كورونا والعالم
6

ضجّ العالم مؤخراً بكورونا؛ تغلق الدولة الفلانية مطارها منعاً لوصول الوافدين من الصين، تعلّق أخرى الدوام في مدارسها وجامعاتها لتقليل إمكانية انتشار الفيروس في التجمعات، تعلن السلطات الاستنفار وترفع حالة التأهب، تُنشأ المشافي الميدانية على عجل. الجميع في حالة من الخوف والترقب والوجل، يشتري الجميع الكمامات خوفاً من اقتراب الفايروس، أو من أن يقوم أحد قليلي الذوق بالعطاس في وجهه.

الجميع متأهب، الجميع خائف، كورونا قادم. كورونا في طريقه إلينا.

لا شك أن كورونا حالة فريدة، أعتقد أن بقية الفايروسات تغار منه. الجدري، سارس، إيبولا، وحتى قليل الأدب HIV فيروس الإيدز، يغار منه بسبب الصيت والشهرة التي يمتلكها كورونا. أمعن النظر فيما وراء الحلّة الخارجية لهذا الفايروس، وستجد أنّه يحوي كثيراً من الدلالات والإشارات، أكثر من كونه مجرد ميكروبٍ صغير يهدد حياة الإنسان.

تناول الكثيرون فايروس كورونا من عدّة نواحي، وشاعت أفكار ومفاهيم حوله، فلا بد من ذكرها بموضوعية كما هي، لعل في فهم هذا الفايروس أوّل الطرق نحو القضاء عليه.

الحرب البيولوجية

أوّل ما ظهر الفايروس، توجهت الأنظار مباشرةً إلى الحرب البيولوجية الجرثومية، وأنّ الأمر برمتهِ فعلة أمريكية سرية أرادت بها تحقيق أهدافٍ محددة بدقة، خصوصاً أن الدول الأكثر تضرراً من ذلك كانت الصين وإيران، وهما كما متعارف عليه، أعداء أمريكا المقربين جداً.

سرعان ما تبدّدت هذه المزاعم عندما انتشر الوباء في كل مكان، وقارب من أن يصبح جائحةً عالميةً.

لكن هذا الانتشار لم يقنع أصحاب فكرة الحرب البيولوجية، فتراهم مثلاً يقولون أنّ انتشاره في “أراضيهم” ما هو إلا خدعة وتمويه حتى يُظهر الأمر وكأنه هكذا.

صراحةً هذا التفكير –تفكير المؤامرة– ليس ساذجاً، بقدر ما هو يتمتع بقدرة خداع نفس عالية جداً؛ فلو مثلاً أصيب الرئيس الأمريكي نفسه بكورونا، لما اقتنعوا أنها ليست حرباً بيولوجية، وهنا يجب أن نشير إلى مدى سلبية هذا التفكير، إذ أنك عندما تتبنى نتائج حتمية -الكورونا حرب بيولوجية- تقوم بتطويع وتأويل كل الأدلة والإشارات وما يحصل فقط لخدمة هذه الفكرة، وهذا هتك مباشر للتفكير السليم.

الخط الصحيح في التفكير هو وضع فرضيات مُحايدة، ومن ثم تتبع الأدلة واستقرائها والحصول على نتائج. لكن عندما تقبل النتائج غير المدللة بأي شيء وتضعها كفرضية مثبتة، فأنت خرقت منطق العقل القويم بكامله؛ إذ نزعت صفة الحيادية من الفرضية، هذا أولاً. وبدلّت الترتيب الصحيح من فرضية إلى نتيجة. وهذا ثانياً.

من الطبيعي عندها أن تسود فكرة المؤامرة. وأن الفايروس هو حرب بيولوجية يُراد بها شراً.

 هل يكون فيروس كورونا أحد أشكال الأسلحة البيولوجية المستخدمة في حرب يُراد لها أن تكون بالأوبئة؟!

كورونا في الأماكن المقدسة

رديفاً للحرب البيولوجية، ظهرت مباشرة فكرة أن فايروس كورونا هو عقاب إلهي موجّه من السماء نحو عباده الضالين في الصين، وأن كل شيء يحدث بقدر. لكن سرعان ما تبدّى هذا الادعاء بدوره أيضاً، إذ ضرب الفايروس الأماكن المقدسة في كل مكان. ولم تعد فكرة أنه عقاب صالحة للذكر.

ففي كوريا الجنوبية، اعتذر أحد أساقفة الكنيسة عن اجتماعهم في أحد الكنائس الذي تسبب في حدوث 12 حالة من كورونا.

وفي إيران انتشر الفايروس في الأماكن المقدسة، ومؤخراً تم تعقيم الكعبة وصحنها لأجل منع انتشار الفيروس. وهكذا مع جميع البؤر الدينية، التي لم تحميها مكانتها من قابلية انتشار الفيروس فيها.

