صندوق مرمية
1

قليلون من الكتاب يشعرون بالتماهي مع كتاب آخرين عاشوا في أزمنة أخرى أو عاصروهم، فيسود في نفسهم الشعور بأن هذا هو أنا، إنه نسخة أخرى مني. طه حسين كان يشعر بهذا مع المعري، فقد البصر، الفلسفة، كبير في قومه رغم تواضعه، حبه للعلم، كل هذه العوامل جعلت طه حسين يرى نفسه في شخص آخر ولو كان الفارق بينهما 1000 عام. هكذا كانت الباحثة الأكاديمية والكاتبة المصرية سارة قويسي في كتابها “صندوق مريمة”، الصادر عام 2018، عن دار أجيال للنشر والتوزيع، حول تماهيها (التمازج والتقارب العاطفي) مع السيدة راء أو الدكتورة رضوى عاشور، صاحبة روايات: الطنطورية وفَرَج وأطياف.

فأنت تقرأ في “صندوق مريمة” كتابًا، قد تصنفه رواية أو خواطر، أو سيرة ذاتية مزدوجة، مزجت فيها الكاتبة بين شخصها وبين رضوى عاشور لكن بشكل مختلف قليلًا، فهي تراها الأم. يظهر اسم رضوى عاشور وتبدأ في الاشتباك معه بداية من الإهداء، فبعد أبيها وأمها وهدى الصافي جاء اسم رضوى في نهاية الإهداء.

صندوق مريمة رحلة في أوراق السيدة راء

صندوق مريمة
كتاب صندوق مريمة للباحثة والكاتبة المصرية سارة قويسي رسالة محبة للسيدة راء.

في “صندوق مريمة” تقرأ صفحات من حياة رضوى عاشور، وصفحات أخرى من حياة الكاتبة، هموم رضوى ومشكلاتها الصحية وتأثيرها في حياتها والتي تشبه خروج والد سارة من عملية جراحية صعبة. وخلال أسطر الكتاب تعرفنا الكاتبة لماذا كتبت وماذا كتبت، فتقول: “ربما هي أمور لا تهم أحدًا غيري، لكني أكتب حكايتي معها، وأوثق كل التفاصيل”.

وتخبرنا أيضًا ضمن صفحات “صندوق مريمة” بقولها:

“عندما غادرت طفولتي، وفتحت المنديل المعقود الذي تركته لي أمي وعمتي، وجدتُ بداخله هزيمتهما، بكيت، ولكني بعد بكاء وتفكير أيضًا ألقيت بالمنديل وسرت، كنت غاضبة. عدت للكتابة عندما اصطدمت بالسؤال: (ماذا لو أن الموت داهمني؟) ساعتها قررت أنني سأكتب كي أترك شيئًا في منديلي المعقود”.

فأنت مع كتاب “صندوق مريمة” في جلسة خاصة بين سارة ورضوى، هذه الجلسة أشركت فيها القارئ، أتت به وأمسكته من ذراعه لتجلسه على الأرض يستمع لما تحكيه، ستجلس مرغمًا، فأنت ستحب ما يقال وتطلب المزيد.

الغربة والوَحْشَة يخيمان على كتاب “صندوق مريمة” من صفحاته الأولى، وتزيدها الكاتبة بالأشعار والاقتباسات منها ما قاله محمود درويش: “أنا الغريب بكل ما أوتيت من لغتي”. ويقول في المقطع نفسه: “وكلما فتشت عنهم لم أجد فيهم سوى نفسي الغريبة..”. وتقتبس قول غادة السمان: “في المسافة ما بين حضورك وغيابك انكسر شيء”.

وتكتب سارة ضمن كتابها “صندوق مريمة” عن الشخصيات التي قابلتها في روايات رضوى عاشور وكان لها تأثير عليها سواء على المستوى النفسي أو الفكري مثل شخصية أبو جعفر رواية ثلاثية غرناطة، فتقول:

“كلما مررت على ذكرى رحيل أبو جعفر أتذكر كل الأمور التي مر بها… في صغري حين كنت أجلس وحيدة أبكي وكانت أمي تلاحظ ذلك فكانت تحدثني عن الصبر والدعاء”، وهذا بالطبع يذكرها بوفاة أمها وجدتها فتقول “من قبلها رحلت الجدة، وبعدها توالى الرحيل”.

