إسبرانتو
0

في عام 1887 قام طبيب العيون البولندي لودفيغ أليعزر زامنهوف باختراع لغة إسبرانتو وذلك بهدف إيجاد طريقة اتصال دولية سهلة تكسر الحواجز اللغوية ما بين البلدان، وتعني كلمة إسبرانتو الشخص الذي يأمل، ويبدو الاسم مناسباً وذلك لأن لودفيغ كان يأمل أن تتحول لغته إلى لغة ثانية لجميع سكان العالم، وبذلك تتحطم الحواجز اللغوية ما بين سكان هذا الكوكب ويُصبحون أكثر قدرةً على التواصل وفهم بعضهم البعض، وهو ما قد يُساعد على إحلال السلام الدولي.

طالما نحن نكتب هذا المقال في بداية العقد الثاني من الألفية الثانية فلا نستطيع إلا الإشارة إلى أنّ مشروع إسبرانتو قد فشل، فعلى الرغم من كونها أكثر لغة مساعدة دولية مخترعة محكية في العالم، إلا أنّ عدد المتحدثين بهذه اللغة منخفضٌ للغاية مقارنةً بعدد سكان الكرة الأرضية، وبنظرةٍ واحدة يُمكن القول أنّ العالم أبعد ما يكون عن السلام الدولي وذلك على الرغم من أنّ اللغة لم تعد حاجزاً للتواصل كما في السابق.

لكن فشل ما كان لودفيغ يحلم به لا يعني أنّ مشروع إسبرانتو لا يستحق إلقاء الضوء عليه، ولهذا السبب بالذات قررنا أن نقدم لكم هذا المقال الذي سيُعرفنا بشكلٍ أكبر بالطبيب لودفيغ زامنهوف وبلغته وبما حل بها في يومنا هذا.

من هو لودفيغ أليعزر زامنهوف؟

إسبرانتو

وُلد لودفيغ زامنهوف مُخترع لغة إسبرانتو في عام 1859 وذلك في مدينة بياوستوك البولندية، لكن حينها كانت هذه المدينة جزءاً من الإمبراطورية الروسية، لكن لأنّ والديه من أصلٍ يهودي فقد تعلم لودفيغ منذ صغره اللغة الروسية بالإضافة إلى اللغة اليديشية التي تُعتبر لغة يهود أوروبا، أما والده فقد كان مدرساً وتعلم لودفيغ منه الألمانية والفرنسية والعبرية، كما تعلم من سكان مدينته اللغتين البولندية والبيلاروسية، كما درس في الجامعة كلٍ من اللاتينية واليونانية والعبرية والآرامية، في وقتٍ لاحق تعلم مُخترع لغة إسبرانتو اللغة الإنكليزية بعض الشيء، كما تعلم لغة الفولابوك المخترعة حديثاً.

خلال نشأة مُخترع لغة إسبرانتو كان يسكن مدينته بياوستوك عدة مجموعات إثنية تتضمن اليهود الذين يتحدثون اليديشية، والروس المنتمين للأورثوذكسية والذين يتحدثون الروسية، بالإضافة إلى البولنديين الكاثوليك الذين يتحدثون البولندية، وقد لاحظ كيف عزز الفارق اللغوي عدم التفاهم والعداء الموجود ما بين هذه الجماعات.

خلال فترة دراسته استهوت لودفيغ فكرة اختراع لغة عالمية تتحدثها كافة شعوب العالم، لكن مشروعه لم يرَ النور ويُنشر حتى سنتين من تخرجه من كلية الطب في وارسو، حيث قام لودفيغ بنشر كتابٍ يشرح أبجدية وقواعد لغته المخترعة التي أسماها اللغة العالمية، وقد نشر هذا الكتاب تحت اسمٍ مُستعار هو الطبيب إسبرانتو أي الطبيب الذي يأمل وذلك حسب ترجمة إسبرانتو بلغته الخاصة، وسرعان ما نال الكتاب ضجة وأصبح عامة الناس يسمون اللغة بلغة إسبرانتو.

عمل لودفيغ خلال حياته على العديد من المجالات، فقد قام بتطوير لغة إسبرانتو وترجمة العديد من الكتب التاريخية المهمة كالتوراة إليها، كما عمل على تطوير وشرح قواعد اللغة اليديشية، وعمل على حل المشاكل التي كان اليهود يُعانون منها، كما تزوج من كلارا سيلبيرنيك وأنجب منها ثلاثة أولاد هم آدم وزوفيا وليديا، وقد عمل الثلاثة خاصةً ليديا على تطوير وتعليم لغة أبيهم، لكن الثلاثة قُتلوا لاحقاً في معسكرات الاعتقال النازية، أما لودفيغ فقد فارق الحياة في وارسو في عام 1917، وقد نال عمله الكثير من الجوائز والتقدير، كما تم ترشيحه لنيل جائزة نوبل للسلام عدة مرات.