يمكن أن نضيف هنا، أن وجهة النظر في أنه عقاب إلهي، ليست شيئاً جديداً، لكنها لا تصب في صالح الإيمان الإلهي بقدر ما تساهم في تسليب صورته، إذ لا تعطِ انطباعاً إلا عن صورة الإله الغاضب المعاقب، الذي لا يعبّر عن نفسه إلا بصورة ساخطة، لا  بالسعادة ولا الأمل ولا الرضا ولا الرحمة. هم يتركون كل الصفات الجيدة، ويقتنصون السيئ فقط ويقولون هنا الإله يتدخل!

تُضرب بعرض الحائط كل المشاعر التي بالإمكان تجلّي الإله بها، ويدقق أصحاب نظرية العقاب الإلهي بأن صورة الإله يجب أن تكون فقط ساخطة عقابية. غير ذلك، هو لا يتدخل ولا شأن له بالعالم.

دون أن يدري صاحبنا، أن بفعلته هذه التي يختزل بها الإله ضمن صندوق صغير من السلبية. هو يشوّه صورته، لا يجمّلها.

الإله كصانع لفيروس كورونا

فايروس النخبة

يُدلي الفيلسوف المشاغب سلافوي جيجك بدلوه فيما يتعلق بكورونا أيضاً. فالأمر لم يقتصر على الساسة والمتدينين، بل الفلاسفة أيضاً لهم حصة في ذلك. إذ يقول أنّ كورونا يمثل تهديداً للعنجهية البشرية الحديثة، وهذا هو سر الهلع تجاهه.

هناك فيروسات تنتشر في إفريقيا، وغيرها من المناطق المهمشة من العالم ولا يوليها أحد أي أهمية. تحصد آلاف الأرواح وكاّنّ أحداً ما لم يمت. يثير كورونا ضجة أكبر، ليس لأنه فقط وباء عالمي منتشر، بل لأنه لا يصيب المساكين فقط من الناس، إنه يهدد النخبة. يصيب المدن الصناعية الحيوية التي لطالما تفاخر بها الإنسان العاقل بكونها نتاجه الحضري الأكثر تحصيناً وتطوّراً.

كورونا هو مجرد زفرة تهديد طبيعية تجاه الإنسان العاقل، كأنها تقول له: انتبه، أنت ما تزال ضعيفاً!

لكن الجميل فيما يحدث، هو التكاتف الإنساني العالمي للمواجهة. تعيد هكذا مواقف للإنسان وعيه بأنه كائن بسيط على كوكب بسيط في كون بسيط، يجب أن يكون لطيفاً مع من يسكن معه في هذه الأرض مهما اختلفت أشكالهم وألوانهم وعقائدهم وتوجهاتهم. وليس هناك أفضل من فيروس عنيف ككورونا كي يذكر الإنسان بهذا، ويرفع حسّه الأخلاقي في أهمية أن يكون الجميع معاً، وأن يتحدوا في المواجهة.

قبل عدة أيام قرأت خبراً أن الولايات المتحدة عرضت على إيران المساعدة لاحتواء هذا الفيروس.

بغض النظر عن التأويلات ومدى مصداقية هذا الكلام وتحليله، لكن صراحةً يمكن أن نلتمس في مثل هكذا تصرفات أفق الإنسانية القادم، فكرة الاتحاد معاً لأجل المواجهة بدلاً من إمضاء الوقت في الصراع مع بعضنا البعض؛ ففي النهاية كلنا بشر وكلنا نمتلك نفس البنية والتركيبة، وما الاختلافات التي نراها سوى صراعات بشرية ضيقة على نطاق زمني على أقل تقدير، تتبدى وتضمحل عند أقرب تهديد للنوع الإنساني. ولعلَ كورونا هو من فعل ذلك مؤخراً.

فشكراً لفايروس كورونا، وفي الوقت نفسه، تباً له!

كورونا ليس أخطرها.. إليكم عددًا من الأمراض المعدية القاتلة التي أبادت ملايين البشر

حول كورونا أيضاً:

أوجدت الحكومة الالكترونية في المملكة العربية السعودية بالتنسيق بين وزارة الداخلية ووزارة الصحة تطبيق خاص لمكافحة فيروس كورونا COVID-19 وهو تطبيق توكلنا Tawakkalna، حيث يمكن من خلال التطبيق أن يتمكن المواطن أو أي مقيم من إخراج تصريح تنقل أو سير أو مشي خلال فترة حظر التجول، وكذلك قدمت الحكومة الالكترونية منصة مدرستي الالكترونية للتعليم عن بعد حيث أنها تحاكي الواقع التعليمي في المدرسة وتقدم تواصلاً افتراضياً بين الطلاب والمدرسة وكذلك بين الطلبة وذلك باستخدام تطبيق توكلنا.

6

شاركنا رأيك حول "فايروس كورونا: دينيًّا، سياسيًّا، فلسفيًّا"