صدّر القمح للخارج ومات الناس في أوكرانيا جوعًا.. حكاية مجاعة أوكرانيا وديكتاتورية ستالين

مجاعة أوكرانيا
1

يقول عدد من المؤرّخين أنّ العالم لم يعرف إبادة أكثر “فعالية” من المجاعة التي عرفتها أوكرانيا تحت حكم جوزيف ستالين في شتاء 1932-1933.. فما قصّة مجاعة أوكرانيا هذه؟

نظرة عامة على الإتحاد السوفيتي

النشأة

خريطة الاتحاد السوفيتي
خريطة الاتحاد السوفيتي

سقطت روسيا القيصرية سنة 1917 بعد نجاح الثورة البلشفية بقيادة الروسي الماركسي فلاديمير لينين، لتقوم مقام الحكم القيصري أربعُ جمهوريات اشتراكية: جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفياتية، وجمهورية أوكرانيا، وجمهورية بيلاروسيا، وجمهورية ما وراء القوقاز.

التحمت هذه الجمهوريات في 30 ديسمبر 1922 لتشكّل “اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية” أو ما يسمّى اختصارًا بالاتحاد السوفيتي وعاصمته موسكو، وتشكّل معظم سكانه من السّلاف الشرقيين.

طوال سبعة عقود، توسّعت هذه الدّولة الشيوعية الفتيّة لتصبح أكبر دولة في العالم من حيث المساحة، حيث كانت تضم 15 جمهورية وأكثر من 100 جنسية مختلفة، وامتدّت حدودها من منطقة البلطيق شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا.

حُكم جوزيف ستالين

الجانب الأسود للاتحاد السوفيتي
الديكتاتور جوزيف ستالين

اعتنق جوزيف ستالين الفكر الشيوعي منذ شبابه والتحق بحزب العمال الاشتراكي الديموقراطي الروسي في العشرين من عمره. لعب دورًا مهمًّا في الثورة البلشفية وأظهر الولاء للزعيم لينين حتى تولّى مراتب عليا في هرم السلطة، فعُيّن مفوّضًا أعلى لشؤون القوميات ثم أمينًا عامًا للحزب الشيوعي، وبعد وفاة لينين سنة 1924 تشارك الحكم مع كامينيف وزينوفيف لكنّه أعلن نفسه حاكمًا مطلقًا وفق النظام الشمولي سنة 1928.

عُرِف ستالين بشراهته للدماء طوال مشواره السياسي، فكان يقول:

 الموت يحلّ كل المشاكل. إذا انتهى الناس، تنتهي المشاكل.

وقد كتب لينين في وصيته عن ستالين قائلًا:

ستالين همجي جدًا، وهذا مقبول تمامًا في بيئتنا وفي علاقاتنا نحن الشيوعيون، لكنّه مرفوض في ما يخص مهام الأمين العام. أنا أقترح إذًا أن يقوم رفيقان بإيجاد طريقة لتنحية ستالين من هذا المنصب وتعيين شخص آخر قد لا يتفوّق على ستالين إلا بأمر واحد: أن يكون أكثر تسامحًا، أكثر وفاءً، وأكثر أدبًا وصبرًا مع الرفقاء، وأقلّ مزاجية.

بالرغم من توصيات لينين، تقلّد ستالين مقاليد الحكم المطلق في الاتحاد السوفيتي، وقاد بلاده نحو الكثير من الانتصارات، نعم، لكنّه دفع بكل برودة بالملايين من أبناء شعبه إلى المقبرة، وبأبشع الطرق..

مجاعة أوكرانيا

شملت هذه المجاعة مناطق مختلفة من أراضي الاتحاد السوفيتي، لكنّها تركّزت أكثر في أوكرانيا. يُطلق عليها مصطلح Holodomor الذي يعني “القتل جوعًا”، كما توصف بـ “إرهاب المجاعة” و”مجزرة المجاعة” و”المجاعة الكبرى”، خلّفت ملايين القتلى وبقيت شاهدًا على قسوة الاتحاد السوفيتي وإجرامه البشع.