ما هي أسس لغة إسبرانتو؟

إسبرانتو

في كتابه الأول حول لغة إسبرانتو وضح لودفيغ أهدافه الثلاثة من لغته هذه وهي جعل تعلم هذه اللغة سهلاً للغاية واستخدام هذه اللغة كوسيلة تواصل عالمية واستخدامها طريقة لتجاوز الاختلافات ما بين البشر، ولتحقيق أهدافه هذه وضع لودفيغ أسس لغته هذه، فقام بوضع أبجديتها المتضمنة 28 حرفاً اعتماداً على الأبجدية اللاتينية، وقد بنى قواعدها ومعجمها وأساسياتها اعتماداً على اللغات الهندوأوروبية.

حاول لودفيغ جعل لغة إسبرانتو لغةً بسيطة سهلةً التعلم وذلك بهدف تسهيل انتشارها، فاللغة لا تتضمن ترتيباً معيناً للكلمات في الجملة على سبيل المثال، كما أنّ تصريف أفعالها بسيطٌ للغاية، كما يُمكن لأي متحدث اختراعه كلمةٍ ما عبر دمج كلمتين مترابطتين ببعضهما البعض.

ما هو وضع لغة إسبرانتو في يومنا الحالي؟

إسبرانتو

بحسب موقع Ethnologue المتخصص بإحصاء أعداد متحدثي اللغات قرابة مليوني شخص من كافة أنحاء العالم يتحدثون لغة إسبرانتو لكن بدرجاتٍ متفاوتة، وبينما لم تُصبح إسبرانتو اللغة الرسمية الأولى أو الثانية لأي دولة في العالم إلا أنها تُستخدم رسمياً من قبل العديد من البلدان، حيث أنّها تُدرس في المجر والصين، كما أنّ الحكومة الصينية تنشر أخبارها الحكومية على موقعها الرسمي بهذه اللغة، وراديو الفاتيكان يبث بهذه اللغة أيضاً.

ساهم الإنترنت في جعل تعلم لغة إسبرانتو أسهل وأكثر إمكانية، فالعديد من المنصات الشهيرة عبر الإنترنت تتيح لمستخدميها تعلم هذه اللغة، ولعل أبرز هذه المنصات منصة Lernu! الشهيرة بالإضافة إلى المنصة الأشهر على الإطلاق دولينغو، كما أن مواقع الترجمة كـ Google Translate تتيح ترجمة كافة النصوص المكتوبة بهذه اللغة، إضافة إلى أن الموقع الشهير ويكيبيديا يتيح لمتحدثي هذه اللغة قراءة أكثر من 270 ألف مقال بهذه اللغة.

فضلٌ كبير في تطور اللغة وانتشارها يعود إلى مؤسسة إسبرانتو العالمية، وهي مؤسسة تأسست في عام 1908 وتضم أعضاءً من مختلف أنحاء العالم، حيث تنظم مؤتمراتٍ سنوية متعلقة باللغة وما يخصها، وتنشر بشكلٍ منتظم العديد من الكتب والمجلات، وهذه المؤسسة على علاقةٍ مباشرة بالأمم المتحدة واليونسكو واليونيسيف.

إذاً، كما ذكرنا سابقاً فإن آمال لودفيغ بأن تنتشر لغة إسبرانتو وتُصبح اللغة الرسمية الثانية لجميع الدول وذلك لتحسين التواصل الدولي وإحقاق السلام العالمي قد فشلت، لكن عند النظر لعدد متحدثي اللغة الحالي وعند مشاهدة الإقبال الكبير على تعلم هذه اللغة عبر المنصات الشهيرة كدولينغو فيُمكن القول بأنّ هذه الآمال على الرغم من خيبتها إلى يومنا هذا إلا أنّها ما زالت حية، ونأمل أن يكون هذا المقال قد ساهم في إبقاء هذا الأمل حياً ذلك عبر تعريف الكثيرين بهذه اللغة وتشجيعهم على تعلمها.

0

شاركنا رأيك حول "إسبرانتو…. مشروع لغة واحدة تجمع العالم بأكمله لتساعد على إحلال السلام الدولي"