفيد جسمك وتقاوم اكتئاب ما بعد الولادة، كما أنها تزيد من إدرار الحليب لطفلك.
  • اختبري الرضاعة الطبيعية. يوجد دراسات تقول أن هناك حالات للرضاعة الطبيعية تقلل من تطور الاكتئاب، كما يوجد حالات تساعد في تدهور الحالة للأسف، لذلك قومي باختبار حالتك واختاري الطريقة السليمة للرضاعة الطبيعية لكي تساعدك.
  • قاومي العزلة. بينت بعض الدراسات أن التحدث مع الآخرين بشأن شعورك يساعد في التخلص من هذه المشاعر السلبية، ويساعدك في تخطي الأمر. فلا تستسلمي للوحدة وخالطي المقربين منك وتحدثي معهم، فالوحدة كما قلنا تزود من خطر اكتئاب ما بعد الولادة وتطوره.

وفي النهاية أيتها البطلة الصغيرة، أود شكرك بالنيابة عن كل أطفال وأبناء العالم، أنت الأمان ومحور الكون لصغارك، فكوني دائمًا قوية من أجلك وأجلهم.

0

شاركنا رأيك حول "لأمومة سعيدة.. كيف تتجاوزين اكتئاب ما بعد الولادة؟"