أسباب مجاعة أوكرانيا

  • الرّغبة في استئصال أعداء الشعب

استعمل الاتحاد السوفيتي مصطلح “عدو الشعب” أو “عدو الأمّة” للدلالة على كل المخالفين لمبادئ الشيوعية بأفعالهم، أفكارهم و/أو قيمهم، واستُعمل عمومًا بشكلٍ فضفاض فكان يُطلق على طبقة النبلاء والمتديّنين وأنصار الملكية وأصحاب الأراضي، وغيرهم.. وكان يكفي أن يُستعمل هذا اللقب ضد شخصٍ ما ليستحقّ العقاب: مصادرة الأملاك، التعذيب، النفي، الإعدام -أو كلّها معًا.

وقد كان ستالين ينظر إلى الطبقة البرجوازية كعدو للشعب لأنّها لا تدخل في التصور الاشتراكي المبني على “دولة العمّال”، وكان يرى أنّ البرجوازيين سيستمرّون في المقاومة رغم ضعفهم، لذا فالطريقة الأمثل لصدّهم كانت القضاء عليهم تمامًا مهما كانت الوسائل المؤدّية لذلك.. وبما أنّ الكولاك Kulaks (الفلاّحين الأثرياء وأصحاب الأراضي) صُنِّفوا ضمن أعداء الشعب بالنّسبة للحزب الحاكم فكان يجب سحقهم، وقد نجحت الحكومة في ذلك من خلال مجاعة 1932-1933.

  • التنظيم الجماعي لقطاع الزراعة

في بداية حكمه، قرّر ستالين إخضاع الأراضي لسيطرة الدّولة وتوحيد ملكيّتها للجميع بدل الفرد الواحد أملًا في زيادة الإنتاج الزراعي، وتوفير ما يكفي من محاصيل لتغطية احتياجات المناطق الحضرية، وتحقيق فائض موجّه للتصدير يدرّ على الدّولة أرباحًا مادية.

من جهة أخرى، كان التنظيم الجماعي للأراضي وسيلة لإلغاء “الكولاك” من المجتمع وتحقيق النّصر في صراع الطبقات الاجتماعية الذي كان موجودًا في الفكر الشيوعي، والذي كان يعتبر الكولاك خطرًا على الاشتراكية ومبادئها.

في المقابل، لم يكن معظم الفلاحين من أصحاب الأرض سعداء بالقوانين الجديدة التي فَرَضت عليهم التخلي عن أراضيهم وبيع محاصيلهم بأبخس الأثمان، فأظهروا رفضهم في البداية من خلال التوجّه برسائل معارِضة للحكومة والعزوف عن العمل، ثم توجّهوا إلى تخريب ممتلكات الدولة وإتلاف المنتوج للانتقام من الحاكم وإظهار غضبهم العارم.

من جهة أخرى، كان مردود بداية ثلاثينيات القرن الماضي مخيّبًا للآمال المعلّقة على مخططات ستالين الذي لم يعترف بفشلها وألحّ أنّ الكولاك خزّنوا الحبوب بدل تسليمها للدولة، فأصدر أوامر قاسية بمصادرة أكثر من مليوني طن من المحاصيل لمعاقبة الفلاحين وبلوغ أهداف الإنتاج التي وعد بها مخطط التنظيم الجماعي، فزاد ذلك من وطأة معاناة اليد العاملة ماديًا ومعنويًا وانخفضت محاصيل المواسم الموالية بشكل أكبر.

  • عوامل القمع

لم تسكت الدّولة على الكولاك المتمرّدين، وفرضت عليهم تسليم نصيبٍ أكبر من المحاصيل يصل أحيانًا إلى خمسة عشر ضعفًا من الكمية الأصلية، وإذا لم يقم الفلاح بذلك لأيّ سبب من الأسباب (تمرّد، نقص المنتوج، تسليمه للحبوب قبل بضعة أيام وعدم احتساب الهيئة الجديدة لذلك.. إلخ) فمصيره كان يتراوح بين السجن، النفي إلى معتقلات سيبيريا أو الإعدام.. لكنّ الكثير منهم ماتوا جوعًا قبل ذلك!

فرضت الدولة قانونًا خاصًّا بالمناطق الزراعية التي لم يقم فلاحوها بتسليم نصيبهم من الحبوب -حتى ولو كان ذلك فرضيًا وغير صحيح- يمنع عنهم عمليات البيع والشراء والمبادلات بأنواعها وحتى إمكانية استقبال المساعدات، فجعلوها “مناطق للموت”.

