الحريات المدنية الأمريكية
0

يمتلئ تاريخ الحريات المدنية الأمريكية بالكثير من القصص والتحولات التي أدت في النهاية إلى القضاء التام على سياسة الفصل العنصري، فبعد التمييز في ركوب الحافلات والوظائف واستخدام المراحيض العامة وغيرها من أمور كانت تفصل البيض عن السود، وصلنا إلى أن يحكم أمريكي من أصل أفريقي الولايات المتحدة الأمريكية.

ومع أهمية الحريات المدنية الأمريكية المطلقة، إلا أن الحصول عليها لم يكن سهلًا على الإطلاق، فمنذ حرب الاستقلال والانفصال عن بريطانيا مرّ تأسيس هذه الحريات بمراحل كبرى أدت في النهاية إلى الشكل المتعارف عليه الآن.

إعلان تحرير العبيد

الحريات المدنية في أمريكا

بينما يجادل الكثيرون في أسباب الحرب الأهلية الأمريكية وهل كانت بسبب الاستعباد، إلا أن الواقع الحقيقي أن الرق والاستعباد كانا نقطة تحول كبيرة في إنهاء الحرب الأهلية لصالح الكونفدرالية الأمريكية بزعامة إبراهام لنكولن.

ففي يناير 1863 أصدر الرئيس الأمريكي أبراهام لنكولن قرارًا بتحرير العبيد، مما جعل حربه ضد المتمردين أشبه بحملة صليبية من أجل حرية الإنسان.

وبعد هذا الإعلان استطاع ضم آلاف السود إلى جيشه وبلغ عددهم وقتها 180 ألف جندي، ليؤكد لنكولن بعد ذلك أن سياسة التحرير كانت أكبر ضربة موجهة ضد أعدائه وأنه أعظم أحداث القرن الـ 19 على الإطلاق.

التصديق على تعديلات 13، 14، 15 في الدستور الأمريكي

الحريات المدنية في أمريكا

لم يكن معنى إصدار إعلان تحرير العبيد أن السود حصلوا بالفعل على حقوق متساوية مع البيض، فقد كانت لا تزال سياسة الفصل العنصري قائمة بشكل مخزٍ حتى بين المواطنين أنفسهم بصرف النظر عن القانون.

ورغم أن الحريات الكاملة للسود لم يحصلوا عليها حتى ستينيات القرن العشرين، إلا أنه في ستينيات القرن الـ 19 ألغى التعديل الـ 13 لعام 1865 العبودية رسميًا، ومنح التعديل الـ 14 حقوق المواطنة رسميًا للعبيد السابقين، ومنحهم التعديل الـ 15 حقوق التصويت.

وهذه التعديلات أدت إلى إمكانية ترشح وفوز عدد كبير من الأمريكيين ذوي الأصل الأفريقي وتعيينهم في وظائف بارزة، مما أطلق المزيد من الحريات.

منع التمييز العنصري في البيسبول

الحريات المدنية الأمريكية

يعتبر البيسبول من أكثر الرياضات الشعبية الأمريكية، ورغم تألق اللاعبين السود في دوري الزنوج إلا أنه قبل أربعينيات القرن العشرين لم يكن هناك أي لاعب أسود في الدوري الاحترافي، ولكن هذا الأمر تغير عام 1945 عندما وقع برانش ريكي رئيس نادي بروكلين مع اللاعب الأسود جاكي روبنسون، واستطاع أن يحقق إنجازات رائعة جعلته يحصد لقب أفضل لاعب في الدوري الوطني عام 1947.

إلا أن الأمر لم يكن سهلًا أو بسيطًا، فقد أعرب الكثير من زملائه علانية عن رفضهم اللعب معه، وتعرض إلى الإهانات والرمي بالزجاجات في الملعب، وحتى أنه تم جرمانه من المكوث في الفندق نفسه مع زملائه. إلا أنه كان من نقاط التحول الأساسية في الدمج الفعلي بين السود والبيض وليس في القانون أو على الورق فقط.

الدمج العسكري

التحولات التي أطلقت العنان للحريات الأمريكية

بدأت خدمة السود في الجيش الأمريكي منذ الثورة وقاتل وقتها كل من السود والبيض إلى جوار بعضهم البعض، ولكن هذا التجانس لم يتم من جديد إلا في عام 1941 عندما أنهى الرئيس روزفلت التمييز في صناعة الدفاع، ولكن ظلت القوات منفصلة في اللون حتى قرار الرئيس هاري ترومان عام 1984 الذي ألغى إلى الأبد الفصل العنصري في الجيش الأمريكي.

دمج المدارس

التحولات التي أطلقت العنان للحريات الأمريكية

لا يمكن ذكر رحلة انتهاء العبودية في أمريكا والحريات المدنية الأمريكية دون الإشارة إلى قضية براون ضد مجلس التعليم عام 1954 والتي أنهت رسميًا بحكم نهائي الفصل العنصري بين اللونين الأبيض والأسود في المدارس، وذلك بقرار أصدره رئيس المحكمة العليا إيرل وارن بضرورة الدمج السريع للعرقين في المدارس، على اعتبار أن الفصل ينتهك التعديل الـ 14 للدستور.