وفاة أبو جعفر ذكرتها بمن رحلوا في حياتها، كيف توفى وبماذا كان يفكر، وكيف رحل أحبابها وكيف كانت هي قبل الرحيل وبعده.. وكان لا بد من التطرق إلى الحياة الأسرية لرضوى؛ لذلك سيقابلك الحديث عن تميم البرغوثي ابنها، وعن زوجها الشاعر مريد البرغوثي، وأوردت أشعارًا لمريد البرغوثي كتبها في حب رضوى، وكيف كانت هذه الأسرة تعيش في ظروف معقدة.

كتب رضوى عاشور ليست المؤثر الوحيد في الكاتبة، لكن حياتها ككل، رضوى كنموذج قال عنه مريد في رثائه لها:

“سيدة قليلة الجسد، يتعبك تتبع خطاها، تهدم السور الفاصل بين الجامعة وعموم الناس، تظنها على مرتفعها الأكاديمي فتراها على أسفلت الميدان ذائبة في تدافع التحرير العظيم، الكدمات التي توجعها توجع الطاغية قبلها، تظنها في همس القصيدة وهدأة الإيقاع، فتراها في صرخة التاريخ الخارج توًا من يد القابلة وأرحام الشوارع”.

صندوق مريمة حالة إنسانية

صندوق مرمية رسالة حب للكاتبة رضوى عاشور
صندوق مريمة رسالة حُبّ للسيدة راء!

هذه هي رضوى التي اعتبرتها سارة قويسي أمها في كتابها “صندوق مريمة”، فنحن أمام حالة إنسانية رائعة، وليس أمام كتاب أدبي جامد يتحدث عن سيرة ذاتية هنا أو أحداث متناثرة هناك.

وأكثر ما يميز كتاب “صندوق مريمة” هو صدق الكاتبة، فقد استطاعت بمهارة وبلغة راقية متماسكة أن تنقل إلى الصفحات ما تريد قوله وما تشعر به بالضبط دون زيادة أو نقصان، كتابة احترافية تنم عن ثقافة ودأب وصبر، حتى مع الكتابة العامية والتي كتب بها فصل كامل تتحدث فيه سارة عن قصتها مع رسالة الماجستير، والمتاعب النفسية والضغوط غير العادية والظروف التي وضعتها في موقف لا تحسد عليها، فقد أجادت الكتابة بالعامية، وإن كنت أفضل الاحتفاظ بالفصحى من البداية للنهاية لأني كنت أستمتع بلغتها، لكن في النهاية المبدع له الحق أن يكتب ما شاء كيفما شاء.

وفي النهاية أضع أمام القارئ ما قالته سارة نصًا في كتابها “صندوق مريمة” لتفسر علاقتها برضوى عاشور:

“فجأة جئت أنت من بين الجميع، بحث عن الرواية النسائية بنموذج مختلف لا يشبه كتابات النساء المنتشرة على الساحة… كان قلمك قلمًا مغردًا خارج الصف يحمل هم الأمة… امرأة عربية ولدت في عام 1946م ترى حياتها بين سقوط القدس وسقوط بغداد… أعمالها تبحر بنا في رحلة ما بين الأندلس وبغداد. حياة تحمل بين جنباتها الهزائم كلها.

كان هناك خيط ما يربطني بك منذ أن قرأت لكِ “ثلاثية غرناطة”، روابط خفية كتلك العلاقات العابرة التي تربطنا بأشخاص لا نعرفهم، ونقابلهم صدفة، ونحكي لهم عن كل ما يموج به القلب، ونتركهم على موعد بلقاء آخر لا نعلم ميعاده، ولكننا نتمناه. صدفة خالية من الانتظار تملأ القلب بالشغف والحنين”.

ضم كتاب “صندوق مريمة” في خاتمته سيرة ذاتية أدبية شاملة لرضوى عاشور، وكأن الكتاب في حقيقته ما هو إلا توثيق من الكاتبة ورسالة محبة لروح رضوى عاشور. سارة قويسي، ناقدة أدبية، وباحثة أكاديمية متخصصة في النقد الأدبي، وتحمل درجة الماجستير، ولها عدة مقالات أدبية منشورة في عدد من المواقع المتخصصة، ويعد كتاب “صندوق مريمة” عملها الأول المنشور.

1

شاركنا رأيك حول "صندوق مريمة: كتاب عن التماهي في حُبّ السيدة راء!"