ويقول المؤرّخون أنّ إجراءات القمع كانت متفاوتة عبر التراب السوفيتي، لكنها كانت أشد على الفلاحين الأوكرانيين الذين تعرّضوا إلى أعتى أنواع السطو والهمجية من قِبل الدولة التي وصل بها الأمر إلى إغلاق الحدود الأوكرانية وإعادة إحياء جواز السفر الداخلي (الذي كان معمولًا به في روسيا القيصرية) في بداية 1933 لمنع السكان من الهرب إلى المناطق المجاورة وإجبارهم على الموت جوعًا في أريافهم، مدّعيةً أن “السفر من أجل الخبز” تجاوزٌ لا يقوم به سوى أعداء الشعب.

إضافة إلى ذلك، قامت الدولة بتجريم “جمع بقايا المحاصيل Gleaning” عبر قانون السنيبلات The law of Spikelets الذي يدين أعمال السرقة ويضمّ فيها من يجمع ما يتبقّى من المحاصيل بعد الحصاد، والتي لجأ إليها الفلاحون لسد جوعهم. وجعلت الحكومة عقوبة من يتجرّأ على ذلك: الإعدام أو الأعمال الشاقة في ظروف خاصة لسنوات.

يختلف المؤرّخون حول مساهمة الدولة في مساعدة المناطق المتضررة من القحط والمجاعة، فهناك من يقول أنّ الدولة مارست التعتيم الإعلامي حول الموضوع وحدّت من حرية تنقل الصحفيين إلى تلك القرى لأنّها كانت تريد إبادة الكولاك جوعًا، وهناك من ينفي ذلك اعتمادًا على وثائق أخرى تؤكّد على أنّ السلطات الأوكرانية وحكومة الاتّحاد السوفيتي نظّمت عدّة حملات لتوزيع المساعدات على المحتاجين الأكثر تضررًا.

لكن المؤكَد هو أن الاتحاد السوفيتي واصل تصدير الحبوب إلى الخارج في عز المجاعة بدل توجيه المنتوج لإنقاذ ملايين الجوعى من الهلاك.

نتائج مجاعة أوكرانيا

يختلف الباحثون حول الأرقام الحقيقية المعبّرة عن حجم الخسائر البشرية التي راحت ضحيّة هذه المجاعة، ويرجع هذا إلى عدم وجود إحصاء حقيقي لكلّ الجثث التي دُفن الكثير منها في مقابر جماعية، لكن التكهنات تتراوح بين 3 ملايين إلى 10 ملايين وفاة بين شتاء 1932 وصيف 1933 فقط!

لجأ الكثير من النّاس إلى السّرقة وحاولوا الهرب إلى المناطق المجاورة.. كما تم توثيق الكثير من حالات القتل بهدف التقوّت على لحم الضحايا، وقد تحدّث عن ذلك Timothy Snider في كتابه أراضي الدم: أوروبا بين هتلر وستالين قائلًا:

كانت النّجاة صراعًا جسديًا وأخلاقيًا. كتبت طبيبة إلى أحد أصدقائها في شهر تموز/ يونيو 1933م أنّها لم تتحوّل بعد إلى شخص يأكل لحم البشر، لكنّها لم تكن متأكّدة أنّها ستصمد إلى حين تصله الرسالة. الطيّبون ماتوا أوّلًا. أولئك الذين رفضوا السرقة والدعارة ماتوا. أولئك الذين منحوا الطعام للآخرين ماتوا. الذين رفضوا أكل الجثث ماتوا. الذين رفضوا قتل رفقائهم ماتوا. الآباء الذين رفضوا أكل لحم أبنائهم ماتوا قبلهم.

مجاعة أوكرانيا
امرأة تنهار على الدّرج من الجوع
مجاعة أوكرانيا
لاجئون من المجاعة يحاولون الفرار من أريافهم

ما زالت مجاعة أوكرانيا جرحًا غائرًا في صدر شعبها، وتمّ إخراج العديد من الأفلام والوثائقيات وتأليف الكتب والمذكّرات وبناء المتاحف والنّصب التذكارية لتخليد أرواح الموتى وإدانة هذه الجرائم عبر التاريخ.

1

شاركنا رأيك حول "صدّر القمح للخارج ومات الناس في أوكرانيا جوعًا.. حكاية مجاعة أوكرانيا وديكتاتورية ستالين"