وبدأت مدارس الولايات الجنوبية بالفعل في التنفيذ التدريجي للقرار، رغم أن الانفصال ظل موجودًا بقوة حتى ستينيات القرن العشرين.

المظاهرات للحصول على مقعد

الحريات المدنية الأمريكية

سواء في الحافلات أو المطاعم حتى التي كانت تستقبل كلًّا من السود والبيض وحتى خمسينيات القرن العشرين، كانت هناك مقاعد مخصصة فقط للعرق الأبيض، ولا يُسمح لأحد من الأمريكيين ذوي الأصل الافريقي بالجلوس عليها.

واندلعت الكثير من المظاهرات والوقفات الاحتجاجية في هذا الشأن كان أشهرها الخاصة بالأمريكية روزا باركس والتي تم اعتقالها في ديسمبر 1955 لرفضها ترك مقعدها لرجل أبيض، لتنتشر مقاطعة الحافلات العامة لمدة عام وتحصل روزا على الكثير من الجوائز مع قرار من المحكمة بالإفراج عنها.

وفي فبراير 1960 تكرر الأمر مع طلاب في جامعة نورث كارولينا وجلسوا على طاولة في مطعم مخصصة للبيض فقط، ولكن تم توصيل النبأ سريعًا إلى وسائل الإعلام مع طلب الشرطة والتي لم تستطع فعليًا القبض عليهم لأنهم كانوا يجلسون “دون استفزاز”.

ولكن سريعًا ما تحول الأمر إلى احتجاجات رسمية على الفصل العنصري وانتشرت الاعتصامات في جميع أنحاء البلاد، حتى أصبح أصحاب المطاعم يخدمون السود بنفس كفاءة خدمة البيض.

مسيرة الوظائف والحرية

التحولات المدنية الأمريكية

في 28 أغسطس عام 1963 انطلقت مسيرة ضخمة من جميع الأعراق في أمريكا تضم نحو 200 ألف شخص بقيادة مارتن لوثر كينغ الابن، وألقى فيه خطابًا ملهمًا يطالب بالمساواة في الوظائف بين جميع الأمريكيين، وكان عنوان الخطاب “لديّ حلم” من العلامات المؤثرة للغاية في مسيرة الحقوق المدنية الأمريكية وتوفيرها لجميع الأعراق والأجناس بلا استثناء.

قانون الحقوق المدنية

التحولات التي أطلقت العنان للحريات الأمريكية

منذ أربعينيات القرن العشرين وكانت رحلة المساواة الكاملة والحريات المدنية الأمريكية بين الأمريكيين تشاهد لحظات نجاح وأخرى من الفشل، وغالبًا ما كانت القوانين لا تجد طريقها فعليًا للتطبيق.

ولكن أخيرًا وفي 2 يوليو 1964 تحقق الهدف الأسمى من جميع المحاولات السابقة عندما وقَّع الرئيس ليندون جونسون على قانون الحقوق المدنية عام 1964 الذي أكد على إنهاء التمييز على أساس العرق أو اللون أو الدين أو الأصل القومي.

هذا القانون الذي كانت تتم الدعوة له منذ إعادة الإعمار بعد الحرب الأهلية، وخاض من أجله الرئيس جون كيندي حربًا ضروسًا، ولكنه لم يتمكن من الحصول على موافق الكونغرس عليه عام 1963، لينجح في ذلك خلفه الرئيس جونسون بعد واحدة من أطول المناقشات في تاريخ مجلس الشيوخ.

مسيرة المليون شخص في مارس

الحريات المدنية الأمريكية

واجه قانون الحريات المدنية الكثير من الصعوبات في تنفيذه مع العنف العنصري وزيادة تأييد المرشحين المؤيدين للفصل العنصري، لذا لم تكن المهمة سهلة على الإطلاق لأحد من ذوي العرق الملون، ولكن بعد مرور 32 سنة على مسيرة لوثر كينغ الابن انطلقت مسيرة مليونية عام 1995 بقيادة لويس فاراخان زعيم تنظيم أمة الإسلام.

لتنتقل المعركة بين السود والبيض إلى اختلاف الأديان أيضًا ومعاداة السامية والاتهام بالنازية وغيرها من تفرقة تدخل في نطاق العنصرية. وتفيد الكثير من التقارير أن تلك المسيرة التي استقطبت أكثر من 1.7 مليون رجل أمريكي من أصل أفريقي ومن ديانات مختلفة كانت بمثابة إعادة تنظيم لأمريكا.

وفي النهاية قد تختلف أو تتفق مع أمريكا أو مدى الحريات المدنية الأمريكية الحقيقية الممنوحة فيها وأنها قد تفصل الآن بين الأعراق والديانات المختلفة بطرق أخرى غير مرئية، ولكن لا يمكن أبدا إنكار أن الحقوق المدنية للمواطن خط أحمر لا يمكن المساس به أيًا كان لون بشرته أو أصله أو عرقه، وهو ما يفتقد له الكثيرون حول العالم.

0

شاركنا رأيك حول "ما هي التحولات التي أطلقت العنان للحريات المدنية الأمريكية وألغت الفصل العنصري منذ عصر العبيد؟"